أمين الشرطة عكاشة

24/02/2016 - 2:52:17

عكاشة عكاشة

كتب - عادل سعد

فى توقيت لا يخفى على أحد طالب توفيق عكاشة المعروف بعلاقاته المتينة بالأجهزة السرية وبنظام مبارك، بحل البرلمان وإقالة الحكومة وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.


على المكشوف، يراهن عكاشة وغيره كثيرون من الفئران، من الأجهزة السرية والعلنية، على القفز من السفينة، معتقدين أن الوقت مهيأ تماما لدولة الفلول لاستعادة الكرسى الأثير، والإطاحة بالسيسى لتستعيد دولة مبارك العميقة قدراتها بالتغلغل فى أحشائنا لتمزيقها من جديد.


ما يصفه عكاشة سيكون المشهد الأخير فى مسرحية الالتفاف على الثورة، والتى بدأت بنوم حسنى مبارك كالصرصار مقلوبا، ليتفادى غضب الناس مرورا ببراءته الشهيرة هو وأولاده وكل حاشيته من كل القضايا، وصولا إلى إسقاط حشرات الإخوان لنصل لقمة التراجيديا بعودة مبارك وأولاده لحكم مصر، وسط عاصفة من التصفيق، لأن البلاد عانت طويلا من غلاء الأسعار فى أيام غيابهم المجيدة، ووقتها لا مانع من استعادة بعض الأموال المنهوبة من الخارج لرشها على المواطنين، ليتحقق الرخاء على يد مبارك ورجاله، وتنتعش الأسواق ويعود رجال الأعمال اللصوص للتفانى فى حب الوطن.


تصريحات عكاشة نقرؤها على خلفية حادث لأمين شرطة منحرف جرى تصعيده ليكتمل مشهد الفوضى بمظاهرات من رجال الداخلية ضد الداخلية نفسها، تمهيدا لما سيجرى على مسرح الأحداث.


ومع أن الحادث يتكرركل يوم مع وجود ٢٠ ألف أمين شرطة ابتدع كيانهم الضليع فى الممارسات الأمنية الفاضحة وصاحب أطول وأقبح لسان لوزير عرفته مصر اللواء زكى بدر وزير الداخلية الأسبق، فإن الوزارة التى بادرت منذ خمس سنوات بإغلاق معهد أمناء الشرطة؛ أملا فى تجفيف منابع الروائح الكريهة ،عالجت الموضوع بكوارث أخرى.


أحالت الوزارة فجأة ما يقرب من ثلاثة آلاف أمين شرطة للجان التأديب والفصل من الخدمة، وأدخلت بعضهم السجن لتصب البنزين على النار.


كانت الوزارة قبلها بأسابيع معدودة محاطة باتهامات لا تخطئها عين عن توسع عمليات الاختفاء القسرى، ومع أن المجلس القومى لحقوق الإنسان يترأسه الآن محمد فائق أحد رموز عهد عبدالناصر، الذى كان لا يعترف بحقوق الإنسان أصلا ولا مراقبة المعتقلات قضائيا، إلا أن الفضيحة تفجرت وتوالت، مما استدعى تدخل الرئيس شخصيا للتحقيق فيما يجرى.


التحقيق مع الضباط المتورطين فى قضايا التعذيب والاختفاء القسري، ولاحظ التوقيت، يعقبه مباشرة أزمة عارمة للأطباء بعد اقتحام عدد من الأمناء للمستشفيات لاستخراج شهادات مضروبة غصبا من الأطباء وضربهم بالأحذية وهناك تسجيلات فيديو بذلك، يعقبها بدلا من التدخل الحازم بسحق هؤلاء السفلة حملة منظمة تهاجم كل الأطباء والمستشفيات والمسئولين عن الصحة، ومع أن الأخطاء الطبية موضوع آخر، ولا ينبغى ربطه باستحلال الأمناء لانتهاك المستشفيات لاستخراج شهادات تزج بمواطنين للسجن، فإن الداخلية آخر من يلوم أداء الأطباء، لأن أجهزتها الأمنية هى التى اختارت بدون أى شك معظم قيادات وزارة الصحة.


ومن يومها والنفخ فى الدخان يتصاعد، مع موعد إعلان الحكومة لبيانها أمام البرلمان وتسرب أنباء عن رفع أسعار المحروقات وإلغاء الدعم ورفع كل الأسعار.


