قضاة وقانونيون عن «جرائم الشرطة»:عدّلوا القوانين الحاكمة لأداء «الداخلية»

24/02/2016 - 2:13:53

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير: إيمان كامل

لن تمر الأخطاء والجرائم المتتالية من أمناء الشرطة وأفراد عاملين بوزارة الداخلية خلال الأيام الأخيرة بسلام، إذ استوجبت وقفة من المجتمع بكامله، بدءا من رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسى الذى دعا إلى سن قوانين لردع المخالفين، وانتهاء إلى المواطنين فى الشارع، والذين اعتصم بعضهم أمام مديرية أمن القاهرة احتجاجا على مقتل سائق على يد رقيب شرطة فى منطقة الدرب الأحمر.. عدد من القضاة، والقانونيين، أكدوا أن الأخطاء التى يرتكبها عاملون بوزارة الداخلية لا تستوجب سن قوانين جديدة، وإنما إدخال تعديلات عليها، خاصة أن قانون العقوبات ملىء بالأحكام الرادعة، لكنه لا ينفذ، ولا يتم احترامه.


المستشارة تهانى الجبالي، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا سابقا، قالت: «لا يمكن أن نتغافل عن الجهود الجبارة التى تبذلها قوى الأمن فى الشارع لأننا نواجه حالة غير عادية من استنفار ضد الإرهاب وتراجع فى السلوكيات العامة ولابد من النظر فيما يحدث من أخطاء من بعض رجال وأفراد الأمن كاستثناء من قاعدة ما يبذل من جهد أمنى، نحن نحتاج لإعادة النظر فى الاشتباك بين الأمن الجنائى والاجتماعى، فالأخير يحتاج لجهود الشرطة كالشرطة النسائية وجهود تطوعية لسكان الأحياء وآمل أن نجد حلاً لنخفف العبء عن الشرطة الجنائية فمسؤوليتها مزدوجة ومهامها كبيرة، وهنا من الممكن أن نجد أن الشرطى يرى سلوك اجتماعى مستفز فيشهر سلاحه لقتل مواطنًا، لكن هذا يجب أن يعاقب».


وعن قرار الرئيس السيسى بتعديل القانون المنظم للعلاقة بين الشرطة والمواطن، تقول الجبالي: الرئيس كقيادة نبه على ضرورة مراجعة الأمر ومحاولة تضمين القانون ما يسمح بضبط العلاقة بشكل أفضل، ولكن يسبق القانون رؤية الإصلاح نفسها، مضيفة: القول بأن الشرطة ستعود كما كانت فى عهد مبارك ادعاءات غير حقيقية، فالغالبية العظمى تعمل بمنتهى الاجتهاد وتضبط ظروف منفلتة وخاصة فى ظل عدم الالتزام من المواطن بالقانون، وبالتأكيد عندما يكون هناك ملايين المواطنين فى الشارع ستنتج بعض الأخطاء الفردية ولا يمكن تعميمها على كل رجال الشرطة، وهذا يحدث فى كل العالم، وهنا نجد أن المحاسبة هى الحل.


وترى الجبالى أن أخطاء الشرطة «فردية»، ويتم استغلالها من قبل جماعة الإخوان لتأجيج الرأى العام ضد النظام الحالي، متابعة: هذا جزء من عدم الوعى بخطورة حدوث أى خطأ يُستغل فيه الشعب لأن الاستهداف من مصر مازال قائماً ولم تكن كل الصيحات الأخيرة بريئة بالطبع.


انحرافات فردية


المستشار أحمد عبدالرحمن، النائب الأول لرئيس محكمة النقض، عضو مجلس القضاء الأعلى سابقًا، يرى أن الوضع الأمنى تحسن مؤخرا، «لكن وقوع جرائم فردى من بعض أفراد الشرطة لا يعنى أن جهاز الشرطة كله منحرف، بل هو جهاز وطنى مخلص وأدى دوره مع الجيش يداً واحدة لحماية ثورة ٣٠يونيو ٢٠١٣ وإنجاح الاستحقاقات الانتخابية الثلاثة ومكافحة الإرهاب، وبعض الوقائع التى حدثت من بعض أفراد الشرطة لا تنم إلا عن صاحبه».


وتمنى عضو مجلس القضاء الأعلى سابقًا أن يتطور جهاز الشرطة للأفضل فى الكشف على أساليب الجريمة، ومتابعة ما يحدث فى الحقل الشرطى على مستوى العالم،” فالجهاز الشرطى فى مصر ليس لديه الآليات التى تؤهله أن يضاهى الشرطة العالمية فحدثت له بعض التطورات الطفيفة كزيادة أعدادهم، ولكن التغير الفنى لم يحدث». وأضاف: كان الله عون الشرطة فى التعامل مع الشارع المصري، وما حدث له من انفلات أخلاقى وعدم احترام للقانون.. علينا ألا نساعد على الشعارات التى تهدف لهدم الشرطة التى استعادت نفسها بعد ثورة ٢٥يناير، ولكن المخطئ يعاقب بالقانون».


كما أوضح أن القانون نظم كيفية إطلاق النار واستعمال السلاح المسبب لوظيفة رجل وفرد الأمن والتدرج فى استعماله، وقال: طما حدث فى واقعة الدرب الأحمر هى مشاجرة عادية، ولكن هناك تضخماً فى الحدث وتناوله إعلاميا، القانون سيعاقب المخطئ، والداخلية ستتولى التحقيق ليقدم المتهم لمحاكمة عاجلة، وعلى رجل الأمن احترام القانون»، داعيًا إلى ضرورة إدخال تعديلات على جميع قوانين الأجهزة التنفيذية بما فيها جهاز الشرطة والسلطة القضائية، والأجهزة الرقابية والسيادية، «وذلك لما يعانيه المواطن من بطء العدالة والتعقيدات القانونية سواء فى أقسام الشرطة والمحاكم والنيابات».


