إصلاح الجهاز الإدارى للدولة..

24/02/2016 - 10:28:25

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم: د . محمد شتا أمين - مدير عام الإدارة المحلية الأسبق

 لعل من أهم المشاكل التى تعانى منها مصر حاليا هو فساد وترهل الجهاز الإدارى للدولة وهو مشكلة كل حاكم على مر العصور, وقد لاأكون مبالغا لو قلت إن سلبيات هذا الجهاز انتقلت بفعل عوامل كثيرة وبدرجات متفاوتة إلى القطاع الخاص، خلاصة القول أن مصر لو أرادت أن تنهض وتنفض عن ثيابها تراب التخلف عليها أن تبدأ من إصلاح الجهاز الإدارى للدولة، هذه هى المشكلة .. فما هو الحل؟


من العبث أن يتصور أحد إمكانية طرح الحل فى مقال أو حتى فى مجلة كاملة ولكن ما أود طرحه هنا هو حزمة من الإجراءات تصلح لوضع تصور شامل لمنظومة الإصلاح وقبل أن أطرحها أسجل اعتراضى على أسلوب وزارة التنمية الإدارية سابقا فى التعامل مع هذا الموضوع والتى انحصر دورها فى فكرة ميكنة الحكومة وهى فى حد ذاتها مطلوبة ومهمة ولكن من قال إن سبب تخلف وفساد الإدارة والجهاز الإدارى فى مصر هو عدم ميكنة الإدارة؟ وهل الأجهزة الحكومية التى تم ميكنة أدائها بالكامل قد انضبط أداؤها وتطور وتطهر من الفساد إلى الحد الذى يمكن أن نأخذه نموذجا يقاس عليه؟ من يعرف جهة واحدة وأكرر جهة واحدة فى مصر تصلح نموذجا يقاس عليه فليدلنى عليها، ويدل الرأى العام عليها!!!! نعود إلى الموضوع، حيث تتلخص فكرة العلاج فى ثلاثة محاور رئيسية:


المحور الاول:


اعداد هيكل تنظيمى جديد لكل جهة حكومية وتوصيف وظيفى لكل وظيفة بها يقوم بهذه المهمة فريق عمل من ثلاث جهات هى الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، أساتذة الإدارة بالجامعات، مندوبو الجهة الحكومية المعنية، ويتم إنشاء هذا الهيكل الجديد وفق إعتبارات عديدة (لا يتسع المجال هنا لشرحها) ولكن أهمها هو إعادة تحديد الهدف الذى سوف يناط بهذه الجهة تحقيقه وعلى ضوء ذلك يتم إعداد البناء التنظيمى الجديد لها، ويتم (وهذه أهم نقطة) إعطاء الأولوية فى شغل الوظائف للصالح من العاملين القدامى، هذه العملية سوف تؤدى إلى وجود وفورات كبيرة من العاملين، لابأس، لن يضار أحد، هؤلاء الوفورات سوف يحصلون على إجازة مفتوحة بكامل مستحقاتهم ويظلون فى بيوتهم حتى يعاد توجيههم إلى مهام أخرى بعد إعادة تأهيلهم للمهام الجديدة، المهم فى هذه الخطوة أننا بها قد حققنا الآتى:


١- إعادة تحديد للهدف بواقعية على ضوء مستجدات الواقع الذى نعيشه حاليا.


٢- تطوير البناء التنظيمى بما يكفل تحقيق الهدف.


٣-تخليص كل جهة من العمالة الزائدة والمعوقة فى ذات الوقت.


٤- الحصول على رصيد كبير من الموظفين بلا عمل يمكننا إعادة تأهيلهم وتوجيه الصالح منهم إلى وظائف جديدة بدون أى أعباء مالية جديدة، وهكذا نظل نستفيد منهم فى أعمال مناسبة لقدراتهم تدريجيا.


٥- تدعيم الجهاز الإدارى بالكفاءات التى تنقصه ويحتاجهاعلى ضوء البناء التنظيمى الجديد.


المحور الثانى:


وظيفة الرقابة من الوظائف الأساسية التى لا تستقيم الإدارة بدونها فهى لاتقل أهمية عن التخطيط أو التنظيم ومع ذلك فهى لأسباب عديدة (يستحيل شرحها فى هذه المساحة) وظيفة هامشية فى البناء التنظيمى الحكومى والدور المطلوب منها يختلف جذريا عن الدور الذى تقوم به الأجهزة الرقابية العديدة (التى تعمل بفكر شرطى أو مخابراتى أو فنى) لاكتشاف وضبط المخالفات والجرائم المالية والإدارية (وهذا هو دورها)، ولكى نفعل هذه الوظيفة أطرح هذا الاقتراح الصادم وهو ضرورة تعيين خبير أجنبى لكل وزارة ومحافظة وهيئة وشركة قابضة تكون مهمته الأساسية قياس الأداء الفعلى للجهة الحكومية ومقارنته بالأداء المستهدف وتحديد الفرق وأسبابه وكيفية علاجه ورفع هذا التقرير إلى الخبير الخاص بالجهة الأعلى والذى يتولى عرضه عليها ومتابعته ورفع تقرير بما تم إلى الخبير الخاص بالجهة الأكبر وهكذا حتى مستوى رئيس الوزراء، وذلك حتى يكون لديه صورة حقيقية عن أداء الجهاز الإدارى فى مصر عن طريق مستشاره الأجنبى للرقابة، لقد قلت أنه اقتراح صادم ولكننا لا نملك للأسف بديلا عنه إن أردنا تفعيل وظيفة الرقابة بمفهومها العلمى وليس المباحثى أو البوليسى, ولمن يستغرب اقتراحى هذا أحيله إلى أسلوب إعادة بناء القوات المسلحة عقب هزيمة يونيو١٩٦٧ ودور الخبراء الروس فى هذا المجال، ثم أرجو ممن يعترض أن يرجع إلى الأسباب التى من أجلها نستقدم حكما أجنبيا لمباراة فى كرة القدم بين الأهلى والزمالك .


