السلوك السياسى المتوقع للولايات المتحدة نحو إزاء الأزمة السورية

24/02/2016 - 1:13:13

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - لواء د.مصطفى كامل

تناولت فى مقال الأسبوع الماضى تصريحات المتحـدث الرسمى للقوات المسلحة السعـوديـة، بأن السعـوديـة أصبحت على استعـداد كامل للتـدخـل البـرى فى سوريـا لقتال التنظيم الإرهابى “داعش”، وحضور ولى ولى العهـد وزيـر الدفاع السعـودى اجتماعات حلف الناتو التى انعـقـدت فى بروكسل ١٠ فبرايـر لبحث الأسلوب الأمثل للقضاء على ميليشيات داعش فى سوريـا، وأشرت إلى أن هذا التصريح يُعـتبـر من المتغـيـرات البارزة على الساحة الإقليمية، ذلك أنـه سيؤدى إلى مزيـد من تدخلات القوى العـظمى، وإلى تعـظَيم أدوار القوى الإقليمية غـيـر العربية ويكرس لنفوذها فى المنطقة، كما سيؤدى إلى مزيـد من التحالفات والتحالفات المضادة، وهدم توازنات قائمة وبناء توازنات وتوازنات مضادة جديـدة، كما سيعـمل على تصعـيـد استفزازات تركيا لروسيا، وتصعيـد علاقات الفعـل ورد الفعـل بيـن السعـوديـة وإيران المتـوتـرة أصلا إلى حدودها القصوى، وربما يجـر المنطقة إلى سباق تسلح مدمـر وهو الأشد خطرا والأعظم أثرا على الأمن الإقليمى للشرق الأوسط


وترتيبا على ذلك، واتساقـا مع مفهوم مصطلح التدخل الذى سبق توضيحه فى نفس المقال، سأتناول اليوم السلوك السياسى المتوقع للقوى الفاعلة العالمية والإقليمية إزاء الأزمة السوريـة التى تزداد تفاقما يوما بعـد يوم، كانعكاس صريح لعـجـز المجتمع الدولى بمنظماته الدولية عن التوصل لحل سياسى يُتفق عليه لهذه الأزمة المستعـصية، ومن الطبيعى أن نبـدأ بالسلوك السياسى للولايات المتحدة باعتبارها ما زالت تُمثـل القطب الأوحد فى النظام الدولى الراهـن الوحيـد، والتى أصبحت تتحكم وتقود تفاعلات النسق الدولى.


ويُشيـر الواقع إلى أن الولايات المتحدة قد اعـتادت أن تمـر بما يُعـرف بعام الركود السياسى، عام إعـداد وإدارة الانتخابات الرئاسية، وهو العام الذى تمتنع فيه الإدارة الأمريكية عن اتخاذ أو تفعـيـل القرارات الإستراتيجية المؤثرة فى سياسات وأهداف واستراتيجية الولايات المتحدة، حيث ينشغـل فيه الجميع بمرحلة انتخاب المرشح للانتخابات الرئاسيــة على مستوى الحزبيـن الديموقراطى والجمهورى، ثم بمرحلة تنظيم حملات الدعاية والمناظرات التى سيقوم بإجرائها مرشحو الحزبين وتنتهى بانتخاب أحدهما آخر العام، واتساقا مع طبيعة هذا العام فإنـه من اليسيـر أن نتوقع السلوك السياسى للإدارة الأمريكية الراهنة، حيث يبدو لى أنها ستسعى إلى إدارة الأزمة السوريـة ولن تسعى إلى حلها، بل ربما تسعى إلى تأجيجها واستمرارها للعام السادس، وربما تعمل على تأجيجه لضمان بقاء الوضع الراهن على ما هـو عليه، حتى يأتى الرئيس المنتخب بإدارتـه التى ستتولى إدارة شئون الولايات المتحدة فى ينايـر ٢٠١٧ وربما تحول هذه الأزمة إلى صراع إقليمى مزمن حسبما اقتضت المصلحة الأمريكية العـليـا ذلك.


