علاء الديب .. النبيل الذى كتب عن الجميع ولم يكتب عنه أحد

24/02/2016 - 10:39:23

علاء الديب علاء الديب

كتب - أسامة عفيفى

كان يشم الموهبة عن بعد، ويعرف من أول صفحة أن كان الكاتب مبدعا أم مدعيا. تماما مثل الجواهرجى الذى يعرف عن بعد أن كانت هذه الجوهرة أصيلة أم مزيفة، حرة أم «فلصو»، قضى أغلب عمره المهنى يكتب ويكتشف المواهب ويقدم الكتّاب للساحة الأدبية بحب وزهد وتجرد. وبرغم أنه كتب عن الكثيرين وقدم قامات كبيرة أصبحوا نجوما فى سماء الأدب إلا أن إبداعاته القصصية والروائية برغم أهميتها وجمالها الأخاذ ظلت بعيدة عن أضواء الإعلام وبعيدة عن الدرس النقدى الحقيقى، وبرغم ذلك لم يشعر بمرارة يوما ولا حاول أن يقايض مايكتب عن الآخرين بالكتابة عن إبداعه، فلقد كان نبيلا شامخ الكبرياء.


وعلى ذكر كبريائه أذكر أنه بعد أن أصدر أحد وكلاء وزارة الثقافة قرارا تعسفيا بالاستغناء عنه ومنعه من كتابة مقاله الأسبوعى فى جريدة «القاهرة» بحجة تقليص النفقات بعد ثورة ٢٥ يناير، لم يهاجم القرار ولم يشك لأحد ولقد سارعت أنا بالاتصال بالدكتور أحمد مجاهد رئيس هيئة الكتاب آنذاك واقترحت عليه أن نستكتب عمنا علاء الديب فى مجلة «المجلة» بنفس الأجر الذى كان يحصل عليه فى القاهرة، فوافق الدكتور مجاهد فورا واتصلت بالروائى سعد القرش رئيس تحرير مجلة الهلال الحالى واتفقنا أن يعرض عليه الأمر لأنه كان قريبا منه فاقترح سعد أن أهاتفه مباشرة وأعرض أنا عليه الامر على أن يعضد هو الفكرة معه بعد اتصالى. وبالفعل اتصلت به وشكرنى الرجل بنبل وكبرياء وقال لى: أشكرك وأشكر الدكتور مجاهد فأنا أحتاج إلى استراحة محارب قصيرة وبعدها سأقرر متى وأين سأكتب وحاول سعد القرش معه بعد ذلك وتلقى نفس الإجابة.. فلقد كان الرجل كبيرالقامة حقا ومن ذلك الجيل الذى آمن أن الكتابة ليست مهنة فقط ولكنها دور ورسالة هدفها تنوير العقل ومحاربة الجهل وعندما قلت له مرة أن دوره كمكتشف للمواهب سيذكره التاريخ الثقافى ضحك الرجل وقال لى: ليس هدفى مما أكتب هو تقديم المواهب ولا اكتشافها بل دورى هو تعريف الناس بالإبداع الأدبى ليقرأوه فى هذا الزمن المحاط بالخرافة والتجهيل، حتى العنوان الذى اخترناه فى صباح الخير لهذا الباب كان عنوانا غير مألوف ليناسب القارئ العادى عنوان رشيق يحبب الناس فى القراءة ويقدم لهم وجبة ثقافية خفيفة تقدم لهم المعرفة من ناحية ومن ناحية أخرى تشجعهم على القراءة فعنوان «عصير الكتب» عنوان مثير للانتباه ومثير لشهية القارئ فى نفس الوقت فما أكتبه ليس نقدا ولا يغنى عن النقد لكنه قراءة فى العمل لتشجيع القارئ على قراءة الجيد والجاد لقد كنا فى صباح الخير كتيبة تهتم بالقارئ العادى ووعيه وثقافته.نهتم بالشباب مبدعين وقراء انها فلسفة كاملة متكاملة لتشييد وعى جديد للأجيال الجديدة.