الموضوع بالقطع ليس بهذه البساطة وهناك تفصيلات فنية كثيرة ومتنوعة وتحتاج إلى مساحات كبيرة بجانب أنها قد ترهق القارئ العادى، المهم هنا هو أن الفكرة الأساسية التى أهدف إليها فى هذا المقال تدور حول أن حجر الزاوية فى مسيرة التنمية التى يهدف إليها المصريون هو إصلاح الجهاز الادارى للدولة، وهذه الخطوة شديدة الأهمية وشديدة الخطورة أيضاً لذا يجب التعامل معها بحكمة وجرأة فى نفس الوقت.


أخيراً لا أزعم أن هذا المقترح خال من السلبيات ولكن بالدراسة والحوار يمكن تقليص تلك السلبيات إلى حد معقول يمكن عنده البدء فى التنفيذ .


كلمة أخيرة:


وأهم أو غافل من يتصور أن هناك أملا أو بارقة أمل فى الجهاز الإدارى الحالى، وواهم أو غافل من يتصور إمكانية تحقيق أى قدر من النجاح فى مسيرة التنمية دون تدخل جراحى فى الجهاز الإدارى للدولة، وواهم أو غافل من يتصور أن التطوير المنشود ممكن أن يحدث دون فصل وظيفة الرقابة الداخلية عن مكونات الهيكل التنظيمى وإسنادها إلى خبراء أجانب، وللتدليل على صحة ما أقول أذكر حدثين عايشتهما بنفسى عندما كنت أشغل وظيفة أمين عام الأمانة العامة للإدارة المحلية (بعد إلغاء وزارة الادارة المحلية) فى حكومة الدكتور الجنزورى الثانية ...الحدث الأول: ارتكب أحد الموظفين خطأ إداريا جسيما ترتب عليه أضرار كبيرة وبعد عدة أيام علمت بالواقعة وعندما استفسرت من رئيس القطاع المختص (وكيل أول وزارة) عن الإجراء الذى اتخذه معه، أجاب بأنه لم يفعل شيئا، ولما سألته عن السبب أجاب بأنه خشى أن يدعو الله عليه !والحدث الثانى كنت عضوا فى لجنة يرأسها أحد الوزراء وطلب من اللجنة أن توافق على إجراء ما مخالف للقانون والقواعد المنظمة لعمل اللجنة واعترض البعض ووافق البعض الآخر والذى كان من ضمنهم المستشار القانونى للوزارة وكان أكثرهم حماسا لإرضاء معالى الوزير.


هل عرفت الآن لماذا أصر على إسناد مهمة الرقابة الداخلية إلى خبراء أجانب ؟ ليس فى ذلك عيبا أو انتقاصا من كرامة المصريين فأكثر الدول تقدما تستعين بخبراء أجانب وهناك آلاف الخبراء المصريين الذين يعملون فى مختلف دول العالم، بجانب أننا أحيانا نستعين بحكام أجانب لإدارة مباراة بين الأهلى والزمالك ولم يقل أحد أن ذلك ينتقص من الكرامة الوطنية، وإذا أثار البعض فكرة التكلفة المالية لهؤلاء فى ظل تلك الظروف فالرد البسيط على ذلك أن تكون تكلفة الخبراء الأجانب خصما مما يدفع للجيش العرمرم من المستشارين الذين يملأون كل الوزارات والهيئات وشركات قطاع الأعمال العام..(ومعظمهم زى قلته).


المحور الثالث:


القفزة التنموية: والقفزة التنموية قد تكون جغرافية أى فى منطقة ما أو نوعية أى فى جهة ما، وما أقصده هنا هو أن نتخير قرية من كل مركز إدارى داخل كل محافظة ونوفر لكل الجهات الإدارية بها كل أسباب النجاح حتى نقدم نموذجا تنمويا متكاملا فى كافة مجالات الخدمات وندرس نتائجه من إيجابيات وسلبيات حتى يمكن مستقبلا الاستفادة بتلك النتائج عند التعميم على باقى القرى بما يؤدى إلى تعظيم الإيجابيات والحد من السلبيات وبما يساعد على ترشيد الإنفاق.


القضية جد خطيرة ولن يجدى معها العلاج التقليدى، من الضرورى أن نتعامل مع هذه المشكلة بجرأة، وفى رأيى أن قانون الخدمة المدنية (حتى لو البرلمان أقره) لن يعالج مشكلات الجهاز الإدارى علاجا جذريا، قد يحد منها إلا أن المشكلة ستظل قائمة دون استخدام مشرط الجراح والمتمثل فى إعادة الهيكلة وفى استخدام الخبراء الأجانب فى القيام بوظيفة الرقابة دون الالتفات إلى أصوات مرتعشة تحذر من حدوث إضطرابات ممن يتم إستبعادهم لأنهم لن يخسروا مليما واحدا مما كانوا يتقاضونه أثناء عملهم، أو أصوات أخرى تعترض على الاستعانة بالأجانب تحت زعم الوطنية والأمن القومى إلى آخر تلك التابوهات الزائفة، فالوطنية مصانة والأمن القومى لن يمس وأسألوا حكومات الخليج كيف بنوا أوطانهم؟ وبمن؟


دعونا نبدأ وعلى الله قصد السبيل