الشرطة والشعب.. من انتفاضة الحرامية إلى ثورة يناير

24/02/2016 - 2:39:46

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - حسنين كروم

هناك حدثان مهمان فى الكشف عن علاقة الشرطة بالشعب وكيف تدهورت ووصلت إلى حالة عداء غير مسبوقة فى تاريخها: الأول هو الانتفاضة الشعبية فى الثامن والتاسع عشر من شهر يناير سنة ١٩٧٧ والتى أطلق عليها الرئيس الأسبق أنور السادات - انتفاضة الحرامية- والتى اندلعت بعد إعلان حكومة المرحوم ممدوح سالم رفع أسعار عدد من السلع المدعومة ومنها الخبز لسد جزء من عجز الميزانية.


فى المناسبات والزيارات وليس فى الأقسام والشرطة تهدى المواطن الورود


وكان وزير الاقتصاد وقتها المرحوم الدكتور عبدالمنعم القيسونى. وفجأة نزلت الملايين فى الشوارع من الإسكندرية شمالا إلى أسوان جنوبا، دون طلب من جماعة أو حزب ودون تنظيم تهتف ضد السادات. ورفعت صور خالد الذكر جمال عبدالناصر. وكان ذلك مما سبب آلما كبيرة للسادات .. ونزلت الشرطة لتفريق المتظاهرين. ودارت اشتباكات عنيفة. وأطلق الرصاص الحى على المتظاهرين وسقط فى هذين اليومين أكثر من مائتى وخمسين قتيلا وجرح أكثر من ثمان مائة. وعجزت الشرطة عن احتواء الموقف وطلب وزير الداخلية وقتها اللواء السيد فهمى وممدوح سالم من السادات إنزال الجيش. فاشترط وزير الدفاع وقتها المرحوم المشير محمد عبدالغنى الجمسى إلغاء القرارات. وأن الجيش لن يطلق رصاصة على أى متظاهر. وتمت الاستجابة له وأعلن عن إلغاء القرارات. وما إن شاهد الناس دبابات ومدرعات وعربات الجيش. حتى التفوا حولها وأخذوا يهتفون له وعادوا إلى منازلهم.


أما الذى أود الإشارة إليه فهو أنه رغم المصادمات بين الشرطة والمتظاهرين وسقوط هذا العدد الكبير من القتلى والجرحى. وانسحاب الشرطة من الشوارع. فلم تتعرض الأقسام والمراكز والمديريات لأى هجمات أو تدمير أو حرق ولا سيارات الأمن المركزى والمطافىء للحرق.


وحتى عمليات السلب والنهب لوحظ أنها كادت تنحصر فى ملاهى شارع الهرم. والمجمع الاستهلاكى فى السيدة زينب وغيره. وحتى هذه العمليات غلب عليها طابع كوميدى فى بعض الأحيان، فقد قام الفنان سمير صبرى فى برنامجه النادى الدولى الذى كان يقدمه فى التليفزيون. بإجراء حوار مع أحد المقبوض عليهم فى سرقة أدوات مطبخ من كازينو الإريزونا أو غيره .


