ستبقى ذكراك خالدة..

24/02/2016 - 1:20:38

د. بطرس غالى فى لقاءاته وحوارته المتعددة مع سناء السعيد د. بطرس غالى فى لقاءاته وحوارته المتعددة مع سناء السعيد

كتبت - سناء السعيد

فى السادس عشر من فبراير الجارى رحل الدكتور بطرس غالى عميد الدبلوماسية الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، إنه القامة السامقة فى محراب السياسة الدولية، رجل القانون البارز والسياسى المخضرم ، لفت الأنظار بإسهاماته فى السياسة الدولية ومواقفه أثناء توليه رئاسة الأمانة العامة للأمم المتحدة ــ ٩٢ / ٩٦ ــ.حيث كان أول مصرى وأول عربى وإفريقى يتقلد منصب الأمين العام للأمم المتحدة، ظهر كدبلوماسى محنك كرس جهده لخدمة السلام والأمن فى المنطقة والعالم، عرف بمواقفه الثابتة فلم يذعن لأمريكا ولم يسر فى ركابها، وطنيته الصادقة أغضبت أمريكا عندما لم يتماش معها إلى الحد الذى دفع بسفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة إلى أن تقول:( إنه عنيد وصعب المراس حيث إنه لا يتماشى مع السياسة الأمريكية وأن أمريكا لا تقبل هذا النوع من الدبلوماسية).


الأمر الذى أدى فى النهاية إلى عدم التجديد له لفترة ولاية ثانية فى الأمم المتحدة، وجاء هذا تحديدا بعد المواجهة معه على خلفية قضية مجزرة “قانا” التى أسفرت عن مصرع أكثر من مائة شخص فى لبنان بعد أن قصفت إسرائيل مقرا للمدنيين العزل، وبادر الدكتور غالى يومها ونشر تقريرا يدين إسرائيل فكان أن أحرجها وأزعج الولايات المتحدة التى حاولت تبرير الجريمة، ولهذا بادرت أمريكا فاعترضت على التجديد للدكتور لفترة ولاية ثانية كأمين عام للأمم المتحدة، كما أن الدكتور غالى أغضب أمريكا أيضا عندما عارض تدخل الناتو فى أزمة البوسنة والهرسك.


ظهر الدكتور غالى بأداء متميز عندما عمل خلال توليه المنصب على جعل الحكومات تمتثل لدعوات الأمم المتحدة الرامية إلى تشكيل نظام سياسى عالمى يهدف إلى ترسيخ دور المنظمة الدولية فى إحلال السلام والأمن الدوليين والتنمية الاقتصادية حول العالم. ولقد ساعد فى تسوية النزاعات السياسية والبيئية فى إفريقيا، وساعد فى إطلاق سراح نيلسون مانديلا المسجون فى جنوب إفريقيا، وساعد فى تنظيم عملية كبيرة لإغاثة الصومال أثناء المجاعة، ولقد شهد له» بان كى مون» عندما قال:( إن غالى كان زعيما لا ينسى قدم خدمات لا تقدر بثمن إلى السلام العالمى والنظام الدولى).إنه الدكتور غالى الدبلوماسى القدير الخبير فى القانون الدولى والكاتب الذى نشرت مؤلفاته على نطاق واسع، اعتز بعمله استاذا للقانون الدولى بجامعة القاهرة، ترأس المجلس القومى لحقوق الإنسان كما ترأس منظمة “الفرنكوفونية” الدولية بعد عودته من الأمم المتحدة.


