دماء على جدار السلطة (١٢) .. خروجًا عن مبادئ الإسلام

24/02/2016 - 10:36:16

جامع القيروان جامع القيروان

كتب - رجائى عطية

لم ينقطع الصراع على السلطة بوفاة يزيد بن معاوية ، ثم الوفاة السريعة المظنون فيها لابنه معاوية بن يزيد الذى ذهب سريعًا كما جاء سريعًا ، وذهب بذهابه احتمالات الإقلاع عن الشرود الذى شاب ولايات بنى أميّة للأمور . وقد حاول عبيد الله بن زياد أن يشرئب فى العراق ففشل ، وتوالت البيعة لابن الزبير من مصر ومن كافة الولايات الإسلامية ، وفى اليمن وخراسان والجزيرة ، وكادت الشام أن تبايع كلها بعد أن توالت مبايعات حمص وقنسرين وفلسطين ، لولا أن ابن الزبير استخلف «الضحاك بن قيس»على أهل الشام ولم يكن استخلافًا موفقًا ، فقد كانت له خصومات ، وكان يطمع فى الخلافة لنفسه ، فأعطى ذلك لبنى أميّة فرصة استرداد نفوذهم الذى بدأ يتبدد بالشام .


وحول هذا الصراع على السلطة الذى شجر بين الضحاك بن قيس ممثل ابن الزبير بالشام ، وبين بنى أميّة أصحاب النفوذ هناك ـ انقسم أهل الشام ، وتجمع الأمويون حتى


لا يفلت الأمر منهم ، وانتهوا فى خبر طويل إلى الاتفاق على «مروان بن الحكم »


الذى كاد أن يبايع ابن الزبير لولا أن ردّه عن ذلك عبيد الله بن زياد ، الذى تابع


أساليبه الموروثة عن أبيه زياد ، فكان رأس المكيدة التى دبرها البيت الأموى للخلاص من


«الضحاك بن قيس»، فدسوه عليه لاستغلال نقطة ضعفه فى تمنّيه الخلافة لنفسه ، فجعل عبيد الله بن زياد يزين للضحاك أن يدعو إلى نفسه ، ويبدو أن الرجل من حبه للسلطة لم يكن فى حاجة إلى تزيين ، فما لبث أن دعا الناس إلى مبايعته بدلا من دعوته لابن الزبير ، فقضى بيده على مكانته فى قلوب أنصاره الذين أخذوا عليه تناقضه ونكثه لبيعته ، وتقلب أهوائه بالدعوة إلى نفسه ، وقالوا له فيما صوره ابن كثير فى البداية والنهاية :


«دعوتنا إلى بيعة رجل فبايعناه ، ثم خلعته بلا سبب ولا عذر ، ثم دعوتنا إلى نفسك».. وانصرف معظم أنصاره عنه ، واحتشد له بنو أميّة بعد أن فرغوا من «مؤتمر الجابية»، واستقروا فيه على «مروان بن الحكم»، وقاتلوا الضحاك بعد أن كان قد سيطر على دمشق ، وهزموه وقتلوه فى «مرج راهط»، وبقتل «الضحاك بن قيس»، فى هذا الصراع الدامى على السلطة ، أخذ سلطان عبد الله بن الزبير ينكمش فى الشام ، واستقر الأمر فيها لمروان بن الحكم الذى بدأ بعهده عهد الخلفاء «المروانيين»بعد انتهاء عهد الخلفاء «السفيانيين»، وليستأنف مروان بن الحكم صراعه لتمديد سلطانه وسلطان أبنائه من بعده .


لا سواء بين كفتى الميزان


انحصر الصراع على السلطة بين مروان الذى استقل بالشام ، وبين عبد الله بن الزبير الذى أجمعت عليه الحجاز ومصر والعراق واليمن وخراسان والجزيرة ، ولم يكن ماضى مروان كماضى ابن الزبير ، ولا كان كفئًا لابن الزبير فى استقامته وزهده وورعه وتقاه ، ولا فى الصحبة .. وكان أبوه «الحكم بن العاص»طريد الإسلام ورسوله ، وناصبهما العداء ، ولم يعف عنه الرسول عليه الصلاة والسلام إلاَّ بوساطة وإلحاف عثمان بن عفان ، ولا يزال المسلمون يذكرون لمروان علامات الاستفهام التى أثيرت حوله فى ملابسات اغتيال الخليفة الثالث عثمان ، والدور الذى أداه للحيلولة دون تقارب الخليفة والمعارضين لسياسته ، ويذكرون أن مروان كان يصلى خلف ابن الزبير فى موقعة الجمل ، ويعرفون أنه كاد أن يبايع لابن الزبير لولا أن ردَّه عن ذلك عبيد الله بن زياد .


