احتمالات الحرب العالمية الثالثة

24/02/2016 - 1:07:07

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - عميد: طارق الحريرى - باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

تنتاب بعض الهواه فى العمل السياسى أو الذين لايروق لهم مجرى الأحداث فى ملف الأزمة السورية ويقلقهم تحوله نحو الحل السياسى إلى الادعاء عند تفجر بعض الوقائع السياسية أو العسكرية الطارئة بأن الأوضاع المشتعلة ترشح الأزمة، لأن تكون سببا فى حرب عالمية ثالثة، بينما فى حقيقة الأمر لن يكون الشرق الأوسط مدعاة من قريب أو بعيد لمثل هذه الحرب وأن أزمة عالمية خطيرة تهدد البشرية لم يحن أوانها بعد وأنها أبعد ماتكون عن المنطقة العربية المتهالكة التى يحكم الصراع فيها دائما تفاهمات القوى الكبرى مهما اشتعلت هذه المنطقة وتصاعدت وتيرة النزاعات فى داخلها لأن أطرافها ليست فاعلة فى المشهد السياسى الدولى حتى وإن امتلكت بعض الدول ثروات هائمة أو كثافة سكانية خاملة أو مواقع استراتيجية ذات أهمية محكومة بمعطيات من خارجها.


الصين والولايات المتحدة الأمريكية هما طرفا النزاع المنتظر، والذى بدأت بوادره فى الظهور فى الأعوام القليلة الماضية ويمكن أن يهدد البشرية على عكس مايتصور السذج من أن الصراع القديم إبان الحرب الباردة يستنسخ الآن بين روسيا والولايات المتحدة ويمكن أن يفجر حربا عالمية بعد أزمات من عينة أوسيتيا وأوكرانيا وسورية أخيرا بينما لا ترقى كل هذه الأزمات إلى مصاف أزمة خليج الخنازير عندما نشر الاتحاد السوفيتى أسلحة استراتيجية فى كوبا وهى الأزمة التى وصلت إلى حافة هاوية كادت تشعل حربا عالمية بالفعل، وما يحكم واقع تراجع طبيعة الصراع بين روسيا وأمريكا الآن عدة عوامل هى:


١ - رغم أن روسيا الفيدرالية تمتلك أقوى ترسانة أسلحة فى العالم سواء النووية أو التقليدية بعد الولايات المتحدة بل هى متفوقة على واشنطن فى أنواع منها إلا أن القوة العسكرية لاتزيد فى أغلب الأحوال عن كونها وسيلة توازن يمنع نشوب الحرب.


٢ - أصبحت للصراعات أدوات مختلفة بعد الحرب العالمية الثانية لاتقل تأثيرا عن أسلحة الجيوش ونموذجها الأوضح هو الحروب الاقتصادية والصراع على الأسواق.


٣ - تلجأ الدول ذات النزوع الاستعمارى إلى أشكال جديدة لإحداث القلاقل والنزاعات تعتمد على حروب الجيل الرابع والجيل الخامس فى مواقع التنافس، مما يبعد إمكانية الصدام المباشر بين الدولتين.


٤ - لا تمثل روسيا أى تهديد بأى درجة لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية الاقتصادية وبدرجة أقل السياسية بعد انتفاء الصراع العقائدى مع اختفاء الاتحاد السوفيتى.


٥ - لم تعد التفاهمات وتقديم التنازلات أمرا صعبا على الطرفين فى الأوضاع الاستراتيجية والجيوستراتيجية الحالية.


٦ - لم تنجح التدخلات العسكرية المباشرة بمنهج الاستعمار الكلاسيكى فى تأمين أوضاع تحقق للولايات المتحدة نتائج مرضية والدليل على ذلك أن احتلالها للعراق وحربها على رأس حلف الناتو فى أفغانستان انتهت بالفشل فى الأولى ولم تؤت ثمارها فى الثانية.


٧ - تسعى القوى الكبرى إلى تقليل الإنفاق العسكرى وتجاهد فى هذا المسعى كل من روسيا وأمريكا فى ظل تدنى الأوضاع الاقتصادية.


٨ - لم تعد القوة العسكرية مجال أسرار وغموض فى حجم القوات أو مستويات التسليح وأصبح جزء كبيرمن أداء أجهزة المخابرات وعمليات التجسس يتجه إلى تطور جوانب التصنيع والإنتاج والتسويق والصراع مع روسيا فى هذا المجال ليس فى صدارة أولويات واشنطن، التى يحتدم صراعها فى هذه المجالات مع دول أخرى بعضها صديقة.


