عن صاحب رواية «استخدام الحياة» : حين تكون مضطراً للدفاع عن الانحطاط..!

24/02/2016 - 10:49:37

فاطمة-ناعوت فاطمة-ناعوت

كتب - أحمد النجمى

يسألنى سائل : وما الذى يضطرك إلى هذا الدفاع؟


أقول : أولا: الزمالة .. فالمتهم بـ (الانحطاط) زميل صحفى. ثانيا، أنه مارس هذا الانحطاط عبر عمل إبداعى - رواية اسمها «استخدام الحياة» - تم نشر فصل منها فى الزميلة «أخبار الأدب» قبل حوالى أربعة أشهر .. ثالثا، أن موجة من العداء لكل مايمت إلى الثقافة والإبداع بصلة، تجتاح المجتمع وتسىء إلى المشهد العام وتلقى بظلال سوداء على الحاضر والمستقبل . أقول هذا كله وقد صدر حكم بالحبس سنتين فى حق «أحمد ناجى» جزاء له على نشره فصلاً من رواية «استخدام الحياة» فى «أخبار الأدب» ينشر - وفق تعبير الحكم - (خدش الحياء العام) !


محكمة مستأنف «جنح بولاق» برئاسة المستشار «مرتضى الدسوقى» أصدرت حكمها بحبس أحمد ناجى سنتين (أقصى عقوبة فى القانون على الكاتب) فى القضية رقم ٩٢٩٢، وتغريم الزميل (طارق الطاهر) رئيس تحرير «أخبار الأدب» - التى نشرت النص - عشرة آلاف جنيه..! وتم التحفظ على (ناجى) وترحيله لتنفيذ عقوبة الحبس !


أنشر هذا (توثيقاً) للواقعة، وليس لإعلام الناس.. فالناس علموا بالخبر تماماً يوم السبت الماضى، حين حدوثه، ولكن لأخرج من هذا التوثيق إلى المتن.. أملاً فى أن يجد الباحثون بعد خمسين عاماً - مثلا - توثيقاً للخبر فى «المصور» .. يسأل سائل آخر - غير الذى ذكرته فى المقدمة ! - «ومابال هذا الكاتب يبالغ فى أهمية مايكتب؟»، وأجيب على هذا السؤال الاستنكارى : لا أريد هذا، عافاناالله وإياك من الغرور وكبر النفس، إنما أفعل ذلك إيمانا بدور «الكلمة المكتوبة»، المطبوعة .. إذ ينسى الكتّاب أحياناً، أن الكلمة المطبوعة لاتمحى، تبقى على مرّ الأجيال، ويحاسبون كاتبها بعد رحيله، بل بعد رحيل أحفاده، وأكرر: الكلمة المطبوعة.. تلك التى تختلف عن (الكلمة الالكترونية) فى مواقع الإنترنت، التى ذاع صيتها وسحبت القرّاء من المطبوعات إلى ناصيتها، تم (نشر) كلمات أحمد ناجى، وقضى الأمر.. وأصبح المجتمع فى مواجهة هذا النص .. وسيظل فى مواجهته طويلا..!


اختار الكاتب أن يضع نفسه فى هذا الموضع .. موضع «ازدراء الذوق العام»، دعك من فكرة (خدش الحياء)، فمن يسمح ببث دراما رمضان - وأكرر رمضان - محملة بهذه الكمية من الألفاظ الجارحة والخارجة وتلك اللقطات الفاضحة، عليه ألا يتأذى من فكرة «خدش الحياء المكتوبة»، الكاتب - أحمد ناجى - ازدرى الذوق العام للمجتمع، فمهما تكن درجة سوقيتك، أو مهما تكن درجة انحطاط النكتة التى تقولها لأصحابك على المقهى، ستصدم حين تقرأ سطور أحمد ناجى فى الفصل الخامس من روايته! بل إنه - فى الحقيقة - لايجوز تسميتها (رواية)، هى عمل فنى حكائي، لايمكن أن تضعه فى قالب (الرواية) ولا (القصة القصيرة) ولا المذكرات ولا السيرة الذاتية ولا أى قالب متعارف عليه، حكايات يغلب عليها الطابع الجنسى بلا مبرر .. فالقارئ ليس ملزماً بمعرفة قصة حياتك الجنسية ككاتب، أو ببراعتك فى إقامة هذه العلاقة أو تلك مع هذه السيدة أو تلك الفتاة، أو بفهمك لمصطلحات الجنس الأجنبية التى يتداولها مستخدمو الإنترنت الآن تلك المصطلحات التى لم يكن المصريون يعرفونها قبل عشر سنوات..!


