بناء الوعي لاستعادة «الإنسان» والثورة

21/02/2016 - 9:32:03

رئيس التحرير سعد القرش رئيس التحرير سعد القرش

سعد القرش

    في ديباجة الدستور المصري (2014)، وتحت عنوان «هذا دستورنا»: «ثورة 25 يناير ـ 30 يونيه، فريدة بين الثورات في تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التي قدرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيديولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة...». هي إذن ثورة واحدة، انطلقت في 25 يناير، وتمتلك رصيدا من القدرة الذاتية يمكنها من استعادة مسارها، في 22 نوفمبر 2012 بعد الإعلان غير الدستوري، وفي 30 يونيو 2013. وستواصل تصحيح أخطائها، إلى أن يتحقق هدفها الأول، التغيير.


    تكفي الحرية لضمان تحقيق الأهداف الأخرى، التفصيلية. أستعيد هتاف يوم 25 يناير، ذلك الشعار الذي لم يبدأ بكلمة «عيش»، ولا تضمنها، ليتأكد لي أنها ثورة أحرار، لا تمرد جياع. 25 يناير لحظة نادرة آمن بها المشتاقون إلى الحرية، تدفقوا في الشوارع والميادين، فرادى تجمعهم أهداف نبيلة، ولم يأبهوا لمئات الألوف من عسكر وزير الداخلية الحديدي حبيب العادلي. شعار يوم 25 يناير الدقيق: «تغيير ـ حرية ـ عدالة اجتماعية»، أثق في أذنيّ، وحين يزداد الإلحاح بالشعار المعدل الأكثر شهرة، أعود إلى الفيلم القصير «نافذة ع التحرير»، بضع دقائق وثق بها مخرجه عمرو بيومي الشعار الصاعد يوم الثلاثاء 25 يناير: «تغيير. حرية. عدالة اجتماعية».


    سأراهن على مؤشر واحد يثبت تقدم الثورة في اتجاه صحيح، رغم تباطؤ وتواطؤ وإحباطات. فوز مواطنين مسيحيين في الانتخابات البرلمانية، اعتمادا على جهد خاص، بعيدا عن المال السياسي، والحشد الطائفي اليميني الديني المضاد للمواطنة، هو دلالة على يقظة الوعي الوطني. المرشح الفردي المسيحي فاز بأصوات مسلمين، تغيير نوعي بعد أربعين عاما من انحياز السلطة إلى اليمين الديني، وقد أسفر أنور السادات عن هذا النفاق الرسمي بإعلانه: «أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة». استعادت ثورة 25 يناير 2011 يقظة واكبت ثورة 1919، بمكاسبها المتمثلة في دستور 1923 وفوز مسيحيين في دوائر ذات أغلبية تصويتية من المسلمين. ففي عام 1924 فاز 15 مسيحيا في مجلس النواب من الجولة الأولى، كما فاز 17 مسيحيا في انتخابات مجلس الشيوخ بالبرلمان نفسه. وفي العام التالي ـ إذ جرت انتخابات بعد استقالة حكومة سعد زغلول بسبب اغتيال سردار الجيش المصري في السودان ـ نجح 14 مسيحيا من الجولة الأولى، وألغى الملك نتائج الانتخابات لكي يفوت فرصة تشكيل الحكومة على حزب الأغلبية «الوفد»، وأجريت انتخابات عام 1926 وفاز فيها 16 مسيحيا يمثلون 7.5 بالمئة من أعضاء المجلس. (لا مجال هنا للتوقف أمام الرفض الملكي المتكرر لنتائج كثير من الانتخابات، وردود أفعال سعد زغلول ومصطفى النحاس بأداء سياسي وطني مسؤول يتجنب اللجوء إلى إصدار أوامر للشعب ـ الذي منح حزب الأغلبية ثقته ـ بالاعتصام المسلح في الميادين، ومواجهة تعنت الملك بإعلان الحرب، وسفك الدماء دفاعا عن «الشرعية»).


    الوعي بقيمة الحرية وقدسية المواطنة هو الرهان على أن الثورة ستنجح، بعد انتكاسات جرت وفقا لقواعد «ديمقراطية». فشلت ثورة سبارتاكوس في إيطاليا، لأن الثوار افتقدوا خيال ما بعد إسقاط رمز النظام، بعبارة سلامة موسى «لم يكونوا قد دربوا على الحرية». ويبدو أن 25 يناير كانت لحظة براءة استمرت ـ البراءة لا الثورة ـ أكثر مما يجب، ولكن الثورة تفرز وتنتقي وتستبعد من يحاول استثمارها؛ فالمعاني والقيم الإنسانية تستعصي على محاولات الترويض والتربح بكل أشكاله. باسم البراءة وبإجراء ديمقراطي جرى الاختطاف الأول للثورة، ولم يستمر اليمين الديني طويلا، وبالإجراءات نفسها يجري حاليا اختطاف ثان بإلحاح أعداء الثورة، ممن كانوا سببا في اندلاعها وربما يكونون سبب انفجار قادم يتمتع بفائض من الوعي والخبرة؛ فلا تنفع البراءة.


