فنون المقاومة .. من شكاوى المصرى الفصيح إلى 25 يناير

21/02/2016 - 9:30:56

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

صموئيل لبيب سيحة - كاتب مصرى

ما أشبه الليلة بالبارحة ، إن تاريخ مصر منذ عهد الفراعنة الأوائل، كان حافلاً بالثورة والمقاومة والاحتجاج والتمرد .. مند عام 3400 قبل الميلاد إلى 2400قبل الميلاد نحو ما يقرب من ألف عام وحافل بالحق والصدق والمساواة، لكن ما لبث أن بدأ الفساد يسرى فى جسم الدولة عندما تنحى حكامها فى أخريات عهد الدولة القديمة..


عن (العدالة الاجتماعية)، وأصبح ذلك نذيراً بانحلالها وسقوطها .. مما أفسح المجال أمام فقراء الشعب والمضطهدين للقيام بثورة .. عارمة للمطالبة بالعدالة ورفع الغبن عنهم، وساد بالتالى حكم الإقطاع الذى ظلم الفلاح والعامل والطبقة الكادحة، وتمثل ذلك فى (قصة الفلاح الفصيح)، كما دونها حكيم مصرى على بردته يرجع تاريخها إلى اثنين وأربعين قرنا من الزمان، وهى الآن مودعة فى متحف برلين بألمانيا ، وهى وثيقة تاريخية على جانب كبير من الأهمية كشف النقاب عنها المؤرخ القدير (سليم حسن) صاحب أكبر موسوعة تاريخية هى (مصر القديمة) وأشار إليها والتعليق عليها فى مجلة .. الكاتب المصرى ، المجلد الخامس والذى صدر عن الهيئة العامة للكتاب 1969 .


الإنصاف يقتضينا إذن، أن نعرض لهذه البردية لأنها تعد فى تقديرى ومن وجهة النظر التاريخية إحدى الإرهاصات القوية لثورات مصر عبر التاريخ والتى يتعين علينا قراءتها قراءة متأنية، وهى شكوى ذلك (الفلاح الفصيح) إلى الملك (الفرعون) بشأن ما قام به نائبه ومدير البيت العظيم من اضطهاد شائن وظلم فادح!! والذى كان يئن الفلاح تحت وطأته وغيره من الطبقات الدنيا من الشعب وصارت بالتالى عقبة كؤد، وصارت منذ ذلك التاريخ من أعقد الأمور فى بلادنا وفى الشرق أيضا ، إلى الحد الذى جعل المستعمرين الأجانب يتعاملون بها معنا إبان العصور الحديثة فيما بعد داخل مصر، والشرق أيضا وتجسدت فى الاستعمار والاضهاد والاغتصاب ونهب الثروات !!


واللافت للنظر فى شكوى ذلك الفلاح أنه طالب الملك (فرعون) بتحقيق العدالة قائلاً (... انطق بالعدل، وأقم العدل، لأنه خطير وعظيم ، ويعيش طويلاً، والثقة به قد عرفت ، فهو يؤدى.. إلى العمر الطويل المحترم، هل الميزان يحيد؟!! فإذا كان الأمر كذلك فإن ذلك يكون بسبب كفتيه اللتين تحملان ما يوزن، ولا يجوز وجود الظلم مع القانون.


ذلك القانون الذى رسمته يد الله العليا !! ولا مفر إذن أمام الملك (فرعون مصر) إلا أن يأمر مدير البيت العظيم بالفصل فى قضية ذلك الفلاح الذى طالب بالإنصاف والعدل .. وسمع لشكواه الملك وأعجب به وأنصفه وأسرته، فى حين أوقع العقاب الصارم على من تسبب فى ظلم ذلك الفلاح وأسرته أيضا .. ويستشف من هذه الوثيقة أنها تعد تصويراً حياً ناطقا يميط اللثام عن أزمة النخبة وحاشية الحاكم، أولئك المنافقون المتملقون الذين يصورون الحقائق مقلوبة، ويعرضونها بما يتوافق وأهواؤهم .. ومصالحهم، ويتمخض عن ذلك نشوب الثورة فى نهاية المطاف..


وفى إطار الفكرة ذاتها، والدوافع الحقيقية لنشوب الثورات يقول د.طه حسين،: “.. إن ثورة الأدب تمهد الطريق لثورة السياسة وتهيئ قلوب الشعب والشباب والنفوس والعقول فى آن واحد .. وهى تبغض إليهم نظاماً قائما، وتحبب لهم نظما مقبلة تحقق لهم من ثناياها آمالاً كباراً تمتد إليها عقولهم وتقصر عنها أيديهم ..


