هيكل والإخوان: العداء حتى الموت

24/02/2016 - 10:30:21

محمد حسنين هيكل محمد حسنين هيكل

بقلم : أحمد بان

«مدرس خط ومع ذلك فإن خطه بشهادته ليس جميلا، بل ولا مقروء وزعيم لمليون من المصريين ولكنه وبشهادته ليس زعيما، وإنما هو مدرس فقط ولعل هذا هو مصدر لقبه الرسمى وهو المرشد العام للإخوان المسلمين، أما الإخوان المسلمون أعنى الجمعية نفسها فهى شعار مكون من سيفين متقاطعين بينهما مصحف كتبوا تحته كلمة (وأعدوا) ثم المرشد العام ذلك الرجل الملتحى ذو العينين البراقتين والصوت الحازم القومى المكين وليس هناك بعد ذلك إلا المليون رجل فقط على استعداد لبذل آخر قطرة من دمائهم عندما يأمر بذلك المرشد العام، وهذا هو كل شىء».


هكذا وصف الأستاذ هيكل حسن البنا وجماعته وصفا بليغا يغنى عن الشرح، كان هذا فى أعقاب لقاء جمعه مع حسن البنا ضمن لقاءين جمعا الرجلين كما قال الأستاذ هيكل، بينما يدعى الإخوان أنه التقى البنا عشرين مرة فى محاولة لتأكيد زعامة الرجل وأنه كان قبلة للكتاب والصحفيين، كان هذا اللقاء فى العام ١٩٤٦ عمر الأستاذ هيكل وقتها لم يتجاوز ٢٣ عاما، بينما كان البنا فى الأربعين من عمره.


كان اللقاء الثانى مع البنا بمقر صحيفة أخبار اليوم بناء على طلب من حسن البنا، فى إطار محاولات الرجل تفادى المصير الحتمى لجماعته، وتوسيع الاتصالات بالكتاب والسياسيين على أمل إنقاذ الجماعة من المصير الذى قادت نفسها إليه.


عداوة الإخوان للأستاذ هيكل انطلقت من اعتباره اللسان العليم لثورة يوليو، التى اعتبروها انقلابا حرمهم من الحكم وكان هيكل لديهم هو المنظر الأول لثورة يوليو والأمين على تاريخها وصانع مجدها، والذى ساهمت كتبه ومقالاته فى كشف حقائق طالما حاولوا إخفاءها، لكن الصحفى القدير الذى اقترب من السلطة، وامتلك موهبة فذة وظل يملك مصادر متنوعة للمعلومات مع ذائقة أدبية أضفت على حديثه طلاوة وإقناعا، ظل الباعث الرئيسى على حقد الإخوان عليه فلم تقدم الجماعة صحفيا أو مؤرخا أو كاتبا يملك القدرة على منازلته أو الرد على منطقه فى الحديث، لم تغفر الجماعة للأستاذ أنه جعل التجديد الحديث فى الفكر الإسلامى من نصيب محمد عبده مع أستاذه جمال الدين الأفغانى، مؤكدا أن ما فعله البنا فقط أنه خلق تنظيما لكنه لم يلتق مع أفكار عبده والأفغانى ولم يحسن الصلة معها، ولوحدث لكان للإخوان المسلمين شأن آخر يفوق ما تطورت إليه التنظيمات الإسلامية فى تركيا مثلا.


هذا الرأى الدقيق والعميق والصحيح بالمناسبة، اعتبره الإخوان تحقيرا من شأنهم وتقليلا من شأن زعيمهم البنا الذى كان مقربا من تلميذ عبده النجيب محمد رشيد رضا، بدليل أنه أكمل تفسير المنار الذى كان يصدره البنا وواصل من بعده رشيد رضا، وأن البنا أكمل من بعد رشيد رضا كما لو كان ذلك دليلا على اتصال السلسلة بينهما وهو أمر مجاف للحقيقة، فقد كانت دعوة الشيخ محمد عبده تربوية بالأساس حتى لو تم عرض مسيرته اشتغال محدود بالسياسة بتأثير الأفغانى، قبل أن تكتمل تجربة الرجل ويختم بالتربية بديلا عن السياسة.


حيث يعتقد الإخوان أن محمد عبده وإن جدد فى إصلاح التعليم والقضاء الشرعى، فهو لديهم اكتفى بالكلام والكتابة فى هذين المجالين، بينما جدد البنا فى الفكر الإسلامى كله وأوضح حقيقة الإسلام التى كانت غائبة عن الأذهان حتى بعثه الله.