قرأت ماكتبه (ناجى) فى فصله المنشور بأخبار الأدب.. لم أصدق نفسى .. أعترف بأ ننى قرأته صباح (الأحد) قبل كتابة هذه السطور، لم أصدق عينىّ، لاسيما أننى قرأته من أحد المواقع على الإنترنت، قلت : لابد أن فى الأمر خطأ ما.. راجعت النص فى غير موقع، فوجدته كما هو .. وأيقنت بأننى أمام نص يندرج تحت مايسمى - أو ماصار يسمى (بورنولوجى)، أو الأدب الجنسى، الشائع فى الغرب منذ عقود.. والذى يتداوله بعض الشباب فى مصر، على (النت) عبر الفيس بوك، إذ ثمة صفحات على هذا الموقع مخصصة لنصوص من ذلك النوع، وثمة (مدونات) - Blogs - مستقلة عن الفيس بوك، تنشر هذه النصوص .. المفزع حقاً، أن ترى هذه الكلمات شديدة الانحطاط، وقد طبعت ونمشرت فى «أخبار الأدب»، تلك المطبوعة التى ذاع صيتها فى عقدين من الزمان رأس التحرير فيهما الراحل الكبير «جمال الغيطانى»..!


وعجبت .. فإن كانت الكتابة عن الجنس بهذه السهولة، فلماذا أرهق الكتّاب أنفسهم لسنوات طويلة للالتفاف حول معانى الجنس وحرصاً على عدم خدش الحياء؟


واندهشت .. إذ يبدو أن الكاتب - أحمد ناجى - مشحون بغضب مكتوم، يعبر عنه بالجنس، غضب تجاه المجتمع، تجاه الدولة، تجاه القيم، تجاه ثابت مامن الثوابت.. لا أعرفه!


وحزنت .. لأن الكاتب - ناجى - لديه مشروع لغوى لابأس به، ومنهج فنى فى الكتابة جدير بالالتفات، وأسقط هذا كله بهذا العمل المنحط فنياً..!


نعم، هو عمل منحط من الناحية الفنية، فنحن لا نحكم على الأعمال الأدبية بمقاييس أخلاقية أو دينية، ولكن نحكم عليها بما تنتمى إليه وهو «فن كتابة الأدب المقروء»، ذلك الفن الذى تستطيع أن تفعل فيه ماتشاء لتحطم قواعده أو تكسر قوالبه، لكن ليس من الحرفية فى شىء، ولا من التجديد فى شىء، ولا من العبقرية فى شىء، ولا من (التمرد) فى شىء، أن تضرب عرض الحائط بأية قواعد فى الكتابة تعارف عليها مجتمعك وتقول إنك تفعل ذلك إيمانا بحرية التعبير ولأنك مبدع لاتؤمن بالقيود.. إنها درجة من درجات (الاستسهال) والإفراط فى الهروب من تقاليد الكتابة، وفى الهروب من ابتكار أساليب لتحطيم تقاليد الكتابة، هو نوع من «الفشل المباشر» فى فن الكتابة.. دعك هنا من الكلام عن (التمرد) و(كسر التابوهات)، فكم من كاتب كبير فعلها، ونجح فيها .. وبذل جهدا ووقتاً، واعتصر ذاته نفسها ليخرج بالنتيجة، أما أن (تخبطها) هكذا، ثم تتذرع بحرية التعبير، فهذا فشل، إن لم يكن كذباً..!


ولكن.. هل تقول (المحاكم) مثل هذا الكلام الذى ذكرناه؟!


المستشار- رئيس المحكمة أية محكمة- ليس ناقداً أدبياً أوفنياً، ولا تجوز مؤاخذته على ظلم نص أدبى، فهو ليس ملزماً بإنصاف هذا الكاتب أو ذاك.. ومن يرفع الدعوى تلو الأخرى على هذا الكاتب أو هذه الكاتبة، محامون يعرفون- بدقة- أن القضاء ليس جهة اختصاص، ولكنه- ما إن ترفع أمامه مثل هذه الدعوى- مضطر إلى إصدار حكم فيها، كأية دعوى قضائية أخرى.. وهكذا، فنحن مضطرون إلى الدفاع عن أحمد ناجى صاحب رواية «استخدام الحياة»!


لماذا؟


لأن ناجى مهما يكن حجم الخطأ الذى وقع فيه، وقع فى خطأ فنى، لم يسرق ولم يقتل ولم يفعل ما يعاقب عليه القانون صراحة، ولم يرتكب جريمة فساد، ولا أفسد الذوق العام.. فـ «أخبار الأدب» التى لها منا كل الاحترام، يقرؤها المثقفون ومحبو الأدب فقط، وهم فى بلادنا- بكل أسف- قليلون، وفضلاً عن هذا فهو (صحفى)، ومؤلم للغاية أن ترى صحفياً يزج به فى السجون لأنه مارس (الكتابة)، لم يحمل سلاحاً كالإهاربيين، ولا قتل نفساً ولا سرق أحداً ولا فسد ولا أفسد..! حتى (إفساد الذوق العام) ليس اتهاماً يمكننا توجيهه إلى ناجى، فأخبار الأدب كما قلنا صحيفة (شديدة التخصص)، أى أن لها جمهوراً محدوداً، وفق اختصاصها.. وقراؤها أكبر من أن يتم إفساد ذوقهم بنص، أو بألف نص..!


