تزامن الموت مع الحياة : تجربة رحيل معلّم .. فى لحظة الميلاد

24/02/2016 - 1:18:27

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - السفير د.عزمى خليفة - المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية

تلقيت نبأ وفاة الأستاذ الدكتور بطرس بطرس غالى فدمعت عيناى وخانتنى قدماى – وإن كنت تداركت الموقف - وأنا أستعد لدخول المسرح الصغير بالأوبرا المصرية لحضور حفل الصوت الذهبى وهى مسابقة لأجمل أصوات تم ترشيحها للغناء من بين عشرة أصوات، شجعنى على حضور الحفل أننى لأول مرة أجد علامة صحية فى سلوك المصريين منذ ثورة ٢٥ يناير وموجتها الثانية فى ٣٠ يونيه تدفعنى للتفاؤل فى المستقبل بخلاف الشباب، فقد تشكلت مجموعة “محبى شارع المعز” بصورة عفوية بفضل جهود أستاذة الاقتصاد د ضحى عبد الحميد، التى تولت الشق التنظيمى بكفاءة وبفضل دعوة كريمة سبقتها من الفنان د.محسن فاروق للتعرف على تاريخ قصر “بشتاك” أو بيت الغناء العربى وتاريخ شارع المعز.


هذه المجموعة تكونت من عدد من المهتمين بالشأن العام والمحبين للفنون والثقافة فى أوسع معانيها، فأرادوا تقديم شىء لمصر فرأوا إمكانية القيام بعمل تنظيمى لإعادة الشارع إلى سابق رونقه والتعريف به والترويج له سياحيا، هذه المجموعة تضم عناصر من المتميزين فى مجالات عملهم يشار إليهم بالبنان بعضهم مازال يحتل موقعا تنفيذيا وبعضهم الآخر أساتذة بالجامعة وبعضهم الثالث أطباء ومهندسون، بالإضافة إلى خبرات من الشرطة والقوات المسلحة.


نفس المجموعة تلقت الدعوة لحفل الصوت الذهبي، ونحن جميعا ندلف إلى المسرح تلقيت نبأ وفاة أستاذى د. بطرس بطرس غالى فانتابتنى مشاعر متناقضة لا يمكن وصفها ولا يوجد قلم يمكنه التعبير عنها، فالموت له رهبته لأنه سر إلهى لم نستطع كشفه للأن ولأنه احد حقائق الحياة فى نفس الوقت، فكل نفس ذائقة الموت وسبحان من له الدوام، ورغم أن القرآن الكريم ملئ بالآيات التى تؤكد قدرة الله –سبحانه تعالى – على خلق الميت من الحى وخلق الحى من الميت، حتى إن بعض المفسرين يرون أن القرآن المنظور لا يقل أهمية عن القرآن المكتوب، إلا ان تلك الآيات تدخل فى إطار التدليل على قدرة الخالق، وهى مسألة محسومة لدى منذ أمد طويل ولا تقبل الشك منذ مطلع العشرينيات بعد فترة شك مررت بها فى ذلك الحين، أما أن يمر المرء بتجربة تزامن الموت والحياة، رحيل إنسان صاحب فضل وقدوة فى نفس وقت ظهور أمل ممثلا ظهور براعم تمثل جيلا جديدا يحمل مشعل الرقى والتقدم المصرى ليعوض مصر عمن رحلوا من المجال الفنى وحزنا لفراقهم وإدراكنا صعوبة تعويضهم، فمن يمكنه أن يحل محل أم كلثوم أو عبدالوهاب أو عبدالحليم مثلا؟


وزاد من شدة ألمى لحظة سماع النبأ أن الأصوات العشرة التى استمعت إليها فى الحفل كانت أصواتا مبشرة بالخير، مبشرة بأن مصر ولادة فعلا، إن بهية معين لا ينضب، وأنها قادرة على بناء مستقبل زاهر لا يقل عن الماضى، فقد حسم تساؤلى السابق بأن مصر يمكنها فعلا تعويض القمم التى رحلت ولو بصورة مختلفة، فالتاريخ لا يتكرر وإن تشابهت بعض أحداثه بدرجات متفاوتة، وبصور مختلفة.


عدت للمنزل فى نهاية الحفل ولم تغمض عيناى فى تلك الليلة، فقد مر بى شريط سريع لذكرياتى مع الدكتور غالى، فقد كان بداية تعرفى عليه من العام الجامعى الأول لأن مادة المدخل للعلوم السياسية، وجزالتها، وهو ما لاحظته أيضا فى أسلوب السياسة الدولية وهى الدورية التى تصدر عن الأهرام حتى يومنا هذا وكان يتولى رئاسة تحريرها، وتذكرت حوارا دار بينى وبين الصديق العزيز د اسامة الغزالى حرب أول رئيس تحرير للمجلة بعد تولى د.غالى منصب سكرتير عام الأمم المتحدة منذ قرابة أربع سنوات وأكد فيه أن د غالى لم يكن رئيس تحرير للمجلة بالمعنى الحرفى، فقد كان أيضا المحرر الأكثر نشاطا بها لدرجة انه كان يحرر أبوابا كاملة بالمجلة بنفسها، مما دعانى للعودة للأعداد الأولى فإذا بملاحظة د.أسامة دقيقة جدا، والأغرب أن الدكتور غالى كان يرأس فى تلك الفترة المبكرة الأهرام الاقتصادى وهى دورية أخرى أنشأها أيضا فى نفس الفترة.