على أن «مروان»كان داهيةً أريبًا ، وقد تزايدت أطماعه فى مد سلطانه بعد أن استوت له الشام ، فحشد كل جهوده فى التخلص من ابن الزبير خليفة الحجاز ومصر والعراق واليمن والجزيرة وخراسان ، فاستغل ثراء الشام فى تجييش الجيوش لحرب ابن الزبير ، وقاد بنفسه جيشًا إلى مصر ، وبعث عبيد الله بن زياد على رأس جيش إلى الجزيرة والعراق ، وأرسل جيشًا ثالثًا إلى المدينة بقيادة «حبيش بن دلجة».


ولم يردع طموحات «مروان»أن الأمصار جميعًا ـ عدا الأردن ـ كانت قد


بايعت ابن الزبير بالخلافة ، بيعة صحيحة عن رضًا وإجماع ، ورضى المسلمون عن ولاته


بالأمصار . بينما كانت ولاية «مروان»بالشام مأخوذة عنوة بالسيف والإكراه ، بعد قتل


«الضحاك بن قيس»، ومغالبة الأمويين الذين رشحوا للخلافة آخرين غير «مروان»، وانصراف كبار الأمويين عن طلبها كعمرو بن سعيد بن العاص .


وعن طريق «مروان»إلى الخلافة ـ علق «المسعودى»فى «مروج الذهب»بقوله : «وكان مروان أول من أخذها بالسيف كرهًا ، على ما قيل ، بغير رضًا عن عصبة من الناس ، بل كل خوّفه إلاّ عددًا يسيرا حملوه على الوثوب عليها»وحتى قال يومها خالد بن يزيد : «أمر قضى بليل»على ما جاء بالإمامة والسياسة لابن قتيبية


( ٢/١٣ ) . وذكر الحصنى «وكثير من العلماء يرون أن بيعة مروان غير منعقدة شرعًا , لوقوعها من سكان دمشق فقط , ولأنها مسبوقة ببيعة ابن الزبير المنعقدة بإجماع جمهور المسلمين»( منتخبات التواريخ لدمشق ١/٩١ ) .


وفضلا عن أفضلية ابن الزبير على «مروان»من الناحيتين السياسية والشخصية ، فإن موقف «مروان»كان «بغيًا»و «خروجًا»على بيعة صحيحة ارتضاها المسلمون , وكان موقفه فى هذا شبيها بموقف معاوية من البيعة الصحيحة للإمام على , وتجديدًا لهذا الشرخ الذى بدأه معاوية بالخروج على السلطة الشرعية , ثم بقلب الخلافة من البيعة إلى ملك عضوض وملكية وراثية .


التاريخ يعيد نفسه


خلاصة ما جرى وأخذ يجرى , كان تكرارًا لانتصار المُلْك على الخلافة , كما انتصرت فى انقلاب معاوية على الإمام , فنجح «مروان» كما نجح معاوية ـ فى انتزاع مصر من الخلافة الشرعية , وحول العراق دار صراع آخر على رأس جيوش الشام فيه : عبيد الله بن زياد الذى أقره عبد الملك بن مروان على وضعه بعد وفاة «مروان»وانتقال الخلافة


«توريثًا»إلى ابنه عبد الملك .


ولكن أمور ابن زياد لم تكن سهلة بالعراق , فقد قاومه «التوابون»من شيعة الكوفة الذين ندموا على خذلانهم الحسين بن على , فخرجوا لقتاله , وظهرت فى ذات الوقت حركة «المختار الثقفى»الذى أخذ يدعو إلى محمد بن على بن أبى طالب المعروف «بمحمد بن الحنفية»نسبة إلى أمه حيث لم يكن من أبناء الزهراء , واستطاع المختار الثقفى أن يجمع فلول التوابين حوله بعد هزيمتهم فى «عين الوردة», واشتعلت حركة الشيعة فى العراق , وانتصر جيش المختار الثقفى على جيش ابن زياد , وانتهت المعركة بقتله . بيد أن انتصار المختار الثقفى وإن جنب ابن الزبير قتال جيش ابن زياد , إلاَّ أن ولاة ابن الزبير وجدوا أنفسهم فى مواجهة المختار الذى بدأ يستقل بمعركته عن ابن الزبير لأسباب يطول فيها الحديث ، ولكنها فتحت بدورها صفحات فى هذا الصراع الضرير على السلطة .