هكذا وضعنا (التقاضى) بشأن هذا (النص) أمام مأزق الدفاع عن أحمد ناجى.. ذلك الذى لا نجد شيئاً ندافع بع عنه سوى حقه فى التعبير، وحقه فى ألا يُسجن لأنه نشر نصاً، هذا أمر محسوم لا جدال فيه..!


قلنا من قبل إن ثمة استهدافاً للكتاب والمثقفين، لإيداعهم السجون.. قلنا ذلك على صفحات «المصور» يوم صدر حكم ضد (إسلام بحيرى) أفقده حريته وواراه السجن، وقلنا ذلك يوم صدر حكم مماثل على الكاتبة والمثقفة البارزة (فاطمة ناعوت) بالسجن، وها نحن نقوله للمرة الثالثة فى نفس الزاوية «جسور»، وفى نفس المطبوعة: المصور..! لكن يبدو أنه مامن مجيب!


ولكننا لا نمل من التكرار.. نعود فنقول إن ثمة تياراً عدائياً ضد الإبداع فى مصر، يرعاه بقايا الإخوان ومحامون سلفيون، يتقدم بالدعاوى القضائية - تباعاً - ضد المثقفين، هدفه ليس نشر الفضيلة ولا الدفاع عن الدين- كما يدعى المحامون أصحاب هذه الدعاوى- ولكن هدفه الحقيقى إرهاب الكتاب، يود المحامون رافعوا هذه الدعاوى، لو أن هؤلاء الكتاب أعلنوا اعتزالهم الكتابة، واختفى الأدب المقروء، والكتاب، والبرنامج التليفزيونى، من خارطة الأفكار المصرية، يريدون إظلام الوطن، هذه هى (المطرقة) التى يطرقون بها رءوسنا، وأما (السندان) فهو القضاء، الذى لا يملك سوى النصوص التى يحكم بها فى هذه أو تلك من الدعاوى.. مضطر إلى الحكم، ما دامت الدعوى قد وصلت إلى منصته..!


ومن هنا، يبدو ضرورياً إبعاد شبح السجون عن المبدعين وأصحاب الرأى.. لاسيما أن الدستور المصرى المعمول به الآن- دستور ٢٠١٤- يمنع السجن فى قضايا الرأى والتعبير.. فمتى يتم تفعيل الدستور فى هذه الدعاوى؟.. الأمر فى حاجة عاجلة إلى منع هذه القضايا- قضايا «الحسبة»- من ساحات القضاء المصرى، تلك القضايا التى تجعل حرية التعبير فى مصرمقيدة تقييداً شديداً.. لاسيما أن من يستهدفون تقييدها لديهم نوايا أبعد كثيراً من حبس (ناجى) أو (بحيرى) أو(فاطمة).. إنهم يريدون تشويه الفكر والإبداع فى مصر..! أو ليقول بعض المثقفين- وأعرف أن البعض منهم قالها!- إن هذه الملاحقة للمبدعين لم تقع فى السنة السوداء التى حكمت فيها (المحظورة) مصر.. فكيف تقع فى زمن يحكمنا فيه دستور هو الأفضل فى تاريخ مصر..؟!


المحاكمة الواجبة لأحمد ناجى.. كان من الممكن إجراؤها على صفحات المجلات والصحف وفى البرامج التليفزيونية المتخصصة، لا فى ساحات القضاء.. وما قلته فى السطور السابقة وما يمكن أن يقال فى أية سطور نقدية عن هذا العمل، أكثر إيلاماً من حكم السجن لأحمد ناجى، وهو الطريقة الوحيدة لمحاسبة الأدباء.. وقديماً- جداً- تعلمنا أن النقد هو (القضاء الأدبى والفنى)، ولست أدعى أننى من النقاد، فما بالكم لو أن ناقداً محترفاً حلل نص «استخدام الحياة»؟ لو حدث ذلك لكال له الصاع صاعين وربما دفع أحمد ناجى لاعتزال الكتابة الأدبية، بينما السجن جعل منه علماً ورمزاً لحرية التعبير المهدرة.. والبركة فى (دعاوى الحسبة) التى تركناها تخنق الإبداع بلا ضابط أو رابط..!