إنقاذ الداخلية من نفسها! لماذا يشك الناس فى جدية قيادتها لمواجهة تجاوزات رجال الشرطة؟

24/02/2016 - 2:42:36

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - عبدالقادر شهيب

كل التجاوزات التى ارتكبها رجال الشرطة على مدار العام الماضى تعرض مرتكبوها للمساءلة والحساب القانونى ، سواء من قبل جهاز الشرطة أو من القضاء، ومع ذلك فإن ثمة ضيق بل غضب تزايد مع كل حادثة تجاوز لرجل ينتمى للشرطة، وعبر هذا الغضب عن نفسه خارج مواقع التواصل الاجتماعى والإعلام المرئى والمسموع والمقروء فى شكل احتجاجات وتجمعات وإضرابات محدودة عن العمل، مثلما فعل الأطباء مؤخرا بعد اعتداء أمين شرطة وزملائه على اثنين من الأطباء الشبان، ومثلما حدث أيضا فى الدرب الأحمر بالقاهرة بعد قتل رقيب شرطة مواطناً شاباً لخلاف حول تكلفة نقل!..


والسبب فى ذلك يكمن فى الطريقة التى انتهجتها وزارة الداخلية ومن بعدها الحكومة فى مواجهة هذه التجاوزات لبعض رجال الشرطة. إذن المشكلة ليست فى تجاوزات رجال الشرطة وإنما المشكلة الأكبر فى الطريقة التى يتم بها التصدى حكوميا وشرطياً لهذه التجاوزات .. فكل بلاد العالم بما فيها أكثر البلاد التى تتباهى بحرصها على حقوق الإنسان تحدث فيها تجاوزات من قبل بعض رجال الشرطة .. وقد شاهدنا ذلك بشكل صارخ فى الولايات المتحدة الأمريكية التى تنصب نفسها مراقباً لحالة حقوق الإنسان فى غيرها من البلاد .. ورغم أن هذا الحادث أدى إلى حدوث احتجاجات واسعة اقترنت بها أحداث وأعمال عنف بين مواطنين أمريكيين سود وبين رجال الشرطة الأمريكية، إلا أن ذلك الحادث وغيره من حوادث أمريكية أخرى كان من أبرزها التصدى العنيف للشرطة لمعتصمى ويل ستريت فى مدينة نيويورك، لم يصنع غضباً واسعاً لدى الرأى العام ، لأن الدولة الأمريكية انتهجت طريقة فى مواجهة تجاوزات الشرطة لديها تلقى قبولا للرأى العام وتقنعه بأنها جادة فى مواجهة هذه التجاوزات، أو بأن هذه التجاوزات مجرد استثناء ولايمكن أن تتحول إلى سياسة أو سمة عامة للشرطة ورجالها لديها .


غير أن الأمر لدينا مختلف .. الحكومة ووزارة الداخلية لاتتصرف بطريقة تطمئن الرأى العام أو تقنعه بأنها جادة فى مواجهة هذه التجاوزات وحازمة فى حساب من يرتكبونها وتوقيع العقاب الذى يستحقونه على ماارتكبوه من تجاوزات فى حق مواطنين عاديين أو فئات منهم أو هيئات مختلفة .. ولذلك لا تجد تصريحات قادة جهاز الشرطة صدى مناسباً فى نفوس الناس أو التأثير المبتغى لدى الرأى العام .


