العــرجاء

24/02/2016 - 10:22:43

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


إن مشكلتي يا سيدي تتلخص في أنني «عرجاء» لا ذنب لها في عجزها


.. الطبيعة ظلمتني، والمجتمع المريض لم يرحمنى


أنا أُم رجل مسلوخة، كما يحلو لأطفال الجيران تسميتي.


لقد بدأت حياتي بمنتهى التفاؤل، لكن اصطدمت في عواطفي مبكراً، وعانيت من الكذب والخداع والاستغلال، سواء من صديق أو حبيب .. وفقدت تباعاً أغلى الناس في حياتي.


فقدت أمي وأبي .. وتزَوَجَت شقيقاتي .. وصرت وحيدة ويتيمة، بلا ظهر أو سند .. ومعاش والدي الذي أحصل عليه، لم يكف لاستكمال دراستي.


وكل مقابلة عمل تفشل .. وأصحاب الأعمال يحتاجون لفتاة تتحرك وتستقبل زبائن .. فتاة واجهة .. ولا يميلون لعرجاء مثلي.


وكل مشروع زواج لا يكتمل .. والأمهات لا يفضلن لأبنائهن زوجة عرجاء مثلي .. والشباب يمدحون ذكائي وأناقتي وأسلوبي، لكن في النهاية يتعاملون معي كأخت لهم.


ووجدت نفسي في النهاية أختاً لشباب مصر جميعهم.


ولن أخفي عليك أنني ممن يتقدم لهم عرسان، لكن كلهم ممن ضاقت بهم الدنيا وغضبت عليهم البنات .. وآخرهم كان «قزماً» جاءني عن طريق الجيران.


فهل يا سيدي لمجرد أني عرجاء، أستحق أن أكون مطمعا للعواجيز والأقزام ؟!


وتخيل أن صديقتي أخبرتني أن خطيبها نصحها بأن تكون عاقلة مثلي .. رغم أنه عرفها من خلالي، وكنت أمامه ولم يخترني .. فأنا في النهاية العرجاء التي سيخجل من الخروج والظهور معها.


لماذا ينبذني الناس بمنتهى القسوة على عجز لا يد لي فيه.


إن معظم الناس الذين يعيشون بيننا يا سيدي شياطين رجيمة، مهما بدا غير ذلك .. وأنا في نظرهم عرجاء لا تصلح لشيء.


أنيقة وحلوة .. لكن الحلو ميكملش .. بتعرج يا خسارة.


وخللي بالك منها يا عم، أصحاب العاهات جبابرة.


ورغم أنني لا أزال في الثامنة والعشرين من عمري، إلا أني أصبحت أشعر بأني عجوز في جسد شابة .. والتزمت البيت هرباً من الناس.


إن الناس يا سيدي كلهم عيوب، لكن عيوبهم تسترها ملابسهم .. أما عيبي أنا فمرئي، ومكشوف .. عيبي يراه الناس في مشيتي وخطوتي بوضوح.


إنني أحمل بداخلي أوجاعا لا حد لها .. وأُداريها بضحكات عالية. كي لا يشعر بها أحد .. وأصبحت أمشي في الشارع كالبائسة، أنظر لأقدام البنات وأتساءل:


ماذا فعلت ليخلقني الله هكذا ؟!


وفقدت ثقتي بنفسي .. وفقدت الأمل في الدنيا.


وأنا الآن في حالة انطواء وانزواء، وسخط على المجتمع والناس.


***


الــــــرد


إن المجتمع ليس له ذنب في كونك عرجاء .. وما أنت فيه لا يستدعي كل هذا الرثاء.


إن عذابك الحقيقي يكمن في نفسك، وفي عقدة النقص التي تلازمك بسبب عجزك.


إن اللحظة التي يتصالح فيها الإنسان مع نفسه، ويقبلها .. هي نفسها اللحظة التي يختفي معها شعوره بالنقص، ويستبدله بمشاعر الرضا وراحة البال.


والإنسان يحب الآخرين، حينما يتعلم أولا كيف يحب نفسه .. والسعادة هي حالة التناغم بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين مشاعره.


وأنت حزينة بسبب تراجع العرسان عن الزواج منك لعجز لا حيلة لك فيه .. رغم أنكِ أنتِ الأخرى رفضت عريسا بسبب شكله وقِصره، الذي لا يد له هو الآخر فيه.!


إن ما في الناس، موجود أيضا فيك.


وتستنكرين السبب وراء خلق الله لك هكذا .. وتتخيلين أن الطبيعة تآمرت ضدك، وأن مأساتك هي الوحيدة في هذه الدنيا .. وتنسين أن هناك ملايين الأطفال الصم والبكم والعميان، والمرضى بالشلل. وُلدوا هكذا، بلا سبب. !


