وقفة ضرورية.. مع «الداخلية»

24/02/2016 - 2:45:34

صورة اختفت بعد ٣٠ يونيو التى أعادت الشرطة للشعب صورة اختفت بعد ٣٠ يونيو التى أعادت الشرطة للشعب

كتب - حمدى الكنيسى

سؤال: كيف يكون شعار من يهزه من الأعماق حزناً وتعاطفاً خبر سقوط شهيد جديد من رجال الشرطة، وإذا به يصدمه خبر تجاوز جديد يرتكبه من يكون زميلاً لكل شهيد؟!


حقيقة: المعروف للقاصى والدانى أن “وزارة الداخلية” فى أية دولة من أكثر الوزارات التى لا تلقى قبولاً واسعاً من المواطنين، حيث إنها “من خلال ضباطها وجنودها وأمناء شرطتها” منوط بهم إقرار النظام والأمن والاستقرار، ومن ثم يرفضهم البعض خاصة من هواة المخالفات والانحرافات!.


لكن التطورات تظهر كيف تتسع مساحة الرفض وعدم القبول، وصولاً إلى الاحتجاج وإطلاق الهتافات المعادية للداخلية، عندما يرتكب بعض المنتسبين إليها من ضباط وأمناء شرطة وجنود تجاوزات تؤدى إلى إهانة أو إصابة أو قتل مواطنين!


هذه الحقيقة تفرض نفسها علينا بقوة فى هذه الفترة الحرجة من تاريخنا، وعندما نتأملها بعمق، ونرى من خلالها ما يدور بين بعض أفراد الشرطة والمواطنين تفاجئنا وقائع صاخبة، لعلنى أوضحها فى السطور التالية:-


الوقائع: أولاً: صحيح أن من أسباب “ثورة ٢٥ يناير” حالات الفساد ومخطط التوريث الذى بدأت مقدماته واضحة مستفزة، لكن الصحيح أيضاً أن تجاوزات الشرطة وإفراطها فى التعامل العنيف مع المواطنين كانت من الأسباب التى دفعت الملايين للاحتشاد فى ميدان التحرير مطالبة بإسقاط النظام “بفساده وتوريثه وشرطته”، ولعل مأساة وفاة خالد سعيد بسبب التعذيب كانت من دوافع إطلاق الثورة، وعندما حاولت الشرطة فض المظاهرات وإخلاء ميدان التحرير، عادت إلى الذاكرة صور العنف والقهر، ولأن محترفى استغلال الفرص بهدف التوصل إلى هدفهم الأخير الذى يعملون من أجله تحت الأرض وفوق الأرض على مدى ثمانين عاماً وهو الحكم والسيطرة سارعوا إلى إشعال الصدام بين المواطنين والشرطة، وعلى الفور انطلق مخطط اقتحام أقسام الشرطة وضرب وقتل الضباط والجنود، بينما قامت “القناة المأجورة” إياها بتضخيم إجراءات الشرطة ووضعها فى قفص الاتهام، وذلك بقلب الحقائق المتصلة بعمليات اقتحام وحرق الأقسام وقتل وإصابة من فيها!.. وهكذا نجحت الوقيعة الإخوانية الأمريكية بين الشعب والداخلية، بل إنها سعت لخلق وقيعة أخرى بين الشعب والقوات المسلحة بإطلاق هتاف “يسقط حكم العسكر”! وإن كانت هذه الوقيعة مع الجيش لم تنجح، لأنه لا يحمل فى تاريخه أى صدامات أو تجاوزات ضد المواطنين.


ثانياً: بدأت مرحلة جديدة حملت فى ثناياها البشرى بإغلاق ملف الخلافات والحساسيات بين الشعب والشرطة عندما انضم الضباط والجنود إلى الشعب فى “ثورة يونيه” وشاهدنا كيف كان المتظاهرون ضد النظام الفاشى يحملون فوق الأعناق ضباط وجنود الشرطة، ويهتفون “ الشعب والشرطة إيد واحدة”.