وبرغم أننى لم أكن من ندمائه أو مريديه ولم أكن من القريبين منه إلا اننى كنت عاشقا لما يكتب واستفدت كثيرا كقارئ مما كتب . وحرضتنى كتاباته عن الكثير من الكتب لأن اقتنيها وأقرأها، واكتشفت أن ثقافته الموسوعية وإيمانه بدور الوعى والفكر فى تطوير المجتمع كانا هما بوصلته الدائمة سواء فيما كتب من إبداع قصصى أو روائى أو فيما اختاره للترجمة من الإبداع العالمى أو ما كتب عنه من إبداع أو مؤلفات فى بابه الشهير الذى كان يحمله على كاهله متنقلا به بين المجلات والصحف، والدليل على ذلك أن علاء الديب لم يكتب عن الإبداع الأدبى فقط فى مقالاته بل كتب عن مختلف أنواع الكتب المصرية والعربية والعالمية فكان يختار بعناية أهم الكتب فى الفلسفة والموسيقى والسينما والمسرح والتاريخ والاجتماع ليكتب عنها فى بابه ويقدمها للقارئ العادى بسلاسة ورشاقة ليفتح شهيته ويحرضه على المعرفة مع سبق الإصرار والترصد، فعندما تقرأ له مقالا عن كتاب فى الموسيقى تعتقد أنه متخصص فى الأنغام والألحان، وعندما تقرأ له عن السينما يتبادر إلى ذهنك أن الرجل سينمائى محترف، وهكذا فى كل مايكتب، هذه الثقافة الموسوعية أهلته لأن يقرأ الأدب بعيون أخرى ويكتب عنه بلغة مختلفة، بل لقد كانت هذه الموسوعية هى الخلفية التى انطلق منها وهو يرسم ملامح إبداعه القصصى أو الروائى ولعل أهم ما يرصده المتابع لهذه الأعمال هو اللغة الجزلة الرشيقة المليئة بالدفء والحميمية التى شكلت جماليات البناء المعمارى لأعماله كافة، بالإضافة لقدرته الفذة على التقاط المفارقة الدرامية التى هى نتاج ثقافه راقية اختلط فيها البصرى والسمعى والانسانى بالفكرى، فيرى مالا يراه الآخرون فى الواقع المعاش فيصوغه بجمال أخاذ ليشكل به سدى ولحمة عالمه الروائى.


هذه اللغة الجزلة الجميلة هى التى دفعت شادى عبد السلام لأن يختار علاء الديب ليكتب حوار فيلم المومياء بالفصحى، ولهذا الحوار قصة تستحق أن تروى فلقد كتب شادى الحوار بنفسه ولكن بالفرنسية وكان يريد أن يخرج الفيلم بالعربية الفصحى ليعطى أجواء ملحمية على الفيلم فى زمن كانت كل الافلام ناطقة بالعامية لذا فالمفروض أن يكون مترجم الحوار من الفرنسية إلى العربية ليس مجرد مترجم عادى بل لابد أن يتميز بقدرتين الأولى أن يمتلك لغة سهلة وبسيطة وجميلة حتى لا تكون اللغة حاجزا بين الفيلم والجمهور الذى تعود على العامية والأخرى أن يكون على دراية بلغة دراما الصورة ودورها الإيقاعى فى تطوير الحدث السينمائى وهنا وقع اختيار شادى على علاء الديب ليس فقط لقدرته على الترجمة وامتلاكه القدرة على صياغة اللغة بشكل جميل وجزل ولكن لمعرفته ودرايته بالدراما خاصة أنه كان قد أنجز ترجمة مهمة نشرت فى أوائل الستينيات لمسرحية «لعبة النهاية» لصمويل بيكيت، فضلا عن درايته ومعرفته واتصاله الدائم بالثقافة الغربية ومتابعته لتطورات الاتجاهات الحديثة فى الفن والفكر بشكل عام، فجاء الفيلم أشبه بقصيد سينمائى، ومازال يصنف ضمن أهم مائة فيلم فى تاريخ الأفلام العربية حتى الآن ولقد قام الدكتورغالى شكرى بنشر حوار فيلم المومياء الذي كتبه علاء الديب في مجلة القاهرة فى فبراير ١٩٩٦ ضمن العدد الخاص الذى أعده عن شادى عبدالسلام والمومياء آنذاك.


وعلى ذكر معرفة علاء الديب ومتابعته لتطورات الفكر والفن والسياسة العالمية فلقد كان الرجل بالفعل يتابع مايصدر فى المكتبة العالمية من كتب ليس فقط للكتابة عنها فى بابه الأسبوعى، ولكنه كان يختار من حين لآخر ما يستحق الترجمة ويترجمه فورا فقدم للمكتبة العربية قصصا لهنرى ميلر وبيتر فايس وشارف دى امرى وغيرهم، كما ترجم كتابا مهما عن هنرى كيسنجر للصحفية الفرنسية دانيل أونيل بعنوان عزيزى هنرى، بالاضافة إلى كتاب الطريق للفضيلة الذى يضم نصوصا صينية مقدسة عن الفضيلة وعلوم الأخلاق فى شرق آسيا كتبها الفيلسوف الصينى لاو تسو.


هذه المعرفة الموسوعية كما أسلفت ساهمت فى تشكيل رؤية علاء الديب الثقافية وهى التى شحذت ذائقته الجمالية فجاءت كتاباته مختلفة ومغايرة وطازجة تفتح شهية القارئ للمعرفة والتذوق، وهى أيضا التى شكلت ملامح معماره الروائى والقصصى فجاءت أعماله الإبداعية: “القاهرة» و»صباح الجمعة»، و»المسافرالأبدى» و»زهرالليمون»، و»أطفال بلا دموع»، و»قمر على المستنقع»، و»عيون البنفسج»، و»أيام وردية» أكثر دفئا وجمالا من كثير من أعمال إبداعية هلل لها الإعلام ودشنتها شلل النقد المتشابكة المصالح، وتحتاج هذه الأعمال للدرس النقدى الرصين والمنصف لرجل كتب عن الجميع ولم يكتب عنه إلا بعض المنصفين.