أشباح الماضى تطارد فاليسا

24/02/2016 - 1:29:59

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير: نهال الشريف

بعد أكثر من عشرين عامًا على مغادرة مقعد الرئاسة فى بولندا، وللمرة الثانية فى تاريخه تتردد الاتهامات نحو ليش فاليسا أول رئيس لبلاده عقب سقوط الشيوعية بأنه كان عميلًا للبوليس السياسى البولندى، وأنه قدم معلومات لذلك الجهاز الذى كان محل كراهية أبناء شعبه حول بعض الأشخاص من زملائه مقابل المال!


على مدار الأيام القليلة الماضية ترددت الاتهامات الموجهة ضد ليش فاليسا، الذى كان أيقونة للثورات التى أدت إلى سقوط الحكم الشيوعى فى بولندا أولًا ثم باقى دول الكتلة الشرقية وكانت محل اهتمام كبير من وسائل الإعلام والصحافة الأوربية بوجه عام، فقد كشف معهد التاريخ البولندى- أو معهد الذاكرة القومية البولندى- عن وجود وثائق تفيد بأن فاليسا كان يعمل “مخبرًا” لصالح نظام الحكم الشيوعى، وقد حصل المعهد على هذه الوثائق مؤخرًا من منزل آخر وزير للداخلية قبل سقوط الشيوعية فى بولندا الجنرال كاتسلاف كيزاتشاك عن طريق أرملة الوزير التى حاولت بيع الوثائق للمعهد، ولكن جهات التحقيقات الرسمية صادرت الوثائق وأودعتها المعهد باعتبارها وثائق تاريخية، كانت أرملة الوزير قد طلبت مبلغًا يوازى ١٥ ألف جنيه استرلينى.


وفقًا لرئيس المعهد لوكازيتش كامينسكى فإن الوثائق تبدو أصلية وصحيحة، وتقع فى ٢٧٩ صفحة وذكر كامينسكى أن المعهد المتخصص فى ملاحقة جرائم ما قبل سقوط الشيوعية سيجرى فحصًا دقيقًا لهذه الوثائق وسيكشف عنها للجمهور.


فاليسا تلقى هذه الأخبار أثناء زيارته إلى فنزويلا وكتب فى تدوينة خاصة قائلًا: “لا يمكن أن أكون مصدرًا لهذه الأوراق وسأثبت ذلك أمام القضاء”.


لن تكون هذه هى المرة الأولى التى يلجأ فيها فليسيا إلى القضاء ليبرئ ساحته وسمعته السياسية كمناضل سياسى وكرئيس سابق لبلاده وكفائز بجائزة نوبل للسلام.


ففى عام ٢٠٠٠ وأمام القضاء وبنفس الاتهام، ولكن قبل ظهور الوثائق الأخيرة- قال فاليسا: إن الشيوعيين زوروا وثائق لتشويه سمعته، وبالفعل برأت المحكمة ساحته لعدم وجود أدلة كافية، هذا على الرغم من اعتراف فاليسا فى وقت سابق بأنه وقع فى السبعينيات وثيقة وافق فيها على تقديم معلومات للبوليس السرى، ولكنه مصمم على أنه لم يقدم أية معلومات عن أى أشخاص أو أنه تلقى أى أموال فى المقابل.


ويقول آنتونى ديوك كبير المؤرخين بالمعهد الخبير بالأمور المتعلقة بفاليسا أنه فى حالة أن تكون الوثائق حقيقية فإنها لن تؤثر على سمعة الرئيس السابق إلا إذا كان قد استمر فى التعاون مع البوليس السرى بعد تأسيسه نقابة تضامن العمالية عام ١٩٨٠ والتى كانت اضراباتها فى ميناء جدانسك مقدمة لإسقاط الحكم الشيوعى، أما كامنيسكى مدير المعهد فقد ذكر بعض التفاصيل التى قال إنها وجدت فى ملف متعلق بفاليسا فى الفترة من ٧٠- ١٩٧٦، وقال إنه داخل الملف كان هناك مظروف وبداخله ورقة مكتوبة بخط اليد يتعهد فيها فاليسا بالتعاون مع البوليس السياسى بتوقيع بوليك وهو الاسم الحركى لفاليسا، وكذلك وجود إيصالات بمبالغ مالية استلمها بوليك وأوراق تفيد بحدوث لقاءات بين بوليك وعناصر من البوليس السرى.


وربما تكون القصة المثارة الآن سببها شعور الحكومة البولندية - حكومة القانون والعدالة- ذات التوجهات القومية اليمينية بأن فاليسا شوكة فى الجنب، حيث بعد وصول حزب القانون والعدالة إلى الحكم بأسابيع قليلة طالب فاليسا بإجراء انتخابات مبكرة واعتبر أن الحكومة الجديدة خطر على الديقراطية فى بولندا.


المعروف أن زعيم حزب القانون والعدالة ياروسلاف كازيتشنسكى كان مسئولًا بارزًا فى نقابة تضامن العمالية، التى كان فاليسا أبرز مؤسيسها ثم وقعت خلافات كبيرة بين الاثنين وتعود جذور الخلاف بينهما إلى عام ١٩٩٠ بعد انتخابات فاليسا رئيسًا للبلاد.


فقام الرئيس فاليسا بتهميش كاتشنسكى وشقيقه التوأم ليخ وأقصاهما عن مكتب الرئاسة، ومنذ ذلك الحين يردد كاتشنسكى قوله بأن فاليسا تجسس على زملائه لصالح البوليس السرى.


كما أن القانون والعدالة ذات التوجهات اليمينية والقومية تعهدت منذ وصولها للسلطة بمراحعة ملفات المتعاونين مع أجهزة الحكم الشيوعى السابق وقال نائب وزير الداخلية ماتيورنيتس موراتسكى إن “التطهير” على غرار ما حدث فى ألمانيا بعد سقوط الشيوعية فى ألمانيا الشرقية مسألة ضرورية.


فاليسا يبلغ من العمر اليوم ٧٢ عامًا ومازال يحتفظ بشاربه الكثيف الذى يتميز به منذ عرف العالم صوره فى الثمانينيات حين تزعم الاضطرابات العمالية فى ميناء جدانسك فى تحد كبير للسلطة الشيوعية الصارمة فى بلاده، وبرغم اعتقاله عدة مرات ومحاكمته وفقًا لقوانين الطوارئ إلا أنه بعد إطلاق سراحه شارك فى اتفاق المائدة المستديرة، التى نتجت عنها أول انتخابات برلمانية شبه حرة فى بولندا عام ١٩٨٩ وتمكنت “تضامن” من تشكيل الحكومة فى سابقة أولى من نوعها باعتبارها أول نقابة عمالية مستقلة فى دول المعسكر الشرقى، ثم ترشح فاليسا لرئاسة الدولة، التى فاز بها عام ١٩٩٠ ولاحقته العدسات والأضواء بسبب إشرافه على تحويل بلاده من الشيوعية إلى اقتصاد السوق الحر والديمقراطية، ورغم هذا فشل فاليسا فى الحصول على دورة رئاسية ثانية عام١٩٩٥، وتراجع دوره السياسى فى بولندا، ويكتفى اليوم بإلقاء المحاضرات فى الداخل والخارج يحكى تجربته فى العمل الثورى والسياسى، ولكن يبدو أن أشباح الماضى لا تكف عن ملاحقته.



آخر الأخبار