الواقع الراهن فى بحر الصين


هنا يتبدى السؤال إذا كان الأمر كذلك فمن أين يأتى التهديد الذى يمكن أن يصل بالعالم إلى حافة هاوية كتلك التى احترقت لها أعصاب البشرية فى أزمة خليج الخنازير عام ١٩٦٢ الإجابة على مثل هذا السؤال من واقع الوضع العالمى الأن تنحصر فى بعدين: أولهما - زمانى يمكن القول بلغة الاستراتيجية أنه لن يكون هناك تهديد يفجرأزمة دولية خطيرة فى المدى القريب وربما المتوسط وثانيهما أن الصراع المنتظر سوف يأتى من صدام بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وأن أسبابه الحقيقية سوف ترتبط بمد أذرع الهيمنة فى أسواق العالم.


ومن المحتمل أن تكون نقطة الانفجار فى جنوب شرق آسيا وفى الأغلب فى نطاق بحر الصين الجنوبى الذى بدأ يشهد فى الفترة الأخيرة مماحكات عسكرية بين كلا البلدين، وهنا يجب تذكر تصريح وزير الدفاع الأمريكى أشتون كارتر يوم ٢٩/٥/٢٠١٥ فى بداية رحلة لعدة دول آسيوية متاخمة قائلا : “الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على النموذج الأمنى الإقليمى المشترك الذى وفر الرخاء للجميع على مدى السنوات السبعين الماضية” ثم استطرد بلهجة تحد: “ كنا نحلق فوق بحر الصين الجنوبى لسنوات وسنوات وسنستمر بذلك سنحلق ونتنقل وننفذ عمليات وهذه ليست حقائق جديدة”. ونبه الصين إلى ضرورة إنهاء الأعمال التى تقوم بها وغيرها من الدول (لا مقارنة لأى منها عسكريا واقتصاديا بالصين (فى البحر وعدم إضفاء طابع عسكرى على النزاع الإقليمى وفى الواقع فإن هذا البحر تحول إلى مسرح اختبار عسكرى بالدرجة الأولى وسياسى بالدرجة الثانية بين كل من واشنطن وبكين.


بحر الصين الجنوبى هو أكبر بحار العالم وهو بحر حاكم فى جنوب شرق آسيا وتمر به ثلث الشحنات البحرية التجارية العالمية بقيمة تصل إلى قرابة ٧ تريليون دولار ويحتوى على ٨ مليارات برميل نفط كاحتياطى متوقع و ٩٠٠تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعى وبالرغم من ذلك فإن الصراع فى هذه المنطقة يكتسب فى جوهره أبعادا سياسية تتمثل فى رغبة أمريكا فى استمرار الحفاظ على تفوقها العالمى وسيطرتها على المواقع البحرية الحساسة لتبقى قادرة على ضمان حركة آمنة لبضائعها وحرية تحرك قواتها البحرية فى هذه المنطقة من العالم العالم وهذا بالطبع كفيل بحماية نشاطها الاقتصادى العالمى وتوفر السيطرة غير المباشرة على بحر الصين جانبا مهما فى التصدى لأى تهديد للأمن القومى الأمريكى خارج حدود الدولة، لاسيما أنها صاحبة أقوى أسطول بحرى فى العالم والأمريكيون، كما فى أدبيات العسكرية هم أمراء البحر الذى هو بالنسبة للولايات المتحدة أساسى لاستراتيجيتها العسكرية والسياسية ، حيث تتشابك مصالحها الإمبراطورية فى جميع أنحاء العالم ويهمها تأمين الموارد الحيوية بحريا للحفاظ على النمو الاقتصادى والاستقرار السياسي.


أقامت الصين سبع جزر صناعية صغيرة فى مياه بحر الصين الجنوبى مما تسبب فى إجهاد إقليمى للوضع الجيوستراتيجى المضطرب وقد بدأت هذه العملية فى يونيه ٢٠١٥ ومنذ ذلك الحين شيدت فى هذه الجزر موانئ وتجهيزات العسكرية ومهبط للطائرات ونتيجة لسرعة التنفيذ وحجم إنشاء الجزر ثارت مخاوف لدى الدول التى لها مصالح بالمنطقة فالمنشآت تمهد لموطئ قدم صينى بجزر سبراتلى المتنازع عليها وتبسط هيمنة بحرية لأبعد من ٥٠٠ ميل من الساحل الصيني.