- لا أذكر الاسم الآن بالضبط - وكان ضابط المباحث حاضرا .. وسأله سمير لماذا يسرق. فنفى أنه حرامى أو دخل ليسرق. وعاد لسؤاله “إزاى ده أنت مقبوض عليك.. والحاجات معاك. فأكد أنه مش حرامى. وقال "أنا كنت ماشى". لقيت الناس بتدخل وتخرج شايله كراسى وصناديق ويسكى. فدخلت أنا كمان وأخدت شوك وسكاكين وأطباق وملاعق. ولما سأله. دى سرقة. فقال له. مش سرقة أصلى أنا كنت باستعد للزواج وكان ناقص أدوات المطبخ قلت أدخل وأجهز نفسى واستمر الحوار على هذا الشكل؟ سمير يقنعه أنها سرقة. والشاب ينفى ويؤكد أنها حقه حتى يجهز نفسه”. ولم يتمالك الضابط نفسه فترك مكتبه وحتى سمير كان يضحك. والشاب ثابت على موقفه.. وهذا ما أذكره بشكل عام وسمير صبرى يستطيع أن يستعيد هذه المشاهد. كما كان هناك السيدة العجوز التى خرجت تحمل فوق رأسها صندوق ويسكى. ومن المشاهد الكوميدية أيضا كان غلاف مجلة أكتوبر عن فتى أسمر قبض عليه وهو يسرق سلعاً أثناء الهجوم على المجمع الاستهلاكى بالسيدة زينب، وهو يبحلق بنظرات مخيفة . وكان الاتهام السائد وقتها أن هذه المظاهرات من تدبير الشيوعيين. المهم أن هذا الفتى اسمه بشير وكان يعمل فى مقهى اسمه الندوة الثقافية بعمارة التابعى الدمياطى بباب اللوق ومجاورة لمقهى سوق الحميدية. وكان من رواد الندوة الثقافية عدد كبير من الكتاب والصحفيين كنا نتجمع فيها لتدخلين الشيشة والتنباك. وكان يأتى إليها أيضا الفنان وحيد سيف. خاصة زميلنا المرحوم محمد تبارك رئيس القسم الفنى بأخبار اليوم كان المقهى مقره الرئيسى. وبعد أيام فوجئنا بعودة بشير وقال إنه كان فى طريقه للمقهى عندما شاهد هجوما على المجمع. ولما كان نفسه فى البلوبيف دخل وأخذ علبة واحدة فقط. ولم يتحرك بضعة أمتار حتى قبض عليه بها. وبعد حجزه عدة أيام أفرجت عنه المباحث. المهم لم يحدث أى شرخ حقيقى فى العلاقة بين الشعب والشرطة. وبعد أربع وثلاثين سنة اندلعت ثورة يناير. وحدث صدام فى أكثر من مكان ومحافظة . ورغم أن عدداً ممن سقطوا من المتظاهرين برصاص الشرطة. كان قليلا جدا قياسا لما سقط عام ١٩٧٧. فقد انهارت الشرطة وتركت معظم أماكنها فى الثامن عشر وتعرضت الأقسام والمراكز والمديريات والسجون وسيارات الأمن والإطفاء للتدمير. وسادت فى البلاد حالة من الفوضى العارمة التى لم تشهدها مصر . ونزل الجيش كما فى انتفاضة الحرامية -على حد وصف السادات لها - لكنه لم يعد لثكناته كما عاد أيام السادات ولا الشرطة عادت كما عادت أيامه وكأن شيئا لم يحدث منها والوزارة استمرت وظل السادات رئيسا للجمهورية حتى اغتياله فى السادس من أكتوبر سنة ١٩٨١ فى انتفاضة ١٩٧٧ أقيمت محاكمات مدنية للعشرات من الذين قبض عليهم ولم تخل بعضها من طرائف، فعند محاكمة إحدى المجموعات نودى على أسمائهم. وتم إثبات وجودهم فى القفص إلا واحداً ولما سأل القاضى عن أسباب غيابه قالت هيئة الدفاع له. إنه لن يحضر لأنه متوفى من سنتين وقدموا شهادة الوفاة . فأصدر حكما بالإفراج وكانت التحريات المقدمة تقول إنه شوهد يقود مظاهرة .. ومن الطرائف أيضا أن من الأدلة ضبط أعداد من مجلة روز اليوسف.


أما فى يناير ٢٠١١ فقد تم تقديم مبارك للمحاكمة هو وأركان نظامه ووزير الداخلية وعدد من القيادات الأمنية . واحتاج الأمر فترة حتى تستعيد الشرطة قوتها وترتبط بالشعب، وساعدها فى ذلك اختطاف الإخوان للثورة. والفوضى التى ضربت أمن الناس بسبب غياب الشرطة.


والسؤال الآن . ما المسئولية التاريخية لمبارك ونظامه فى وصول العلاقة بين الشرطة والشعب إلى ما وصلت إليه وانفجرت فى ثورة يناير ٢٠١١ .