    يحق للطالب الراسب «إعادة السنة»، وهي مصطلح مصري يعطي لمن يخفق في تحقيق النجاح فرصا أخرى. ويبدو أن الشعب الذي نجح في خلع حسني مبارك ستكفيه نوبتان من الفشل، بحسن نية وتضليل متعمد ينطلق من دوافع دينية أو وطنية. كان ميدان التحرير في الأيام الأولى للثورة يتمتع ببراءة لا تكفي إلا للهدم، وحين تأكد أن مبارك قد انتهى أصبح الميدان فرقا يبحث كل منها عن أكبر قدر من الثمرة، أو الاستئثار بها كاملة، وجاءت الانتخابات البرلمانية 2011 و2015 أكثر شبها بالطامعين في الثمرة.


    كان البرلمان الأول تمثيلا لحشد يميني يبشر بدولة الخلافة، وجسد الثاني تحالف الثروة والقبضة البوليسية للتواطؤ على الثورة، وستكون «الثالثة ثابتة» مادامت أسبابها قائمة، أما الشرط التاريخي للثورة، أو لموجة جديدة، فلا يبدو الآن مواتيا، ويمكن بالطبع استباقه بإجراءات تستجيب لأشواق الحالمين بترجمة أهداف الثورة، كما جرى في بلدان عربية، عقب موت طغاة مزمنين، وبدء إجراءات ديمقراطية شملت مصالحات مع ضحايا الاستبداد، بدأ بتعويضهم نفسيا.


    الأمر في بلادنا أشد تعقيدا، بعد أكثر من 23 قرنا من التجريف الشامل للشخصية المصرية، منذ احتلال الإسكندر عام 322 قبل الميلاد. محو الشخصية الوطنية هدف وحيد اتفق عليه كل من تناوبوا على غزو مصر، عبر  احتلال متصل، لم ينته إلا بقيام ثورة 23 يوليو 1952. حرم المصري من حقه في حمل السلاح، حتى يحلو لمستشرقين محليين أن يتندروا على اختيار النخبة لمحمد علي واليا على مصر، في سخرية استشراقية غير لائقة تتجاهل السياق التاريخي لبلد تحت وطأة احتلال عثماني، وكان البديل الدامي لمحمد علي هو أحمد باشا الذي حمل لقب «الجزار».


    كان الوعي نادرا بما تعنيه كلمة «مصر» منذ توارثتها الإمبراطوريات حتى آلت لما يسمى بالخلافة، وفي إحدى جولاتها، في عصر المأمون، سيق المصريون الثائرون على الظلم أسرى، ولم تتوقف الثورات من أجل استعادة البلاد الواقعة تحت وطأة الخلافة، ثم جاء عبد الرحمن الجبرتي ليعيد إلى الدولة اسمها الوطني «البلاد المصرية»، «الديار المصرية». كانت مصر جاهزة ومؤهلة لاستقلال نسبي سعى إليه محمد علي.


    كان محمد علي قائد جيش عثماني، بعد قرون حرم فيها على المصريين حمل السلاح، وقدموا من الشهداء ما يشرف أي أمة، وكانت حياتهم ثورة متصلة قبل عصر الشهداء وبعده. وقام ابنه سعيد في خمسينيات القرن التاسع عشر بخطوات حضارية منها إلغاء الجزية، والسماح لأبناء الأعيان من الفلاحين بالترقي في الجيش، ومنهم خرج أحمد عرابي ورفاقه، قادوا أول ثورة دستورية في مصر والعالم العربي، وأصروا على نظام برلماني، وفشلت الثورة لسبب أقوى من الخيانة؛ فغياب الوعي دفع الناس للتخلي عن عرابي، بعد فتوى السلطان، وأصبح «الكافر ابن الكافر، الباغي وأتباعه من المفسدين»، كما نص بيان العصيان.


    لا تحتمل 25 يناير انتكاسات أخرى، ولن يفاجأ الحالمون في نهاية الطريق بانسداد الأفق. لا يفتح هذا الأفق إلا وعي لا يسمح أصلا بالوصول إلى مرحلة «عصر الليمون».