خفايا الصراع الحقيقية


القوتان الحقيقيتان فى العالم اقتصاديا الآن هما الولايات المتحدة والصين ولقد كان الفارق فى القوة حتى سنوات قليلة مضت شاسعا لكن القفزات المستمرة غير المسبوقة فى معدلات التنمية فى الصين ضيق من هذا الفارق بين البلدين ورغم هذا فإن الاقتصاد الأمريكى مازال يحتل الصدارة، ويتسيد المشهد العالمى ومع هذا فإن الصين تتقدم بخطى حثيثة نحو صدارة المشهد الاقتصادى العالمى وطبقا لبيانات البنك الدولى فى سنة ٢٠٠٠ كان إجمالى الناتج المحلى للصين يزيد قليلا عن تريليون دولار فقط تريليون واحد، بينما كانت قيمة إجمالى الناتج المحلى فى الولايات المتحدة ١٠.٢٨٤ تريليون دولار وطبقا لبيانات سنة ٢٠١٤ بلغ إجمالى الناتج المحلى للصين ١٠.٣٥٤ تريليون دولار بينما كان إجمالى الناتج المحلى للولايات المتحدة ١٧.٤١٩ تريليون دولار ومن خلال هذه الأرقام يظهر معدل الصعود الصينى بالغ القوة الذى تضاعف ١٠ مرات تقريبا قياسا على مستواه عام ٢٠٠٠ بينما زاد معدل الصعود فى الولايات المتحدة فى نفس الفترة بعدد مرات بلغت ٠.٧ مرة وهذه نتيجة كاشفة للتنافسية الرهيبة بين البلدين ومدى التقدم الصينى للأمام وإذا أخذنا فى الاعتبار البلد التالى لهما فى قائمة دول العالم سوف يتم اكتشاف أن اليابان التى تأتى بعدهما تكاد تكون متوقفة عند إجمالى ناتج محلى بلغ ٤.٧ طوال السنوات التى تم القياس عليها، وهذا يعنى أن كل من الصين والولايات المتحدة هما فرسى الرهان نظرا للفارق الشاسع بينهما وبين اليابان وأن الصين تقفز نحو المقدمة إذا هى استمرت فى معدلات الصعود.


اللحظة التى يصل فيها الطرفان إلى درجة التعادل هى لحظة الخطر مابين إمبراطورية تنزلق نحو الهبوط وأخرى تصعد لتحل محلها لاسيما أن الأولى انتهجت منذ نشأتها عنف غير مسبوق بدأ بإبادة عرق واستعباد آخر وتمتلك قوة نووية كافية لتدمير هذا الكوكب عدة مرات وقد أشار الملياردير الأمريكى المثير للجدل جورج سورس ممول الثورات الملونة إلى هذا الخطر المنتظر عندما قال إن نشوب حرب عالمية ثالثة أو عدم حدوث ذلك سيكون مرتبطا أساسا بحالة الاقتصاد الصينى مضيفا أن السماح للإيوان بالانضمام إلى “قدس الأقداس” ويقصد سلة العملات الدولية سيؤسس اتصالا ملزما بين القطبين الأقوى اقتصاديا فى العالم، محذرا من أنه على الرغم من صعوبة توافق هذين القطبين إلا أن البديل كئيب ومؤلم خاصة إذا اندمجت الصين فى حلف سياسى وعسكرى مع روسيا فوقتها سيصبح تهديد الحرب العالمية الثالثة حقيقة مطلقة، وهذا الرأى يعكس نظرة مركز القوة الرئيسى فى الولايات المتحدة المتمثل فى لوبى رجال المال والأعمال.


وإذا كانت الصين طوال مشوار الصعود الاقتصادى متغاضية عن الانخراط فى الشأن الدولى والإقليمى فإنها الآن بدأت فى تحريك أو فرض أجندات مؤجلة وليس أدل على ذلك من خطواتها الأخيرة فى بحر الصين الجنوبى مما بدأ فى إثارة مشاحنات مبكرة بينها وبين الولايات المتحدة، التى تدرك أن التحديات المستقبلية التى تنتظرها سترتبط فى أغلبها بالتنين الصينى.