كيف نحاور الإبداع..؟

24/02/2016 - 10:44:14

احمد ناجي احمد ناجي

كتبت - د. أمانى فؤاد

لماذا يجب أن نكون ضد الحبس والمقاضاة فى قضايا الرأى والإبداع؟


أى منجز فكرى أو إبداعى يتطلب لتشكّله حرية بلا سقف، فالحدود المقيدة له من قوانين أو نصوص مقدسة أو أعراف مجتمعية لتحجمه أو توقف انطلاقه تبث فيه سموم إصابته بالشلل وإعاقته، ومن ثم عاديته وعدم تأثيره ؛ ولذا ما يلبث أن يموت سريعاً، فالإبداع ليس كمحمية طبيعية يحرم مقاربتها !! بل على العقل والمخيلة البشرية أن تنطلق دون قيد يكبل تطورها أو تجددها وهو المناخ الصحى الذى لا يشعر فيه المفكر أو المبدع بقيود تقزّم من انطلاقاته الفكرية أو الإبداعية، فقط يوجد الوازع الإنسانى الحضارى وهو ما يشبه الميثاق الداخلى بين المبدع ومنتجه ومحيط وجوده البشري، ولا ينبغى أن تفرضه عليه سلطة رقابية من الخارج.


ويختص الإبداع بكل أنواعه الفنية بأنه يستند على المخيلة البشرية، ومن شأن الخيال أن يخلق عوالم وعلاقات ومجازات لا تدخل ضمن نطاق المنطق والعقلانية الصارمة التى تعتمد على الأدلة والبراهين وما استقرت عليه صورة الموجودات ؛ لذا عادة ما يحطم المبدع العلاقات التقليدية التى تبدو بواقع الحياة ليقيم عوالمه الخاصة التى هى نتاج متداخل من مخيلته وعقله ووجدانه، نتاج لوعيه ولا وعيه معا، ومن خصائص الإبداع الخلاق أن يفارق الكائن والمستقر فى رحلة بحث لا تتوقف لإيجاد منافذ متجددة تدفع الحيوية لاستمرار الحضارة البشرية، حيوية الأفكار والأشكال الفنية واللغة ذاتها إذا كان الإبداع أدبا، وكثيرا ما انصب التجديد فى اللغة التى هى حاملة بالضرورة لرؤية ما .


السجن أم المقاطعة :


وإذا شعر المبدع فى أى عصر أو أى مجتمع من المجتمعات أنه محاصر بأنواع من السلطات المتعددة سواء هى سلطة دينية أو اجتماعية أو سياسية وأن القائمين أو المدافعين عن هذه السلطات بصفتهم حراسا وكهنة التابوهات والممنوعات التى تتعلق بالجنس أو النص الدينى أو المعارضة السياسية يغترب عن محيطه، فهناك من يتربصون بنتاجه الإبداعى أو الفكرى ويواجهون الإبداع وهم بوضع التصويب الوحشى لتنطلق رصاصاتهم نحو عقله، أو تتربص الأغلال بمعصميه لتضعه وراء أسوار السجون والمعتقلات، هنا يولد بداخله دون أن يشعر رقيب يجلس فوق أكتافه، رادع داخلى يمتشق أداة تصعق كل فكرة أو مجاز أو متخيل أو مفردة تطرأ على ذهن المبدع، ومهما قاوم هذا الأخير هذا الرقيب الداخلى وكره وجوده وزجره يظل هناك ظل لهذا الرقيب الذى أوجده المجتمع بسلطاته وهو ما يجعل العمل الإبداعى أو الرأى فى نطاق العادى والمتواتر ولا يأخذ صفة المجاوز وغير المسبوق والخلاق، هنا تموت المجتمعات ومنتجها الفكرى والإبداعى لأنها لا تتحلى بشجاعة مواجهة الجديد، الاحتفاء به،أو فينزوى لعدم لياقته .


مهما قاوم المبدع الضغوط التى يمارسها عليه هذا الرقيب الذى أوجده المجتمع بسلطاته المجتمعة يظل حاضرا بقوة لأن الفنان فى النهاية إنسان يخشى على حياته وحريته، يهتم بمن يتعلقون به من بشر، كما أنه يظل راغبا لمنتجه الفكرى والإبداعى بنطاق مناسب للتلقي، ويخشى من القيد والعزلة التى ستفرض على إبداعه وربما تؤدى إلى مصادرته، وتسبق هذا متطلبات وجوده الإنسانى إذ يحتاج لمجتمع يعيش فيه ويتنفس ضمن أفراده .