نظرية المؤامرة


أما المستشار عبدالفتاح السيد، رئيس محكمة استئناف بنى سويف، فيرى أن” الوضع الأمنى فى تحسن كبير، وما يحدث الآن من هتافات عالية ضد الشرطة الهدف منها تشويه هذه المؤسسة العريقة الوطنية، كما أن ما حدث من تجاوزات من بعض رجال وأفراد الشرطة مجرد وقائع فردية لا تعتبر مقياساً لتعميمها على الجهاز بأكمله، وما يحدث هو استغلال لهذه الوقائع من الطابور الخامس، بل سوء استغلال مغرض لتأجيج الرأى العام، فالطابور الخامس والإخوان والمنظمات الحقوقية والمخابرات الأمريكية كلهم شركاء فى مخطط لإفشال مصر وهدم الشرطة، ولكن لم تحقق أهدافهم».


وعما إذا القانون يمنح الحق لفرد ورجل الشرطة فى إشهار السلاح على المواطنين فى الشارع، أوضح السيد أن القانون منح هذا الحق فى حالة الدفاع الشرعى، ولكن بتدرج فى استعماله فى الخطر الذى يهدده وهو ما يسمى استخدامه مع دافع الضرر، وإذا كان الخطر بسيطاً فلا يجوز استعماله ومن يتجاوز فيحاكم. وأضاف: قانون العقوبات ملىء بالعقوبات الرادعة لكل مخطئ سواء رجل شرطة أو مواطن، وقرار الرئيس السيسى بإدخال تعديلات على القانون المنظم لعلاقة الشرطى بالشارع مقصود به اللوائح الداخلية لقانون الشرطة والمحاكمات الداخلية، ومن المحتمل عودة المحاكمات الداخلية لأفراد الشرطة من خلال مجالس عسكرية تابعة للشرطة.


انتهاك ممنهج


فى حين ذهب عصام الإسلامبولي، الفقيه القانونى والدستوري، إلى أن أداء الشرطة مؤخرا «يؤكد أن هناك محاولات لإعادة إنتاج مفهوم الدولة البوليسية مرة أخرى كما كانت فى عهد نظام الرئيس الأسبق مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي»، معتبرا أن نفس النهج والتبريرات عقب كل تجاوز يصدر من رجال وأفراد الشرطة تجاه المواطنين يحدث الآن». وأضاف: «إذا كنا نحترم ما تقدمه الشرطة من شهداء ومحاربة الإرهاب، فنحن نرفض أى انتهاك للمواطنين، والمسئول عن ذلك هو الرئيس السيسي، فحماية الوطن والمواطن وكرامة المواطن أهم من أى شيء».


كما حذر الإسلامبولى من خطورة المادة “٨” من قانون ٩٤ لسنة ٢٠١٥ المسمى بقانون مكافحة الإرهاب، واصفا إياها بـ»الكارثية»، مضيفا: «إذا ما تم استخدامها فهى تعتبر تقنيناً وحماية قانونية لقتل المواطن تحت أى مسمى باعتباره إرهابيا وهى تنص على أنه ( لا يُسأل جنائياً القائمون على تنفيذ هذا القانون إذا استعملوا القوة لحماية أنفسهم من خطر محدق يوشك أن يقع على النفس أو الأموال لاستخدام هذا الحق لدفع الخطر)، وهذا يعد تقنيناً لقتل المواطن تحت دعوى أنه إرهابي، وهذه جريمة ارتكبها هذا القانون ونقلنا من حالة طوارئ استثنائية لقانون دائم وأخشى ما أخشاه أن نفاجأ غداً قراراً من النائب العام من حظر النشر فنلاحظ إذا ما وقعت جريمة من مسئول أو شرطى يحظر نشره، والأحكام فيها غير رادعة، أما إذا كانت جريمة وقعت من مواطن لمسئول أو لشرطى تنشر وتصل الأحكام فيها للإعدام والمؤبد.. ملخصا نظام العدل والقانون مختل وهذا يهدد الدولة المدنية الحديثة».


وأشار الاسلامبولى إلى المطالبات بإعادة هيكلة جهاز الشرطة منذ ثورة ٢٥ يناير، قائلا: يجب إعادة تأهيل الشرطة فالكثير منهم مرضى نفسيون ويذكرنا وضعهم بفيلم هى فوضى والذى جسد المشكلة بكل عناية فمواد حقوق الإنسان تدرس داخل كليات الشرطة بطريقة تهكمية ولا يوجد مراعاة لآدمية وكرامة المواطن».


وعن دعوة الرئيس السيسى إلى سن تشريع لضبط الأداء الشرطي، قال الاسلامبولي: الأولى أن يتم تطبيق الدستور قبل القانون والذى ينص على كرامة الإنسان، ولدينا قانون العقوبات ولم يطبق رغم ما به من عقوبات رادعة.. يبدو أنه لا توجد رغبة فى إصلاح الوضع أصلا»، رافضًا فى ذات الوقت اخضاع الشرطيين المتجاوزين لمحاكمات عسكرية، «الدستور لا يقر أحكاماً عسكرية إلا من خلال اعتداء على منشأة عسكرية أما غير ذلك فيحاكم أمام القاضى الطبيعى”. ودعا إلى إقالة وزير الداخلية مجدى عبدالغفار ومحاكمته، «يجب أن يحاكم هو ومن ارتكب جرائم من الضباط والأمناء والأفراد، ثم يتم تعيين وزير للداخلية مدنى من خارج رجال الشرطة، ويفضل أن يكون رجل قانون يطبق القانون ويحترم آدمية المواطن»، وفق قوله.