ولعل الخطأ الأساسى فى هذه الطريقة هو ذلك البطء السخيف فى رد الفعل بالنسبة لقيادة الداخلية والحكومة فى مواجهة هذه التجاوزات .. دائما لا تبادر قيادة الداخلية بإعلان موقف حاسم وحازم تجاه أية تجاوزات فور وقوعها، وإنما تترك الأمر لتلوكه الألسن من كل الاتجاهات ولتختلط فيه الشائعات بالمعلومات الصحيحة، ثم عندما تبدأ قيادة الداخلية فى اتخاذ موقف تجاه هذه التجاوزات تبدو أمام الرأى العام أنها فعلت ذلك مكرهة أو مضطرة تحت ضغط الإعلام والغضب الذى بدأ الناس يستشعرونه.. وهنا يستشعر الرأى العام بأن قيادة الداخلية غير جادة فى مواجهة هذه التجاوزات التى يرتكبها بعض رجالها وبالتالى غير جادة قى حساب ومساءلة وعقاب مرتكبيها.. وهكذا قيادة الداخلية ذاتها هى التى تمنح الفرصة لمن يريدون الاصطياد فى الماء العكر لأنها تتباطأ فى التخلص من هذا الماء العكر.


انظروا لما فعلته قيادة الداخلية فى واقعة اعتداء أمين شرطة بمساعدة زملاء له على طبيبين شابين فى مستشفى إحدى المناطق الشعبية.. لقد تركت الأمور تسير بدون تدخل واضح لها أو رد فعل محدد لها وكأن ماحدث لايخصها أو أنها ليست طرفا فى الموضوع، رغم أن من قيام بالاعتداء عدد من رجال ينتسبون إليها ويرتدون زى جهاز الشرطة، ولذلك لجأ أمناء الشرطة المتهمون فى هذه الواقعة إلى الحيل والألاعيب القانونية التى يعرضونها للإفلات من الحساب والمساءلة .


وعندما استنفرت نقابة الأطباء بدأت قيادة الداخلية فى إجراء التحريات حول بلاغ الأطباء، لكن هذه التحريات حول الواقعة استغرقت وقتاً ليس بالقصير، رغم أن الأعصاب كانت ملتهبة والنفوس غاضبة والذين يريدون استغلال أو استثمار الواقعة سياسياً جاهزون بل وبدأوا العمل فعلا فور حدوث الاعتداء على الأطباء .


وياليت الأمر يقتصر على بطء رد فعل قيادة جهاز الشرطة فى مواجهة تجاوزات بعض من ينتسبون لهذا الجهاز سواء كانوا أمناء أو أفراداً أو ضباطاً، وإنما حتى بعد هذا البطء وحينما تخرج قيادة الجهاز لتعلن موقفها أو رد فعلها إزاء كل واقعة تجاوز لأحد من رجالها يفتقد أسلوبها المعانى التى يحتاجها الرأى العام وهو الحزم والحسم والقوة فى التصدى للتجاوز ومحاسبة ومعاقبة من يرتكبونها .


انظروا للتصريحات الصحفية والإعلامية الأولى التى خرجت عن قيادة الداخلية فور مقتل شاب الدرب الأحمر.. انها بصراحة شديدة اتسمت بأنها باردة ولا تتناسب مع حدث جلل ولا تتضمن الإدانة الشديدة للفعل الشائن الذى ارتكبه رقيب الشرطة .. نعم كل متهم برىء حتى تثبت إدانته.. ولكن هذا هو شأن السلطة القضائية.. أما السلطة التنفيذية وتحديدا جهاز الشرطة، فقد كان الرأى العام يحتاج فور وقوع هذا الحادث ومن قبله حوادث أخرى يحتاج منها أن تنتفض غضباً وسريعا لشجب وإدانة استخدام أحد رجالها سلاحه لقتل مواطن عادى شاب، فهذا السلاح حصل عليه هذا الشرطى للدفاع عن مثل هذا المواطن وغيره من المواطنين وليس قتله، والتصدى فقط به للمجرمين والدفاع عن نفسه إذا تعرض لخطر يهدد حياته!