كذلك علمنى الدكتور بطرس كيفية كتابة البحوث فى العلوم السياسية، فقد عودنا ونحن طلاب علم أقصى درجات الموضوعية عند تناول الشأن السياسى، فمن ناحية الشكل ينبغى توازن المقدمة والخاتمة لتوازى حوالى ٥٪ من حجم البحث وأن ينقسم البحث إلى ثلاثة أقسام متساوية القسم الأول يتناول وجهة النظر الغربية، والثانى وجهة النظر الشرقية، فقد كانت الحرب الباردة على أشدها أما القسم الثالث – وهذه هى المفاجأة التى أذهلتنى – فتخصص لوجهة نظر الباحث وما يقترحة من توصيات، وسبب المفاجأة أن هذا العملاق يجعل من الباحث الذى فى هذه الحالة طالبا فى بداية حياته الجامعية قرينا لاعظم وأعرق أساتذة العلوم السياسية فى العالم بشرقه وغربه.


وكان - رحمه الله – أول من أكد لنا عمليا التزامه بهذه القواعد للموضوعية العلمية بمناقشاته لجميع وجهات النظر حول أى موضوع، وأذكر أنه حوالى عام ١٩٧٠ أو ١٩٧١ كتب بحثا فى السياسة الدولية بعنوان القضايا العشر فى أزمة الشرق الأوسط، وكان البحث يأخذ منهجا قانونيا لتفسير قرار مجلس الأمن ٢٤٢ الصادر فى اعقاب عدوان ١٩٦٧ ولم يعجبنا هذا المنهج للدراسة وأحدثنا بعض القلق بالمحاضرة للإعراب عن وجهة نظرنا، فنظر إلينا مشيرا لضرورة الالتزام بالهدؤ، ثم طلب منا التحدث بالترتيب لتحديد المطلوب وبعد أن انتهينا جميعا من عرض وجهات نظرنا وكانت أجزاء منها عديدة متكررة رد بأن الاعتراض ينصب على المنهج بدعوى أن القانون الدولى مسألة شكلية وأن المناهج السياسية أفضل لإيجاد حل يسمح بتجسيد الواقع وحل مشكلات مثل اللاجئين والحدود، وأكد أن حل الأزمة سينتهى من وجهة نظرة إلى الحلول القانونية، لأنها الأكثر استعمالا فى الأمم المتحدة وأن القرار ٢٤٢ الذى قبله العرب وإسرائيل على السواء هو قرار قانونى وإن كانت تفسيراته القانونية مازالت موضع خلاف، وأضاف أنه يقبل أى منهج تحليلى سيستخدمه أى طالب ويدافع عنه دفاعا موضوعيا وليس أيديولوجيا، وبالفعل أجاب كل منا بأسلوب مختلف لاختلاف المناهج، وبالفعل أعطى بعض الطلاب الذين اعترضوا على المنهج القانونى ولم يستخدموه تقديرات لا تقل عن من استخدم المنهج القانونى وكان من بينهم الصديق الراحل د. محمد السيد سعيد الذى علق على ذلك بأن الدكتور غالى يمثل المدرسة الغربية الليبرالية، ولهذه المدرسة بعض المزايا، بالرغم من أنها قامت على مص دماء العالم الثالث، وبالتالى كان التزام د. غالى بقواعد الموضوعية التى علمها لنا درسا يؤكد مصداقيته، مما شجعنا على الالتزام بها إلى يومنا هذا، رغم أن الدرس كان منذ ٤٥ عاما.


وعلى المستوى المهنى كدبلوماسى عملت معه فى مؤتمر وزراء الخارجية والقمة لعام ١٩٨٧ كعضو من الإدارة الأفريقية وكنت وقتها سكرتير أول وأبليت بلاء حسنا وعدت للقاهرة، وبعد العودة ببضعة أشهر طلبنى مدير الإدارة السيد السفير أحمد حجاج ليخطرنى أن دولتين إفريقيتين طلبتا دبلوماسيين وأنه طلب نقلى إلى نيروبى، وفوجئ برد فعلى برغبتى فى النقل إلى أديس أبابا، فدفعه إصرارى إلى الاتصال تليفونيا بالدكتور بطرس الذى كان يشغل منصب وزير الدولة للشئون الخارجية مشيرا له إلى تفضيلى لاديس أبابا عن نيروبى ففوجئ بسؤال من الوزير: ومين قال لك إنه فى نيروبي؟ فأشار له أنه اختارنى لنيروبى فكان الرد نعم هذا حدث لكننى أعدت ترتيب حركة النقل وسيتم نقله إلى أديس أبابا وبالفعل بعد أيام صدر القرار بنقلى إلى هناك.