أما المدينة , فقد أخفق «مروان»فى استهدافه لها , وأسدل الستار على منازعة


«مروان»بوفاته , وانتقل الملك وراثةً ـ تحت مسمى الخلافة ـ إلى ابنه أبى الملوك :


عبد الملك بن مروان .


عبد الملك بن مروان


يستأنف الصراع


من آفات تناول التاريخ , تناوله «بالتجزئة»أو «بالقطَّاعى»إن جاز التعبير , وقد حدث ذلك من خلال التركيز الجزئى على تناول الشخصيات , والباحث مدفوع بالوعى وباللاوعى إلى إثبات أن الشخصية التى يتصدى أو دُعِىَ للكتابة عنها , شخصية فذة فريدة , تتجمع فيها حسنات وأفضال ومزايا لا تقابلها ولا يمكن أن تقابلها سلبيات , ويكاد أن يطاول وصف العقاد لبعض الشخصيات بالعبقرية , دون أن يتفطن إلى أن العقاد لم يسبغ صفة


«العبقرية»على كل من كتب عنهم , حتى الخليفة الثالث عثمان بن عفان لم يصفه بالعبقرية , واكتفى بوصفه بذى النورين كناية عن زواجه من ابنتين للرسول على التوالى , ولما كتب عن معاوية قال : «معاوية فى الميزان», ولم تُعْرف له من «العبقريات»سوى «عبقرية محمد», و«عبقرية الصديق»، و«عبقرية عمر» , و«عبقرية


على», و«عبقرية خالد», ولم يتخير هذه الصفة لكثيرين كتب عنهم , وإن بقى أنه اختط ألاَّ يكتب إلاَّ عمن رآه جديرًا بالكتابة عنه , فغلب على تناوله الإطراء وبيان المحاسن والمآثر والدفاع عن العيوب إن كان لا مفر من تجاهلها , وإن بقى تناول العقاد واعيًا وبعمق لحركة التاريخ .


وقد أدت التناولات الجزئية للشخصيات من هواة الكتابة عن الأشخاص ، , إلى عدم دراسة حركة التاريخ دراسة شاملة كما فعل ابن خلدون فى مقدمته الشهيرة . وغابت حركة التاريخ ومغزاها وسط هذه الغابة من التحسين والتجميل .


من يدرس التاريخ يدرسه للتأمل و الغوص , والتحليل , لا للإطراء أو بعث ما اسماه أحد الباحثين «مجد الأمة العربية»وهو مجد نحب بعثه , ولكن ما لا يجوز أن يكون هذا عنوانا من البداية لدراسة شخصية فيها الإيجابى والسلبى , ومهمة الباحث دراستها بما لها وما عليها , لا تمجيدها لمجرد أننا فى عهد نعمل فيه على «بعث مجد الأمة العربية».


لا أحد قرأ التاريخ قراءة متمعنة , إلاَّ ويعرف الدور غير الحميد الذى اضطلع به


«مروان بن الحكم»وأبوه الحكم بن العاص فى صدر الإسلام , وفى زمن الفتنة الكبرى , ومع ذلك رأيت فى تقديمٍ لكتاب عن عبد الملك بن مروان عبارات لم يتوقف الكاتب عند معانيها , فيقال إن عبد الملك «وجد نفسه خليفة»فى غرة رمضان عام ٦٥ هـ , وأنه فى هذا اليوم أقبل عليه زعماء بنى أمية وأمراء الجنود ورؤساء القوم فسلموا عليه بالخلافة فى «دار الخلافة»بدمشق ، لأنه فى بكرة ذلك اليوم «روعت»دمشق بموت «مروان بن الحكم»الذى علقت عليه كبار الآمال !