لاجدال إذن أن ثمة علاقة بين الأدب والثورة بما يتوافق مع الحقيقة وتعد بالتالى تفسيراً لما بين الأدب والسياسة من تضامن وتعاون .. وفعالية بمعنى أن (الأدب يثور قبل أن تثور السياسة) ومن ثم أن ثورة الأدب تمهد الطريق أمام ثورة السياسة من حيث تهيئة القلوب والنفوس والعقول لدى الثوار، كما سبق الإشارة .. ومن ثم إذن ثورتان أولاهما (ثورة العقل) التى يصورها (الأدب) والثانية (ثورة السياسة) والتى تستند إلى (القوة) وتقوم بتغيير النظام وتقيم مكانه نظاماً آخر، ولعل هناك أيضا نوعين من الأدب أحدهما سابق للثورة ويكون دافعا إليها والآخر أدب يأتى .. بعد نشوب الثورة ويصورها فى بادئ الأمر كما يصور بالتالى آثارها التى تتركها فى حياة الناس وتحبب لهم تلك الآثار، وتكون دافعاً قوياً لهم إلى الأمام فى سبيل الرقى والتجديد والإصلاح وإقامة العدل والمساواة والتغيير والانطلاقة إلى الأمام، وتشييد صروح الآمال .. ويؤكد (د. طه حسين) فى ثقة تامة وإيمان عميق، أن الثورة ستحقق .. تلك الآمال للأجيال المقبلة بما تحمله فى طياتها من قوة النفوس والحياة الحرة الكريمة، وتحقيق العدالة الإجتماعية والأمن والحرية، كما جاء فى مجلة الهلال ، يناير 2015 .. ولعل هذا كله  انطبق تمام التطابق على ثورة 23 يوليو التى أبدى العميد حفاوته بها وكان أحد كتابها وسبق الإشارة إلى ذلك فى الهلال أكتوبر 2015..


عود على بدء ، وفى إطار ما ذكر عن الثورات فى العصور الغابرة وتجسد ذلك فى قصة الفلاح الفصيح وما ذكره (د. طه حسين) عن أسباب الثورة وأنواعها ، نلحظ أن إرهاصات (ثورة 25 يناير) التى فوجئ بها العالم أجمع قد اختمرت فى أذهان الشعب وهم أصحاب المصلحة العليا ومن هنا كان السعى حثيثاً نحو إحداث التغيير الحقيقى .. على أرض الواقع، وفيما يخص الشباب والمرأة وطبقات الشعب الكادحة .. ومن ثنايا تغيير الفكر السياسى بشتى روافده، وكذلك مناهج الحكم والإدارة والاقتصاد والتعليم والإعلام.. إلخ، بمعنى أن تتحول الكلمات إلى آفاق وخطوات حقيقية، لأنه كان تهميش الشباب والمرأة سياسياً واقتصادياً .. واجتماعياً هو الدافع إلى الثورة لاستعادة حقوقهم الغائبة ..


كان لا مناص من أن تكون ثورة مثالية ، لذلك بذل الشباب جهد الطاقة لكى تكون كذلك حيث أنبنت على ركائز علمية قوامها الثورة المعرفية التى تستند أساساً على شبكة المعلومات (الإنترنت والفيس بوك...) أى شبكة التواصل الاجتماعى.. ويبدو أن السلطة والنظام الحاكم كانا على بينة من ذلك، وكان يبدو لهما حدثا مستهجنا صعب المنال.


أما فى نظر الشباب كان يعد زخماً فى تاريخ مصر المعاصر الثقافى والسياسى وغير بعيد، لأنه حاضر وطاغ فى سجل كل من ينادى بالديمقراطية .. والثورة على الظلم والفساد والدكتاتورية ، وغياب العدالة الاجتماعية . ناهيك عن السخرية بالشباب والمرأة، ونظام الحكم الذى شابه الظلم والقهر، وافتقد شرعيته طوال ثلاثين عاماً عجاف يرفض التغيير والإصلاح ، إضافة إلى نهب ثروات مصر، والتربح غير المشروع من جانب وزراء وحكومات مستبدة فاسدة وظالمة، طوال تلك العقود وباتت قوى المجتمع المدنى والمثقفين وأحزاب المعارضة ، عاجزة عن التصدى لذلك الفساد الذى استشرى وضرب بأطنابه فى النخبة .. ولذلك كان لابد من قيام الثورة وأصبحت ضرورة ملحة لكى تخرج البلاد من تلك المحنة الأليمة التى عاناها الشعب المصرى طويلاً، وكانت أشبه (بتراجيديا) مرثية حزينة ، يتعين على كل فرد إزالة آثارها باقتلاع جذور النظام والذى انتهى بتنازل الرئيس (مبارك) وتنحيه وأسند إلى المجلس العسكرى مهمة إدارة البلاد يوم 11 فبراير 2011 !!