ثم لم يكتف البنا بالتنظير فى كل تلك المعارف والأفكار، بل جمع المؤمنين بها فى جماعة وتنظيم حركى يبقى فى نظرى الخطيئة الكبرى التى يفخر بها الإخوان، رغم ما أوردهم المهالك بسببها وهو ما أثبته الأستاذ هيكل بقوله « لكن الإخوان المسلمين فى مصر عرضوا أنفسهم أولا ثم تعرضوا هم ثانيا لكوارث، والسبب أنهم مع وجود خلفية إسلامية لها قيمتها وإن كانت غير محددة ولا متجددة وراءهم ، وفى اللحظة نفسها مع وجود تنظيم قوى بناه حسن البنا وقعوا فى مآزق كثيرة أولها، أن هناك من حاول فى البداية استعمالهم فى معركة الخلافة بين الطامعين فيها من العرب بعد سقوطها فى إسطنبول، يستوى فى ذلك ملوك مصر من أسرة محمد على أو ملوك السعودية وأسرة عبدالعزيز فالطرفان حاولا، الملك فؤاد بقوة النفوذ والملك عبدالعزيز وخلفاؤه بقوة المال، الثانى أن الإخوان حين حاولوا أن يثبتوا أنفسهم طرفا لابد أن يحسب له حساب، فعلوا ذلك بقوة التنظيم السرى اختصارا للطرق وذلك أدخلهم فى غياهب العنف وقادهم ذلك الى صراع مع النظام الملكى فى مصر، وصل بعد اغتيال النقراشى باشا أواخر ١٩٤٨ إلى أمر ملكى باغتيال مرشدهم حسن البنا فى مطلع ١٩٤٩.


لم ينس الإخوان لهيكل أنه وثق محاولات اغتيال الإخوان لجمال عبدالناصر، وأن كتاباته كانت الأكثر مصداقية مسلحة بالوثائق والحجج العقلية والمنطقية.


عرفت بعض قيادات الإخوان ممن هم أقرب إلى منطق السياسة قيمة الرجل فكريا وتاريخيا. لذا كان مكتبه على نيل القاهرة وعزبته فى برقاش قبلة للزعماء والساسة طويلا، برغم موت عبدالناصر الذى اعتبره خصومه الحاضن للرجل وسبب مجده ولم يكن ذلك صحيحا، فقد توهج الرجل أكثر بعد وفاته وظل رقما صعبا فى عالم الصحافة والسياسة والتحليل الإستراتيجى، حتى غدا من أهم مفكرى العرب عروبيا صادقا قابضا على جمر الفكرة القومية رغم ما اجتاح عالمنا من عواصف.


ذهب إليه فى بيته عصام العريان وأبو الفتوح والكتاتنى حتى مرسى ذهب إليه والتقاه، والتقى هيكل بمرسى بعد فوزه ووصف هيكل مرسى بأنه رجل طيب وهو وصف ينطوى على الكثير من الحقائق، التى اتضحت بقوله قد لايكون ملما بالعديد من الملفات المهمة خصوصا أنه كان مدركا أن التنظيم لن يتركه يعمل ويصنع تجربته، ولطالما نصح الجماعة بأن يخرجوا من عباءة الجماعة ويرتدوا ثوب الدولة الواسع، وألا تنحصر رؤيتهم برؤية التنظيم السرى، لكنه كان مدركا أن الإخوان أبعد ما يكونون عن إدراك أهمية هذا التحول، فتوقع أنهم لن ينجحوا فى حكم مصر لأنهم يسيرون عكس مجرى التاريخ، لكنه أكد على منحهم الفرصة باعتبارهم على حد قوله يمثلون اتجاها يعتقد بعض الناس أنه يحمل لهم الخلاص.


كعادة الإخوان فى البحث عن شماعات يعلقون عليها فشلهم الذى يأتى دوما جزاء وفاقا لجرائمهم فى حق انفسهم وفى حق وطنهم ودينهم، حملوا هيكل مسئولية ٣٠ يونيه واعتبروه مهندسا لما سموه الانقلاب وواضع هذا السيناريو فى إصرار على تأبيد العداوة مع رجل لايملك سوى قلمه.


لم تكن شماتة بعض الموتورين من رموز وقيادات وأعضاء الجماعة فى موت الراحل العظيم. سوى إعلان جديد عن مرض نفسى أمسك بتلابيب عقل الجماعة العجوز، التى لم تدرك بعض ما قاله الرجل «أنه لا يقنع إلا ماهو مقنع بالفعل».


خلف الرجل ثروة فكرية ومسيرة ناجحة تقترب من عمر الجماعة اكتسب فى نهايتها احترام خصومه ومحبيه، بينما تبدو الجماعة غارقة فى الخيال والإنكار تناصبه العداء برغم جلال الموت.