وعندما حاول المتواطئون والمتربصون تشويه موقف الشرطة فى عمليات فض اعتصامى رابعة والنهضة لم يفلحوا فى ذلك، لأن الإعلام الوطنى أظهر كيف كانت الاعتداءات.. والرصاصات تنطلق من صفوف المعتصمين وتقتل وتصيب عدداً من الضباط والجنود الذين التزموا بضبط النفس إلى أقصى درجة إلا أنه كانت الخسائر بين المعتصمين أضعافاً مضاعفة!.


ثم امتدت هذه المرحلة لتكتسب العلاقة بين الشرطة والشعب أبعادا أخرى من تبادل التقدير والاحترام عندما توالى سقوط الشهداء من الضباط وأمناء الشرطة والجنود بأيدى الإرهابيين وميليشيات الإخوان والجماعات الإسلامية، وعاد الشعار الرائع ليرتفع شعار “الشعب والشرطة إيد واحدة”.


ثالثاً: بدأت مرحلة كئيبة نرجوا ألا يطول أمدها، حيث فوجئنا بأخطاء وتجاوزات خطيرة يرتكبها بعض رجال الشرطة حتى وإن كانوا “قلة قليلة”، إلا أنهم قرروا فيما يبدو أن يهدموا الشعار الرائع ويعيدوا السيرة الأولى للخلافات والحساسيات بين الشعب والشرطة، حتى بدا للبعض -وقد أكون أنا شخصياً منهم - أنها مؤامرة مدبرة انزلقت إليها هذه القلة من الضباط وأمناء الشرطة دون أن يدركوا خطورة ما يرتكبونه، وهكذا بدأت تصفع آذاننا وعقولنا وقلوبنا أخبار مهما كانت متباعدة، إلا أنها تصب الزيت فوق النار الكامنة وتضع “وزارة الداخلية” فى حرج شديد ومواقف بالغة التناقض ففى الوقت الذى تقدم فيها شهداء جدداً، يخرج من صفوفها ضابط يتسبب فى قتل مواطن، ولا نكاد نحن نلتقط أنفاسنا حتى تصفعنا وتستفزنا الأنباء عما ارتكبه بعض أمناء الشرطة ضد أطباء مستشفى المطرية، مما فجر مظاهرات واحتجاجات الأطباء وسط تعاطف جماهيرى واضح معهم، ورفض قاطع لما فعله من لايستحقون كلمة “أمناء” لأنهم خانوا “أمانة وظيفتهم” وبدلاً من حماية واحترام أولئك الأطباء وجهوا لهم الإهانات لفظاً عملاً واستغلوا مواقعهم فى إخفاء أدلة جريمتهم!!.. وتوقعنا – ربما “لسذاجتنا” أو لإصرارنا على التمسك بتقديرنا واعتزازنا بمن يحققون لنا الأمن والأمان - أن تسارع “الداخلية” إلى الحساب العاجل والصارم وتوقيع العقاب الفورى والحاسم على مرتبكى الحادث من أمناء الشرطة، ولو حتى بتحويلهم إلى محاكمة عسكرية، إلا أننا فوجئنا بقرارات لا تحمل ما نتمناه وما كان من الممكن أن يخفف من أثر ما حدث، وعاد مسلسل التجاوزات السيئة ليصفع آذاننا وقلوبنا وعقولنا بما حدث فى “الدرب الأحمر” ومقتل مواطن بطلقة من مسدس رقيب شرطة، لتشتعل المظاهرات بصورة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، وعندما حاولت قيادات الداخلية ذلك تعرضت لحرج بعد حرج فيضطر - مثلا – اللواء “أبو بكر عبدالكريم” مساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة والإعلام إلى الاتصال بعدة قنوات فضائية لتصوير ما حدث بشكل يخفف من خطورته، ثم تتباين وتتناقض التصريحات والبيانات التى تصدرها الوزارة على حساب دقتها ومصداقيتها، مما يؤجج المزيد من الغضب.