إننا نولد في هذه الدنيا، ولا دخل لنا أو اختيار في هيئتنا .. أو صحتنا ومرضنا .. أو حتى الطريقة التي نولد بها .. والشقراء لم تبذل مجهودا لتولد بشعر أصفر .. والقبيحة لا ذنب لها في قبحها .. والعرجاء أفضل كثيرا من غيرها.


وزيارة خاطفة لمستشفى أبناء مصر لحروق الأطفال، ستجدين بنات صغيرات مُشوهات الوجه والجسد .. وفي مستشفى السرطان، ستشاهدين بعينيكِ أطفالا أبرياء يصرخون ويتعذبون، والخراطيم والمحاليل في كل شبر من أجسادهم .. فماذا فعلوا، وما ذنبهم ؟


إن من ينظر إلى مآسي البشر ويشعر بهم، تهون عليه مأساته .. وتتواضع .. وتتضاءل .. وتختفي.


وفي نفس اللحظة التي أكتب إليك فيها هذه الرسالة، هناك عشرات الآلاف من عربات الإسعاف تنقل ضحايا الحوادث والاغتصاب والقتل والزلازل والأعاصير والحرائق والمجاعات والحروب الأهلية والمجازر حول العالم.


وهناك آلاف يرتدون بدلا حمراء، وينتظرون في رعب لحظة إعدامهم .. وهناك المظلومون والمضطهدون والمشردون في مخيمات، وملاجئ، ودور أيتام ومسنين.


إننا نلعن هذه الحياة التي تموج بالأحقاد والعدوان، ونستكثر ما فيها من شرور وعذاب .. ومع هذا نتمسك بها .. ونغني ونرقص .. ونمرح ونحب .. ونتعلم ونسافر .. ونتأمل في الطبيعة رغم ما فيها من قسوة وعذاب وشرور وألم.


إن العذاب يحدث في هذا الكون لأنه جزء من تكوين الإنسان .. جزء من طبيعته .. جزء من حقيقته .. والحكمة من عذاباتنا خفية، ولا يعلمها إلا الله .. ولا سبيل أمامنا إلا الإيمان برحمة الله وعنايته، وأنه أبدا لا ينسى أحدا.


ولا مبرر ليأسك وسخطك، لمجرد أنك عرجاء .. فالإنسان في ضباب الكراهية ينسى نفسه ويعمى بصره وبصيرته عن اكتشاف ما بداخله من كنوز، وما حوله من جمال ونعم.


ومدام كوري كانت أقل منك حظا في كل شيء، لكنها مع ذلك صارت محط إعجاب وأنظار العالم بما قدمته في حياتها وبعد موتها .. وبيتهوفن صار معجزة إنسانية وسيمفونياته يسمعها البشر في كل مكان، رغم أنه هو نفسه فقد السمع.


إن التفاوت والاختلاف من سمات البشر .. والإنسان عقل وروح ووجدان ومشاعر، قبل أن يكون مجرد شكل .. وكل شخصية في الدنيا لديها استعداد فطري لتفوق وامتياز ما .. فلا تنظري لعجزك، إنما انظري لأعماق نفسك وروحك، واكتشفي موهبتك.


والجمال الخارجي مصيره إلى زوال .. والذي يبقى هو جمال النفوس والأرواح والطباع .. والإنسان قيمته ليست في شكله، إنما في نفسه، وفيما يقدمه للآخرين.


وأنا كرجل من السهل أن اقع في حب عرجاء طيبة ومبتسمة وراضية، وأتزوجها .. لكن من المستحيل أن أتزوج امرأة جميلة متسلطة ساخطة، وتكره نفسها.


فالمرأة الطيبة المبتسمة الرحيمة تشع بالمحبة، وتملأ البيت بالسعادة والتسامح والرضا .. بينما المرأة الساخطة المتسلطة مهما كان جمالها، لا تشع إلا بالشكوى والهم والنكد.


والمرأة المثالية هي التي تمنح الحب في زمن الكراهية .. وتمنح الرحمة في زمن العذاب .. وتمنح الابتسام في زمن البكاء .. وتمنح السلام في أوقات الحرب.


والرجل الذكي لا يحتاج لقدم امرأة، بقدر ما يحتاج لعقلها وقلبها وروحها .. والرجل الساذج هو الذي يتزوج امرأة فقط لشكلها.


والاستسلام لحالة الانطواء في البيت هي مشكلة في حد ذاتها .. وعجزك لا يبرر كسلك .. ولكن ينبغي أن يكون دافعا للعمل والكفاح، خصوصا أنك في مرحلة الشباب والحيوية والإنجاز.


ومن العمل والاندماج في المجتمع سيأتي النجاح .. وسيأتي العرسان .. ولو أحبك رجل بصدق لن يرى عيوبك ولن يفرق معه عجزك، وسيتزوجك في الحال .. وأنا بالطبع سأكون أول المعازيم.


إن مشكلتك بسيطة جدا، وليست بكل هذا البؤس.


إن مشكلتك في نفسك، وليست في كونك عرجاء.


ahmedseada9@yahoo.com