وعلى سبيل الافتراض ماذا لو لم يُستدع طه حسين إلى النيابة للتحقيق معه فيما ورد فى كتابه “ فى الشعر الجاهلى “، ماذا كنا سنتوقع من إنتاجه الفكرى لو لم يحدث معه ما حدث ؟ فى ظنى أنه كان سيستمر فى أبحاث أكثر جرأة وتشككا وإعمالا عقليا ومنطقيا فى كثير من القضايا التراثية التى يحوطها الكثير من الخلاف حتى الآن ولم تزل تسترعى العقول لإعادة غربلتها وتقيمها العقلى والبحثي، ومثله مصطفى وعلى عبد الرازق لو لم يفصلا من الأزهر، ولو لم يتعرض الإمام محمد عبده لكثير من الاتهامات والنقد، ولو لم يقتل فرج فودة، أو يطعن نجيب محفوظ، أو يحارب نصر حامد أبو زيد، فكثير من تجارب الأعلام التى قادت النهضة أجهضت ولم يستمر تأثيرها الدافع لتطور المجتمع لما مُورس عليها من ضغوط قمعية ومثبطة لعقول أصحابها وخيالهم ولباقى أفراد مجتمعها.


ومع فارق التشبيه يبدو الجديد دائما، وربما الصادم، ينضوى على ميزات كما يتضمن تبعات وضرائب فهو الذى يدفع المجتمعات للجدل والحوار والمناقشات، مواجهة الرأى بالرأي، والفكرة بنقيضها والإبداع بإبداع آخر ليدخلا فى علاقات التناص المتنوعة، وهو ما يخلق حيوية ثقافة المجتمعات وسعيها إلى التطور والتقدم، هذا الحراك هو ما تفتقده المجتمعات المتحجرة التى تخيرت لنفسها أن تظل فى إطار النص والفكر الأحادى السياسى أو الدينى المذهبى أو قيد عادات وتقاليد متوارثة معينة، المجتمعات التى تظل تقضم فى أظافرها جبنا وهى تأكل من نفس الوجبات التى ترهلت وذيلتها الشروح، وعفن شروح الشروح، ومكبلات اللغة التى تموت بموت قيودها الفكرية والإبداعية .


أحفظ له حق الاختلاف :


وأحيانا ما يتعمد المبدع لغة الصدمة لأنها من وجهة نظره تحمل خصوصية تأثيرها الذى لا تهبه مفردات أخرى أكثر مهادنة مع الذوق العام كما فى حالة القضية المثارة أخيرا مع الصحفى والروائى “ أحمد ناجى “، وقد يرى أن هذه الألفاظ الجنسية الصريحة تصرخ منها حالة الضياع والرفض التى تعيشها فئة من الشباب فى المرحلة المعاصرة، حيث لا يجدون متنفسا سوى تجمعاتهم التى يمارسون فيها درجة من تحرر العلاقات، هذه المفردات موجهه لإيلام مجتمع وهزهزته بعنف كردة فعل لما تتعرض له بعض الفئات الشابة فى هذا المجتمع.


اللغة الصادمة تلك توجه رفضها والعنف الذى تتضمنه للمجتمع وهى دلالة على عنف عميق وجه إليهم وجعلهم فى هذا الخواء الذى يعانونه، للظرف الثقافى العام الذى أنتج حالة ضياع هؤلاء الشباب وصرخة العاصمة التى يحيون بها، القاهرة فى لحظة تشكل غائمة ودموية سياسيا ودينيا واجتماعيا .


وقد يتساءل البعض أليس هناك ضابط أخلاقى يحكم العلاقة بين الإبداع والمجتمع بطبقات جمهوره وكهنته من كل صنف ؟ هناك بالطبع علاقة غير مرئية أو محسوسة ولا أومن بفرضها من خارج المبدع، علاقة أخلاقية داخلية بين الإبداع والمبدع الذى يعتقد فى رسالة الفن، وأركز هنا على ما يُطلق عليه ضمير المبدع الداخلى الذى يتعرفه وهو يتكون معه بحكم إنسانيته وثقافته ورؤيته للفن وهل يرى فيه رسالة أم أنه فن للفن فقط، ولبوحه الذاتى أو لفئة خاصة لها نفس رؤاه وثقافته، فهناك بعض المذاهب الكتابية التى تصور الواقع وتحاكيه كما هو بكل سوءاته “ الواقعية الطبيعية”، كما أنها لاترى فى مفردات اللغة ما يصلح للكتابة الأدبية والبعض الآخر لا يصلح مهما أحدث صدمة للجماهير.


كما أن للإبداع طبيعته وحساسيته الخاصة التى لا ينبغى فيها اقتطاع جمل أومفردات من النصوص لنتخذها ذريعة لإدانة الكاتب، فذلك ينافى الفن وطبيعته الكلية، المرتبطة بالسياق التى توجد فيه الجملة التى قد يتصيدها البعض، ليأخذها ذريعة لإدانة الفنان، كما أن حكمنا على النصوص ليس بقانون البتر والاقتطاع لجمل أو مفردات، بل ننظر لجوهر العمل، ومفاهيمه الكلية .