هنا نلاحظ درسين الأول هو الموضوعية أى أين يمكن الاستفادة من الدبلوماسى فى ظل الأماكن الخالية بالسفارات؟ لم يتعلق الأمر برغبة العضو وإنما بكفاءته وبما هو مؤهل له حتى وإن كان ضد رغبته الشخصية، والثانى التشاور مع مدير الإدارة الأفريقية بشأن المنقولين إلى أفريقيا وهى مسألة مازالت مفقودة فى دولاب العمل بوزارة الخارجية منذ تركه الوزارة إلى الأمم المتحدة.


كذلك على المستوى المهنى أدخل الدكتور بطرس البعد الثقافى فى العمل الدبلوماسى، فمن الناحية الموضوعية جاء توظيف الثقافة فى الأداء الدبلوماسى إيمانا منه بقوة مصر فى المجال الثقافى، فسبق بذلك جوزيف ناى بسنوات طويلة بتوظيف القوة الناعمة فى العمل الدبلوماسى، ومن الناحية الشكلية أصدر كتبا بيضاء عن دور مصر فى أفريقيا لتسجل تطورات علاقات مصر بمختلف الدول الأفريقية، كما أصدر كتابا أبيض عن مصر ونهر النيل يحتوى جميع الاتفاقيات التى تنظم العلاقة بين مصر ودول حوض نهر النيل فى استخدام النهر للأغراض غير الملاحية.


ولا ينبغى أن غفل دوره فى إصدار السياسة الدولية والأهرام الاقتصادى ورئاسته لتحريرهما لفترة ممتدة بناء على طلب من الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس مجلس إدارة الأهرام فى ذلك الحين وما بذله من جهد مضن لنشر الثقافة السياسية والاقتصادية من خلالهما وظل وفيا لشكل مجلة السياسة الدولية الذى اختاره بنفسه، فقد كانت وصيته لمجلس الإدارة الجديد للمجلة برئاسة د. أسامة الغزالى ألا يغيرون شكل المجله ضاربا المثل بمجلة الشئون الخارجية الأمريكية ولوموند السياسية الفرنسية، فبالرغم من تعاقب مجالس الإدارات علميا إلا أن التطوير لم يمتد إلى الشكل ولكن إلى الموضوع وهو ما طالب ببذل الجهد فيه.


لقد فقدت مصر بالفعل علما من أعلامها ومفكرا عالميا ودبلوماسيا ماهرا أمميا من أبنائها برحيل الدكتور بطرس بطرس غالى، ولا أتصور أن يملأ أحد الفراغ الذى خلفه هذا الراحل، إلا أننى على يقين أن مصر لم تعقم بعد بدليل وجود الشباب الذين استمعنا إليهم فى الأوبرا وإن كل ما ينقصنا هو العمل الجاد، الشاق، المضنى للبحث عن المواهب القادرة بمزيد من الصقل على سد هذا النقص، خاصة أن مصر تمر بمرحلة استثنائية فى تاريخها تحتاج فيها إلى جهد كل أبنائها المخلصين وإلى قيام المجتمع المصرى بدوره كاملا باعتبار أن المجتمع هو أساس الدولة ومحدد أهدافها وليس العكس.


رحم الله رجلا علم أجيالا منذ عام ١٩٤٩ حينما عين مدرسا بكلية الحقوق حتى قبيل لفظ أنفاسه الأخيرة أى على مدار ما يقارب السبعين عاما.


رحم الله رجلا تحدى القطب الأوحد بنشره تقرير لجنة تقصى الحقائق حول مذبحة قانا، التى أدانت إسرائيل، فخرج من الأمم المتحدة دون تجديد.


رحم الله أستاذا ومعلما تعامل طوال تاريخ حياته بموضوعية تامة، فتعامل مع تلاميذه بكل شفافية ولم يحاسبهم على أفكاره، ولكنه ناقشهم فى أفكارهم.


رحم الله إنسانا عرف قيمة العمل وأدرك مبكرا أنه الطريق الوحيد للنجاح، فقدس العمل فعمل مبكرا رئيسا لتحرير أهم دوريه سياسية عربية ولم يستنكف من عرض الكتب فيها.


رحم الله إنسانا رغم كل حبه لتلاميذه إلا أنه لم يجاملهم يوما على حساب العمل فوضع الرجل المناسب فى المكان المناسب.


رحم الله إنسانا ملأ علمه الآفاق، وانتشرت قضاياه الفكرية فى العالم أجمع، وبالرغم من ذلك، وبالرغم من ظروفه الصحية إلا أنه لبى نداء الوطن حينما عاد.


رحم الله إنسانا لم تفقد ابتسامته بريقها رغم كل ما عانى، ورغم تدهور حالته الصحية، فلبى نداء مختلف الجهات التى طلبت إليه القاء محاضرة.


رحم الله بطرس بطرس غالى وإنا لله وإنا إليه راجعون واستغفرك ربى وأتوب إليك.