وحتى عندما تحدث وزير الداخلية بقوة وحسم وحزم ضد تجاوزات بعض رجال الشرطة جاء حديثه بعد أن استدعاه رئيس الجمهورية ونبهه إلى خطورة مثل هذه التجاوزات ولضرورة التصدى بقوة لها، ومحاسبة من يرتكبونها، والأهم السعى لإحباطها قبل وقوعها والتقليل منها، خاصة وأنها زادت عددياً خلال العام الماضى (٢٠١٥) ، وتجاوزت فى نوعها الاعتداء اللفظى والبدنى وفرض الإتاوات لتصل إلى جرائم الاغتصاب والقتل أخيرا .. وهذا أعطى انطباعاً للرأى العام أنه لم يتحرك من تلقاء نفسه، وإنما تحرك بعد توجيه من الرئيس .. أى أنه لولا تدخل الرئيس - كما يقول البعض - ماكانت قيادة الداخلية قد تحدثت أخيرا بهذه القوة وهذا الحزم والحسم تجاه تجاو زات بعض أبنائها وقيادة الداخلية بصراحة شديدة هى التى وضعت نفسها فى هذا الموقف الذى لاتحسد عليه، أى موقف المشكوك فيه من قبل الرأى العام أو تحديدا المشكوك فى جدية عزمه مواجهة بعض رجال الشرطة.. ولم يحدث ذلك بالتأخر أو البطء فى اعلام موقف يدين أى تجاوز فور وقوعه ويحاسب من يركتبه أو الحديث عن هذه التجاوزات بأسلوب لايقنع الرأى العام بجدية رفض قيادة الداخلية له، وإنما حدث ذلك أيضا بالخطأ الفادح الذى تم فى علاج مشكلة داخلية، أى داخل جهاز الشرطة، وهى مشكلة اعتصام جمع من أمناء الشرطة أمام مبنى مديرية أمن الشرقية وإغلاقها بالجنازير ومنع مدير أمن المحافظة والقيادات الأمنية من دخول المبنى للقيام بعملهم فى توفير الأمن.. وقتها وحتى الآن لم تحاسب وزارة الداخلية أحدا من الشرطة هؤلاء الذين استخدموا أسلحتهم فى غلق مبنى المديرية وهددوا باستخدامها فى مواجهة أية محاولة لفض اعتصامهم من قبل قوات الأمن المركزى التى تم استدعاؤها .


صحيح أننا نحتاج لأقصى قدر من الحكمة والعقل فى التعامل مع المشاكل والأزمات، وقد كان عدم اللجوء إلى فض اعتصام عدد من أمناء الشرطة فى الشرقية بالقوة قراراً حكيماً.. لكن يجب إلا تحول الحكمة دون تنفيذ القانون وألا يتيح العقل اسنثناء للبعض منا من حكم القانون، وإلا اتسع الاستثناء بمرور الوقت بدعوى الحكمة والعقل وتحول إلى قاعدة عامة .. لقد كان ضرورياً أنتم محاسبة من تظاهروا بدون تصريح من بين أمناء الشرطة قانوناً وليس إنكار أنهم تظاهروا كما قال المتحدث باسم وزارة الداخلية وقتها، وكان يتعين أن تكون المحاسبة حازمة لأن التظاهر والاعتصام كان مسلحاً وهذه هى جريمة أخرى .. وهكذا كانت الرسالة التى بعثت بها قيادة الداخلية للرأى العام وقتها أنها لاتحاسب رجالها على مايرتكبونه من أخطاء فى حق مؤسسة الشرطة ذاتها، أو خروجاً على القانون .. ولذلك عندما توالت تجاوزات عدد من رجال الشرطة بحق مواطنين عاديين كان من الطبيعى أن تثور شكوك عموم الناس وليس فقط أهالى الضحايا فى جدية قيادة الشرطة على محاسبة وعقاب من ارتكبوا مثل هذه التجاوزات ، رغم تقديرهم الشديد للتضحيات التى قدمها رجال آخرون للشرطة.. وهكذا تجنى قيادة الداخلية ثمار مازرعت من قبل.. وياليت الأمر يقتصر على ذلك وإنما أذاقت الدولة كلها مرارة هذا الزرع، والحل هو حزم وحسم وجدية فى مواجهة أية تجاوزات وفورا وبدون تباطؤ .