وترتيبا على ذلك، فمن المتوقع أن تركز الإدارة الأمريكية الراهنة جهودها الرئيسية على الحفاظ على اتجاه مسارات المحتوى الفكرى للإستراتيجيـة الأمريكيـة دون انحراف عـنـد إدارتها للأزمة السوريـة، حيث يقتضى المسار الأول تجـريـد سوريـا من مصادر وعـناصـر قوتها الشاملة، خاصة قدرتها العسكريــة، وذلك باستكمال تـدميـر قوتها العسكرية (لصالح إسرائيل)، باعـتبار أن جيشها كان من أقوى جيـوش المنـطـقـة، والثانى هـو تسليـم سوريـا إلى التيـار الإسلامى، لتحقيق مخطط التقسيم، وفقا للتفاهمات التى تمت مع الجماعة الإرهابية من ناحية، وحتى يتسق مع نظام التيار الإسلامى الحاكم فى تركيا من ناحية أخرى، والمسار الثالث هو تحقيق المصلحة الأمريكية العـليا التى تـقـتـضى حل أى أزمة أو إنهاء أى صراع فى المنطقة، لا بــد أن يأتى هذا الحل على حساب العـرب ولصالح إسرائيل أولا، أو لصالح القوى غـيـر العـربيـة تاليـا، ويُلقى المسار الثالث الضوء الكاشف على تراجع موقـف الإدارة الأمريكية الراهنة عـن فكرة التـدخل البرى السعـودى التركى، ذلك أن هذا التدخل سيحدث تغييرا حادا فى الموقف داخل سوريـا لصالح العرب، وربما يؤدى إلى تصعيـد الموقف لصالح العرب ضـد إيران وهى القوة غير العربية التى تسعى الولايات المتحدة إلى تعظيم دورها وتكريس نفوذها فى منطقة الخليج وخليج عـدن.


وللتدليل على السلوك السياسى الأمريكى المتوقع فإنى أسوق تصريح أوباما قبل أن يُغادر البيت الأبيض (دون رجعة وإلى حيث ألقت أم قشعـم) بأن «التـدخل الروسى دليـل على ضعـف الأسد»، وكأنه أتى بحكمة بالغـة، وهو قول مغـلوط، ذلك أن التدخل الروسى قـد حال دون تدخل الولايات المتحدة والذى كان مخططا وتأخر أوباما فى إجرائـه بتردده، وبالتالى حال التـدخل الروسى دون تحقـيـق الأهداف الأمريكية فى سوريا، إلا أن التدخل الروسى قـد ألقى الضوء الكاشف الواضح الفاضح على مدى كذب القائد السياسى الأكثر فشلا فى إدارة أقوى دولة فى العالم، فـقـد وعـد شعـبه بالتغـلب عـلى التحديات التى تحول دون بناء مستـقـبـلٍ أفضل للولايات المتحدة، وأنه جاء إلى البيت الأبيض وهو مفعـم بالآمال والإلهام لتحقيق هذا المستقبل، ووعـد العالم بولايات متحدة جديـدة، ووعـد العالم الإسلامى بفجر وشيك، ووعـد العالم العـربى بعلاقات يسودها الود والاحترام، ووعـد الفلسطينيين بحل الدولتين، وعـد الجميع بكل شىء لكنه لم يعـط أحدا أى شىء.