لكن يظل المعيار النقدى هل وظف هذا المنظور فى الإبداع الأدبى لخلق نص متميز القيمة الفنية والفكرية، هل نجحت تقنياته بما فيها لغته فى نقل رؤية الكاتب وخلقت نصا مميزا ؟ أم وظف من أجل خلق نموذج مخالف وصادم للذوق العام ومن ثم بحثا عن المغايرة والشهرة بلا وزن ثقافى !!


نتجاوز هذه النقاشات الفنية التى ينبغى أن تظل فى إطار الآراء والمذاهب تطرح ويرد عليها بالرأى والنقاش وألوان مغايرة من الإبداع المتجدد، لكنها لا يمكن أن تنتقل إلى مرحلة التقاضى والسجن والاتهام بخدش حياء المجتمع، فاللإبداع منطق آخر .


فالقضية الأكثر إلحاحا قضية أحكام الحبس والغرامات والتكفير والقتل التى تسلط على رقاب المبدعين وتجعل الإبداعات والأفكار فى حالة من الارتعاش والتوجس لا لسبب سوى أنها تحمل منطقا مخالفا، ورؤية مغايرة للفن وطبيعته، وطبيعة اللغة المستخدمة فى الأدب، والمفردات التى يتخيرها الروائي. وإذا كان بعض الشخوص والنيابة قد تبنوا تهمة خدش حياء المجتمع فى هذه القضية فلربما تصبح سابقة ومستندا ليدعى آخرون تهما أخرى تقاضى الإبداع وتحاصره تحت أى تابوهات أخرى وهى فى مجتمعاتنا متعددة ومختلفة سواء فى الدين أو السياسة أو الجنس .


قضايا الرأى والإبداع تواجه بالرأى والمناقشة وعرض الاختلافات فى حالة من الجدل الإيجابي، ليس مكانها ساحات القضاء وأحكاما متعسفة بالسجن دون الرجوع للمختصين بالشأن الإبداعى الأدبي، لقد تجاوزت الإنسانية هذه البربرية التى لم نزل نرى صورا منها فى مجتمعاتنا، حين نفرض للآخرين ذوقنا الذاتى فى بناء نصوصهم التى ليست هى بالضرورة الذائقة الوحيدة، خاصة وأن التراث العربى قد تعامل بحرية مع كل المفردات والألفاظ الجنسية التى وردت فى سياقاتها الفنية والسرديات المختلفة بداية من ألف ليلة وليلة حتى مؤلفات الجاحظ والتوحيدى وغيرهم .


كفانا إرهابا وتصيدا للفن والعقل والخيال البشري، كفانا إرهابا لإنسانية الإنسان واختياراته ولندع الذائقة البشرية بتنوعاتها هى من تحاور الإبداع، فالكلمات والفن لا تموت خلف قضبان السجون.


واتساقا مع مواد الدستور الخاصة بالحريات : حرية الاعتقاد، وحرية التفكير والتعبير، وحرية البحث العلمي، وحرية الإبداع الفنى والأدبى .


والتزاما بنص المادة فى الوثيقة المبرمة مابين المواطن والسلطة القائمة على الدولة، فيما يختص بحرية الإبداع الوارد فيها : “وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ولا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية، أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بسبب علانية المنتج الفنى أو الأدبى أو الفكرى “ . وتفعيلا للدستور المصري، ولدولة القانون، لا ينبغى أن يتعرض المبدع لقضايا وأحكام على هذا النحو الجائر على حقوق الإنسان وإبداعاته، واجتهاداته فى رؤية هذا العالم فكرا وخيالا، كما حدث ويتكرر مع المبدعين .


تتمثل الخطورة الحقيقية فى هذه المرحلة من حياة المجتمع المصرى فى أن هناك تسطيحا عاما للوعى الثقافى والأدبى والفني، وعدم القبول برؤى الآخر واختياراته، والتعامل مع الاختلاف بردة فعل عنيفة وقمعية لا تليق بطبيعة الإبداع، ولقد غذّى هذا الفكر الأحادى الفترة الزمنية التى تسيد فيها الفكر المحافظ الرجعى على رأس الدولة وما قبلها من فترات جمود وتسطيح فترعرعت الظلامية والإقصاء وتركت فى كل موقع من يتبناها بل المدافعين عنها وقد شمل هذا التسطيح معظم الفئات والقائمين على المؤسسات والهيئات، بحيث إن السادة وكلاء النيابة والقضاة لم يتمرسوا على تلقى الإبداع ومنطقه وكيف يتم النظر إليه ولذا أتصور أنه من الطبيعى أن يحتكم الجميع لخبراء الأدب والنقد فى معالجة ما يتم الاختلاف بشأنه لتوضيح كثير من حقائق واعتبارات النظر للأدب وقضايا الحريات التى تتعلق به .


قد لا نستسيغ المفردات الصادمة للذوق العام لكننا حتما لا نرتضى سجن كتابها ولا مقاضاتهم .