نجحت الثورة فى 25 يناير فى إسقاط حكم مبارك وأخذت على عاتقها التوجه صوب صياغة مجتمع مصرى جديد يواكب الثورة الكونية ومن ثنايا مطالبها وأهدافها ، لكن يبدو أنها لم توفق فى تحقيق تلك الآمال والطموحات، حيث بدأت الثورة المضادة تطل برأسها ، ولعل ذلك راجع إلى أن 25 يناير كانت بدون زعيم ورائد، وإن نحن  أنحينا باللائمة على شباب الثورة، فإن الإنصاف يقتضينا أن نلوم أنفسنا على التقصير فى إعداد الزاد الملائم لهم، وليس لديهم الخبرة بالثقافة السياسية ولم يسبق لهم أيضا المعرفة بالسلطة، ونظم الحكم وإشكالياته ناهيك عن (إهمال التاريخ) ، وافتقاد الحوار الذى كان (حوار الطرشان) ، إضافة إلى المخاطر الجسيمة التى واجهتها الثورة والتى اندرجت آنذاك تحت مسمى (أزمة النخبة) التى كان من المفترض أن تكون للثورة قاطرة النهضة بلا منازع من حيث حشد الطاقات، وتعبئة الموارد، والمبادرة فى طرح الأفكار الخلاقة والإبداعية لمواجهة الإشكاليات المزمنة، دون جدوى وهكذا أصبحت الثورة فى مأزق بعد سقوط نظام (مبارك) مباشرة وتوالت الأحداث الجسام حيث حدث انفلات أمنى لم نشهد له  مثيلاً.


دخلت مصر تحت حكم الإخوان المسلمين وكأن حلم الخلافة الذى كان يراودهم قد حان، وأن الوعد الإلهى سوف يتحقق ، وأن حكم الإسلاميين سوف يستمر لعقود طويلة من الزمان، ويبدو أن الصورة  التى تبلورت أوحت لهم بأنهم قد انتصروا بعد اختطافهم لثورة 25 يناير ، لكن الحقيقة أنها كانت مجرد أضغاث أحلام ذهبت أدراج الرياح، وفشلت أخونة الدولة .. وفشل بالتالى خطاب الإخوان فى استقطاب ملايين المصريين لأنه ما أسهل على المرء أن يتمنى ويأمل، لكن الحقيقة أن الأمانى والآمال كثيرا ما تكون عسيرة التحقيق، وقد يندفع المرء وراءها فلا يدرك ما يبغى، ذلك ما انطبق تماما على الرئيس (محمد مرسى) الذى حكم مصر بعد عزل (حسنى مبارك) حيث تجاهل - مرسى - التاريخ المصرى تماما، وكرس بالتالى وقته وجهده لجماعة الإخوان المسلمين، وفى نهاية الأمر، تمرد الشعب المصرى عليه بعد أن هيمن الإخوان على كل مفاصل الدولة، وصار الصراع الاجتماعى يتصاعد ضد سلطة الإخوان والرئيس، وزحفت ملايين الشعب المصرى فى قوة وعنفوان وإصرار على إسقاط الحكم لأن حاجز الخوف لدى المصريين قد انتهى إلى غير رجعة، وأصبح الشعب أشد يقظة ورقابة ضد الحاكم رغم الوعد والوعيد .. والإغراء والتهديد، فالشعب المصرى دوما قوى الشكيمة، صلب العود، لا يبالى برجاء أو تخويف، ومن ثم نشبت ثورة الملايين بطول البلاد وعرضها يوم 30 يونيو وأسقطت نظام حكم لم يدم سوى عام واحد فقط، تلك الثورة التى خرجت من رحم ثورة 25 يناير والتى نحتفل بذكراها الآن.