وللتدليل على مدى كذب أوباما بشأن التدخل الذى فشل فى تنفيذه قبل التدخل الروسى، أود أن أشير إلى مقال لى نُشر فى جريدة الدستور فى ٢٠ سبتمبـر ٢٠١٣ تحت عنوان «أوباما يسابق الزمن فى قراراته» تناولت فيه قرار الولايات المتحدة بالتدخل العسكرى فى سوريـا، إذ أعلنت الولايات المتحدة أنه «ترتيبا على أن النظام السورى لم يلتزم بما جاء بالاتفاق الروسى الأمريكى، بعـد أن استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعـبه، فإن المسئولية الأخلاقية للولايات المتحدة تقتضى تدخلها عسكريا، بعـد أن أصبحت الأزمة السورية قضية إنسانية فى المقام الأول»، وهى نفس الذريعـة التى اسـتـنـدت إليها إدارة الرئيس الأمريكى بوش الابن لغـزو العـراق، حيث أعـلنت آنذاك أن العـراق عـلى وشك امتلاك الرادع النووى إن لم يكن قد امتلكه فعـلا، وأن الرئيس العراقى يدعم المنظمات الإرهابية، فقامت بحشد تحالف لم تشهـده البشريـة من قبل، ووجهتـه ضد الرئيس صدام حسين وأسقطته، ودمرت أقوى جيش فى منطقة الخليج، وقسمت العـراق وأغرقته فى أتـون الفوضى العارمة، ومكنت إيران من بسط نفوذها على العراق، وقـد يبدو لى أن العـراق لن يفـيـق من هذه الفوضى أبدا أو على الأقل فى مدى زمنى قريب، وبالتالى فإن الإسترتيجية الأمريكية تسعـى حثيثا للتخلص من القوة السورية، كما تخلصت من القوة العـراقية.


وفى هذا السياق يُمكن التذكيـر أيضا بسيناريـو التدخـل العـسكرى الأمريكى الأول فى سوريا، والذى طرحه رئيس الأركان المشتركة عـلى الكونجرس الأمريكى بعـد أن تمكنت الجماعة الإرهابية من اختطاف أحداث ٢٥ يناير٢٠١١، وتمكنت مـن الانقضاض على كرسى الرئاسة، وحكمت مصر لمـدة عام عُرف بعام الظلام، حيث أعـلـن أن هـدف هـذا التدخل هـو «شن الإغارات الجوية ضد نظام الدفاع الجوى السورى، وتدميـر القوات البحرية والجوية»، (هكذا رأى الجنرال الأمريكى أن الأسلحة المضادة للطائرات والقوات البحريـة هى التى تقـتـل المعارضة السورية)، فقد كان الهدف الحقيقى من هذا التدخل هو تدميـر القدرة العسكرية السورية لصالح الكيان الصهيونى وحماية طائرات وقطع الأسطول الأمريكى التى ستشارك فى التدخل؟ وكانت نتائج هذا التدخل، هو تمكيـن الأكراد من السيطرة عـلى منطقة رأس العـين شمال شرق سوريا، وعلى منطقة بادية الشام، وأعـلنـوا تشكيل حكومة مؤقـتة لإدارة الإقليم، الأمر الذى تـعارضه تركيا بشدة حتى الآن، حيث تُشكل الدولة الكردية على حدودها تهديـدا صريحا لأمنها القومى، خاصة إذا تمكن الأكراد من تأسيس كيان قومى واحد يضم داخله جميع الأكراد خاصة أكراد سوريا والعـراق، (الأمر الذى سيحدث خلافا عميقا بين الولايات المتحدة وتركيا) كما تمكن الجيش الحر من السيطرة عـلى بلدة خان العـسل الإستراتيجية الواقعة على الطريق بين حلب ودمشق، وهو ما يعـنى أن الجيش السورى الحر فى طريقه لاستكمال سيطرته على جميع مناطق مدينة حلب، واستكمال سيطرته عـلى الريف الشمالى والغـربى، وبذلك يصبح شمال شرق سوريا للكيان الكردى، وشمال غربها للجيش الحر السنى، بينما تبقى دمشق وجنوبها تحت سيطرة النظام العلوى الشيعى، وبذلك تتأجج الصراعات العرقية والمذهبية والسياسية فى سوريا، لتدخل سوريا فى فوضى عارمة من الصعـب إن لم يكن من المستحيل الخروج منها، وهو نفس السيناريو الذى اتبعـته الولايات المتحدة مع العـراق، فهل يُمكن القول بأن التدخل الروسى لتقديم المعاونة الجوية لجيش النظام الحاكم سيعيد الموقف على ما كان عليه قبل التقسيم الذى تم لتبقى الأراضى السورية موحدة كما كانت على مر التاريخ؟


هذا ما سأتناوله فى الإسبوع القادم بإذن الله .