رابعاً: قبل البكاء على اللبن المسكوب:


النتيجة حتى الآن أن الأمور تسوء وتنذر بعواقب لا تحتمل، فيتراجع التعاطف مع “الداخلية” فى مهمتها الأساسية، وتحل تدريجياً مشاعر العداء وفقدان الثقة، مما يسعد الجماعة الإرهابية وتنظيمها الدولى ويجعلها تتفانى فى استغلال ما حدث لتشويه “الدولة” وليست “الداخلية” وحدها، وتلعب بعض “جمعيات حقوق الإنسان” دورها المحدد لها، والذى يضعها فى نفس الخندق مع الجماعة إياها، فتصدر البيانات مناشدة العالم حماية المواطنين المصريين الذين تضيع حقوقهم كل يوم..! ويكفى لهؤلاء المتربصين أن يبرزوا هتاف أهالى الدرب الأحمر.. الداخلية بلطجية وذلك أثناء تشييع جثة السائق القتيل..!


إذن - ياحضرات - لم يعد أمام الدولة.. وتحديداً “الداخلية” إلا التحرك السريع الحاسم قبل البكاء على اللبن المسكوب يوم لا يجدى البكاء ولا ينفع الدعاء.. ولابديل الآن عن الالتزام بما وجهه الرئيس السيسى لوزير الداخلية اللواء مجدى عبدالغفار.. من العمل على إصدار تعديلات تشريعية أو سن قوانين جديدة تكفل ضبط الأداء الأمنى فى الشارع بما يضمن محاسبة كل من يتجاوز فى حق المواطنين، والمقصود طبعاً أن تتم المحاسبة بأقصى سرعة وبمنتهى الشفافية.. هذا وأتصور أن التشريعات أو الإجراءات المطلوبة تتضمن التالى:


١ - دراسة الأسباب النفسية والتنظيمية التى تدفع بعض أمناء الشرطة إلى ارتكاب هذه الأفعال الخطيرة.


٢ - إعادة ترتيب وتأهيل مئات الآلاف من الجنود وأمناء الشرطة.


٣ - إعادة النظر فى بقاء أو تطوير معهد أمناء الشرطة.


٤ - التأكيد الحاسم على أن من يتجاوز بعد ذلك سيلقى العقاب الصادم فوراً، وإذا ما حاولت أى فئة الخروج عن هذه القواعد وغيرها كما حدث من بعض أمناء الشرطة فى “الشرقية” من اعتصام وتظاهر دون أن تتخد الوزارة قرارات رادعة مما جعلهم يتصورون أنهم “فوق المساءلة والمحاسبة!


٥- أن تقدم القيادات والرتب الكبيرة ما يعتبر المثل القدوة.


٦- أن تتوقف الوزارة عن بيانات التهوين والتهدئة بلا مبرر واضح.


٧ - أن تسارع الوزارة إلى توضيح أى خطأ أو تجاوز، حتى لا تصدر الشائعات وتلعب مواقع الاتصال لعبتها المريبة فى إشعال الفتنة.


أخيراً: أقول.. أرجو أن تكون الوقفة الضرورية مع الداخلية قد وضعت النقاط فوق الحروف فنرى هيكلة جديدة للوزارة “ليست بهدف ومواصفات الهيكلة” التى رفعت الجماعة إياها شعارها، حيث كان المقصود وقتها تفريغ الداخلية من القيادات والعناصر الأساسية التى تملك الخبرة وعميق الوطنية.. والمؤكد أن ما سجلته آنفاً من رؤيتى للتشريعات والإجراءات المطلوبة، إذا ما تم الاقتناع بها وتنفيذها اليوم قبل الغد سوف يعود للداخلية مكانها الذى احتلته عن جدارة فى قلوب وعقول المواطنين أثناء “ثورة يونيه” كما تعود لدولتنا العزيزة صفتها التى أكدتها “الثورة” وجسدتها “خارطة الطريق” كدولة القانون التى لامكان فيها لشريعة الغاب.