وفى المشادة التى جرت بين أمين الشرطة حاتم وسائق تكتوك درب شغلان بالمغربلين محمد دربكة صاحب «غية الحمام»، والتى انتهت بموته، تلكأت الوزارة فى إحالة الأمين للمحاكمة، وكالعادة سربت نبأ بأن الأمين كان يفرق المتجمهرين فأطلق عيارات فى الهواء.


وهكذا جرى استفزاز الناس، وارتفعت لافتات: «شهيد لقمة العيش» وخرجت مشاعر الغضب عقب دفنه بباب الوزير والناس تردد: «العدل قليل والظلم أكثر».


أزمة الأمناء أرادتها وزارة الداخلية كبش فداء للتغطية على أخطاء الضباط، بإحالة أعداد ضخمة من الأمناء للفصل والتأديب، ما أشعل الموقف وخرجت المظاهرات العارمة من الأمناء فى الشرقية والفيوم.


ومافعلته وزارة الداخلية ينبغى أن تحاسب عليه، لأن المفترض إذا كان هؤلاء مجرمون فعلا، أن يحالوا قبل تلك الأحداث للتحقيقات والتأديب والفصل، وكلنا نعرف أن من ضمن مخططات إجهاض ثورة يناير عودة أكثر من ٥ آلاف أمين شرطة من أرباب السوابق والبلطجية والصادر ضدهم أحكاما للخدمة، ليعود المجرمون كما كانوا دائما فى عهد مبارك حراسا للأمن.


وكان واجب الوزارة أن تبدأ فى تطهير نفسها، وأن تستغل التعاطف الشعبى الجارف مع شهدائها فى مكافحة الإرهاب بتطهير صفوفها والتعامل بحزم مع كل خروج على القانون والدستور.


لكن الوزارة لم تفعل وبدأت النيران، تتغذى بالأطباء والأمناء ورفع الأسعار، ويزيد فى لهيبها من يحاربون لعودة الحزب الوطنى والفلول بالرهان الأخير الذى يطرحه عكاشة.


الإعلام أيضا كان منفلتا، وأعتقد أن هذا مقصود، ووصل لدرجة أن يصفه أحدهم بالإعلام الفاسد الداعر، فى برنامج أحمد موسى، الذى تلقى التعبير كالعادة بصدر رحب، والسؤال لماذا لا تحدث كل هذه الفوضى الإعلامية، والقوانين التى وضعها الصحفيون والإعلاميون التى قد نتفق أو نختلف عليها استغرقت سنوات، وفى الآخرأزاحها الزند وزير العدل ليعلن أن لديه قوانين أخرى، لا نعرفها بالطبع، لكنها ستعيدنا بالطبع إلى زمن عبدالناصر، مع أن هذا مستحيل، ولعل أطرف ما سمعت عن هذا القانون الزندى أن ملكية الصحف القومية التى كانت لمجلسى الشعب والشورى باعتبارهما ممثلى الشعب ستئول لجهاز الأمن الوطني.


نحن الآن على أبواب عودة المدارس، وأعتقد أن هناك تصعيدا سيجرى فى الجامعات.


وما يبدو من تجمعات فئوية يومية أمام مبنى مجلس الوزراء يبدو لافتا.


والحقيقة أن المواجهة بين ثورة يناير بكل ما تمثله من رغبة فى التطهر وبدء عهد جديد، وفلول مبارك تتصاعد، ودرجة الغليان تنذر بمخاطر عديدة.


وأعتقد أن الأمناء ليسوا وحدهم المسئولين عن أزمة الأمن، بل الوزارة التى لم يتعود ضباطها على العمل كمحققين فى مطاردة الجريمة، ومازالت وسائلهم تعتمد على الضرب والتعذيب لانتزاع الاعترافات، وتحصيل الغرامات على الأكمنة والرشاوى بغض النظر عن حالة المرور، والحصول على إتاوات من المواطن الذى يئن من غياب الأمن بالشارع، بينما معسكرات الأمن المركزى تكتظ بمئات الآلاف من الجنود.


ما جرى من المواطنين فى الدرب الأحمر وفى نقابة الأطباء وفى مراكز حقوق الإنسان طبيعيا، والحقيقة أن ثورة المصريين العظيمة فى يناير لم تنجح فى تغيير طبيعة الحكم، لكنها نجحت فى تغيير المصريين.