توطدت علاقتى بالدكتور بطرس منذ أن أصبح وزير الدولة للشئون الخارجية واستمر تواصلى معه حتى وقت قريب، اعتدت أن أهاتفه فى منزله فى السابعة صباحا كى أنقل إليه مستجدات الأحداث، كان صوته يأتينى مقرونا بنبرة رضا ثم ما يلبث أن يعقب قائلا:( ماذا تريدين بعد هذه الديباجة)؟، كان يدرك أننى استدرجه ليبوح لى بخبر جديد أحقق به سبقا صحفيا، كان عزوفا عن السلطة ولهذا لم يتكالب على المناصب. كان سعيدا بأستاذيته فى الجامعة وبإسهاماته فى مجال القانون الدولى وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، كان رمزا للسياسى الوطنى الذى خدم مصر بإخلاص وتفان، فى عام ٢٠٠٢ وعبر حديث أجريته معه انطلق يتحدث عما أسماه باللاعبين الجدد وهو ماعنى به الإرهاب، وكإنما استبق الأحداث وبنظرة فاحصة تحدث عن ظهور وتمدد الإرهاب عندما قال:( إن المجتمع الدولى سيجد نفسه أمام تيارات سياسية جديدة لا سابقة لها فى العلاقات الدولية بسبب ما أطلق عليه ظاهرة اللاعبين الجدد والمتمثلة فى الإرهاب).


كان عروبيا وطنيا حتى الثمالة، وكانت له رؤاه الإيجابية، فالعالم العربى من وجهة نظره لن يكون بمقدوره مواجهة التطورات الحادثة إلا إذا سعت أطرافه إلى تصحيح أوضاعها وإقامة جبهة قوية تكون لها قوة الفعل والتأثير بحيث يكون بمقدورها تغيير مسار الأحداث، ولقد تطرق معى إلى أصعب فترة مر بها والتى تضمنها كتابه « طريق مصر إلى القدس»وفيه قصة الصراع من أجل السلام فى الشرق الأوسط والممتدة من عام ٧٨ وحتى أواخر ٨١، وهى السنوات الحافلة التى شهدت المفاوضات الرامية إلى إقرار حقوق الفلسطينيين وإرساء السلام فى الشرق الأوسط، دافع عن كامب ديفيد ٧٩ وعن موقف الرئيس السادات، كان يرى أن أمريكا وراء القوة العسكرية الإسرائيلية وبالتالى ليس لمصر أو أى دولة عربية القدرة على محاربة إسرائيل.


إنه حكيم إفريقيا الذى طالما دعا إلى تعميق العلاقات معها. استبق يرؤيته الثاقبة منذ الثمانينيات الحديث عن المياه بالنسبة لمصر كمصدر وحيد للحياة. لهذا رأى أن مصر فى حاجة إلى علاقات حسن الجوار حفاظا على مصالحها الحيوية والتى لا تستطيع ولا ينبغى أن تسمح باللعب فيها، ومن ثم رأى أن التفاوض هو الأساس فى حل قضية “سد النهضة”، ومن ثم دعا إلى فتح آفاق جديدة فى العلاقات بين مصر وإثيوبيا خاصة فى مجال الاستيراد والتصدير فى الغذاء، لقد ظل الدكتور غالى حريصا على الثوابت ومن ثم فهو يؤمن بأن الانفتاح على العالم ينبغى أن يرتكز على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، وعندما سألته عن التطورات فى مصر بعد ثورتين ٢٥ يناير، ٣٠ يونيه واللغط المثار من قبل البعض حول أن الدولة لم تحرز الاستقرار بعد؟ قال:( يجب أن نمنح الدولة فرصة عامين أو ثلاث سنوات على الأقل من أجل تحقيق الأمن والاستقرار)، إنه الدكتور بطرس غالى رائد الدبلوماسية الحكيمة. سيظل الأيقونة التى لن تغيب عنى أبدا حتى إن غيبه الموت. ستظل ذكراه حية تستدعيه لدى الجميع كعملة نادرة وكفارس لا يشق له غبار صال وجال فى خضم السياسة والدبلوماسية من خلال رحلة كفاح ونجاح طويلة أسبغ فيها على الأمة عطاء متميزا.ولهذا ستظل ذكراه خالدة فالذكرى للإنسان عمر ثان.....