وهذه العبارات المتدفقة فى الإطراء , غاب عنها المآسى التى طويت عليها , فأن يجد عبد الملك نفسه خليفة , يكشف ما أصاب الدولة الإسلامية من تحول الخلافة بالبيعة , إلى ملك عضوض وملكية وراثية , وغاب عنها فداحة أن يسبغ على «مروان بن الحكم»وصفًا هائلاً عن آمال كبار لم يوصف بها الكبار الحقيقيون فى تاريخ الإسلام . وقد كان يمكن أن يمر هذا الإطراء الفارق فى الغلو ، لولا أن الكاتب أشفعه بأن تمام الأمر لابنه عبد الملك على هذا النحو ، كان لأن مروان «حكيم بعيد النظر ، فاحتاط للأمر واتخذ له عدته قبل وفاته ، فما إن استتب له الأمر ( الذى آل إليه أصلاً بلا استحقاق ) ، وشعر باستقرار دولته ، حتى حرص على دعوة الرؤساء ممن يدعون ـ كذا ! أهل الحل والعقد ، وأخذ عليهم المواثيق بولاية العهد لابنيه ( إمعانًا فى الضمان ) : عبد الملك ثم عبد العزيز ، فانعقد الأمر لهما قبل وفاة مروان بأقل من شهرين ، وكان هذا تدبيرًا بالغ الحكمة».. فيما جرت به عبارة الكاتب .


ولا يسعك إلاَّ أن تقارن هذه «الحكمة»التى وصف بها الكاتب فعل «مروان»، وعقده البيعة لولديه على التوالى إمعانًا فى إبقاء الحكم فى ذريته ، بما قيل من نحو عشر سنوات ـ آنئذ ـ من نقد مرير لما فعله معاوية حينما عقد البيعة فى حياته لابنه يزيد .


وقد زاد مروان على ما فعله معاوية ، أن نكل عما التزم به فى مؤتمر الجابية ، الذى اشترط عليه أن يكون الأمر من بعده لخالد بن يزيد بن معاوية ، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص ، فنقض «مروان»هذا العهد بمبايعة ابنيه ـ فى حياته ـ من بعده .


وبداهةً لست أريد فى المقابل أن أقدح ، لا فى عبد الملك بن مروان أو فى مروان أو سواهما ، فلست معنيا بالمدح أو القدح ، وإنما أريد أن أستقصى جذور الصراع على السلطة وما قادت إليه من دماء وتارات ، وما فجره هذا الصراع الدامى من آثار ذهبت بالدولة الإسلامية بعيدا عن البداية المبشرة التى كانت فى زمن الراشدين .


ومع أن هذه العبرة واضحة اليوم لمن يقرأ صفحات التاريخ ، نجد البوصلة تضيع فى ستينيات القرن الماضى ، وينقلب النقد المرير ـ إلى حكمة بالغة يزجى من أجلها الحمد والثناء . لا لشئ إلاَّ لأنك تكتب عن عبد الملك بن مروان ، وأن الكتابة عنه تقتضيك أن تسبغ عليه وعلى أبيه كل حسنات الدنيا ، بلا معنى وبلا وعى !


لا أجد داعيا للاسترسال فى بيان ما صدمنى فهو كثير ، وأخطر ما فيه أنه يبث إلى الأجيال مفاهيم مغلوطة ، ويمتدح ما هو جدير بالقدح أو بالنقد ، ويغيب عنه عبث الأغراض فتوصف مآربها بأنها أعمال كبار ، دون إدراك أن هذا هو الذى أدى فى النهاية إلى انهيار هذه الدولة ، ودون أن يتفطن أحد إلى مغزى أن يتحول هجوم هؤلاء القادمين من الشمال حيث الخصب والمال ، إلى «مركز الإشعاع»الذى كان فى حياة الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين ، فيتحول مركز الإشعاع إلى هدف للغزو والتدمير وتحت راية الإسلام ، وإذ بطلاب السلطان المتطلعين إلى السلطة ـ يهاجمون المدينة غير مرة ، ويهاجمون مكة غير مرة ، ويقذفون الكعبة بالمجانيق ، وبكرات اللهب التى أحرقت جانبا منها ، ويرمون بالأحجار الطائفين بالبيت الحرام والعاكفين والركع السجود ، ويهلكون وينهبون ، ويقتلون ويحزون الرءوس ، ويمثلون بالقتلى ، ويعلقون أجداثهم كما سوف نرى لتكون طعامًا لجوارح الطير ، ولتنهدم كل القيم التى أقامها الإسلام !


( للحديث بقية )