تفعيل التفعيل

21/02/2016 - 9:29:08

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

فؤاد حجازي - كاتب مصري

القانون في كل الدنيا، يصدر لينفذ، وفي مصر يصدر لينام.


    وحين يحدث ما يستدعي تنفيذ القانون، نطالب بتفعيله. وبعد خفوت ما استدعى التفعيل، يغط القانون وتفعيله في سبات عميق، إلى أن يحدث ما يستدعى تفعيل التفعيل، وبعد إجراءات للتسكين، واحتواء ما جد بتفعيل تفعيل التفعيل.. يعود القانون وتفعيلاته إلى النوم العميق.. وهكذا في دورة تفعيلات لا نهائية، لا شك أن العالم يحسدنا عليها.


وبالأمس القريب أصدرنا دستورا تغنينا بمواده، وباهينا العالم به، وسرعان ما نامت مواده، فلم تُمنع الأحزاب القائمة على أساس ديني، ولم يزد الإنفاق على التعليم والصحة، ولم تصدر أية قوانين مكملة للدستور. ويبدو أن بعضهم خشى أن يصحو الدستور فجأة، ويباغتهم، فطالبوا بتعديله، متناسين التغني والمباهاة، ومتجاهلين، سواء عدلناه أم لا.. فسوف يغط مع التعديل في النوم كالعادة.


وإذا كان لكل قاعدة استثناء، فعندنا قانونان مستثنيان.


   أحدهما مفعل رغم إرادتنا، ورغم المطالبة بإلغائه، أو حتى نومه. وهذا القانون الشجاع يسمى "الهمايوني" أي الرسمي. أصدره العثمانيون أثناء احتلالهم مصر، من عدة قرون، ويمنع إقامة أي دار عبادة مسيحية، حتى لو كانت حجرة، أو زاوية، في قرية معزولة، يذهب إليها كاهن مرة في الأسبوع لإقامة بعض الشعائر الدينية. وينص هذا "الهمايوني" على ضرورة موافقة رئيس البلاد والعباد.


وهذا القانون مفعل ذاتيا، دون تفعيل من أحد، ومتحديا رغبة ملحة من المواطنين المسلمين، قبل المواطنين المسيحيين، في إزالة هذا العار.


يحدث جدل بشأنه بين حين وآخر، ويستمع أولو الأمر، ويعدون.. ويظل القانون يخرج لسانه للجميع.


   والاستثناء الثاني قانون التنظيم، لم يفتح الله على أحد بكلمة لتفعيله، أو للإشارة إليه، مع أنه سبب كثير من كوارثنا الحالية والمستقبلية.


ومن هذه الكوارث:


   - سقوط البيوت القديمة.. لأن قرارات الهدم والإزالة لا تنفذ، ولا نتذكرها إلا عند سقوط العقارات.. وبعد امتصاص الغضب لا يشير أحد من قريب أو بعيد بضرورة تنفيذ القانون.


  - طفح المجاري، وعدم وصول المياه من الدور الثالث وأنت طالع.. والسبب إقامة أبراج سكنية، محل بيوت من دورين وثلاثة، مما يسبب ضغطا على شبكة مياه وصرف غير مؤهلة لذلك، وتقام الأبراج في شوارع لا تتعدى سعتها من ستة أمتار إلى ثمانية بالمخالفة للقانون، ومما يتسبب في إشغال الطريق بعربات أصحاب الفخامة ساكني الأبراج.


  - سد بالوعات تصريف المطر، وعدم إقامة بالوعات في الشوارع الجديدة.. ولن أفيض في كارثة الأمطار الأخيرة (أكتوبر 2015) على الإسكندرية والبحيرة.


   وبدلا من تنفيذ قانون قائم، ولا أقول تفعيله، نتحدث عن حاجتنا لقانون جديد (لينام).. ونسرف في الحديث عن الفساد.


        يا سادة.. لا داعي للتحدث في المطلق.. فالحديث عن الفساد لن يؤدي إلى شيء، ولكن حدثونا عن المفسدين.. ضعوا أيدينا عليهم لمحاسبتهم..


ففي كارثة مطر الإسكندرية التي أدت لقتل العديد من المواطنين وسقوط العقارات فوق الرؤوس.. توجه الاتهام إلى خبراء أمريكيين حولوا مجاري صرف مياه الصرف الصحي ومياه الأمطار مما أغرق المدينة.


ولم نسأل أنفسنا من هم هؤلاء الخبراء الأمريكيون، ومن سمح لهم بالعمل، ومن وافق على ما فعلوه؟ الحديث عن فساد لن يجدي.. ومن قام بهذا العمل ليسوا أشباحا. حددوا أسماءهم.. وقدموهم للمحاكمة.


وبعضهم يلقى باللائمة على عهدي السادات ومبارك.. والفساد الذي استشرى. من هم المسئولون في العهدين لنحاسبهم على تقصيرهم، ولنعرف كيف تم التقصير. هل أسماؤهم سر حربي؟


ألا نستطيع الاستدلال على أسمائهم، لأن المحليات قامت بإتلاف السجلات الخاصة بها؟! لم يحدث شيء من ذلك.


إذا كان السادات ومبارك مسؤولين عما حدث في عصرهما، فهي مسؤولية سياسية، أما المسؤولون الذين أدوا إلى تفاقم الوضع فيجب محاسبتهم جنائيا.


   وماذا نقول وقد مضى على عهد مبارك الذي أفسد في الأرض أربع سنوات كاملة؟ لماذا لم يتم فيها تدارك ولو جزئي، لبعض الأضرار. من المسئول عن ذلك؟!


   لقد ضخت الحكومة مليار جنيه لإصلاح الوضع في الإسكندرية والبحيرة، وماذا لو عادت ريمة لعادتها القديمة. قبل ضخ المال، نحاسب المقصر أولا، حتى لا يعود الإهمال بعد الإصلاح بفترة وجيزة.


ضخت الحكومة المال.. وماذا عن بقية مدن الجمهورية؟ هل ننتظر حدوث كوارث من النوع نفسه حتى نضخ مالا إليها!!


والآن أطالب مجلس النواب الجديد أن ينص كل قانون يصدره، على مادة لتفعيله كل عدة أشهر، دون طلب من أحد. وأن يبدأ دورته بتفعيل قانون المرور الأخير، الذي صدر لتفعيل قانون المرور القديم (رقم 66 لسنة 1973) ، حيث نشطت الشرطة في مراقبة حزام جلدي للسائق ومن يجاوره، وبعدها تغاضت عن الراكب، وبعدها تغاضت عن السائق أيضا. وأذكر المجلس الموقر بالزيطة التي قامت أيامها بخصوص حقيبة الإسعاف المقترحة في كل عربة، وتبارت عدة شركات في تقديم نماذج مختلفة. والآن يا سادة.. من يدلني على حقيبة إسعاف في سيارة واحدة، وله الأجر والثواب عند الله.


وبعد كارثة أتوبيسات أطفال المدارس، تذكر بعضهم – مشكورا - ضرورة الكشف على السائقين لمنع تعاطي المخدرات.. أما وقد هدأت الضجة.. وقرئت الفاتحة عدة مرات على روح الأطفال البائسين، فقد بدا الخجل على المسئولين من الكشف على السائقين.


لذلك فمادة التفعيل الذاتي لأي قانون ضرورة يحتمها واقعنا المصري.. حتى وإن كانت ستنام كالعادة، ولكن – على الأقل - لنبدو متفائلين.