شهادة على تحولات مصر .. من قبلة المتعطشين للحداثة إلى « قبض الريح »

21/02/2016 - 9:26:21

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

شوقي جلال - كاتب مصري

    البداية مع عام 1931. مصر في وعي جيلي إرادة وعزم صادقان على النهوض والتحرر من الاستعمار. العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر والفساد. التحديث الاجتماعي واللحاق بالحداثة الأوروبية فنا وأدبا وعلما وإنجازات مادية. ومصر قوة إنتاجية واعدة. يحفزها حلم مؤسس على تاريخ وواقع ملموس ورؤى للمستقبل. تاريخ الحضارة المصرية العريقة، وواقع حضاري أسهم في تأسيسه نضال أجيال ثلاثة قبل جيلي، بدأ مع محاولة التحديث في عهد محمد علي. ومن هنا مصر ثقافة جديدة. مصر الوطن والمواطنة تستوعب الموروث بعقل نقدي. ثقافة الوعي بالذاتية التاريخية بعد جهود متوالية من الغزاة على مدى أكثر من ألفي عام لطمس هذه الذاتية والانسلاخ عنها. كان محمد علي مناسبة لا سببا.. استعادت اسمها وتاريخها على يد الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي، واستعادت ذاتيتها الوطنية على أيدي فلاحي مصر العسكريين: أحمد عرابي ورفاقه.


    تربيت وتربى جيلي على قيم الحرية والتحرير والتغيير. ثقافة التسامح مع المذاهب الفكرية والعقائد الدينية. كتب من كتب "لماذا أنا ملحد؟" مثل إسماعيل أدهم، أو "لماذا أنا مسلم؟" مثل عبد المتعال الصعيدي. وانتقدهما من انتقد دون أن يفسد النقد للود قضية. وكانت مصر قبلة المتعطشين للحداثة من المثقفين العرب. ولم يكن الجوار ناهضا ولا مناهضا أو مزاحما، إنما مصر هي الكلمة وهي الفعل.


    وشهدت مصر التي عشتها وملأت علي وجداني وعقلي الكثيرين من أعلام الفكر والأدب والفن والرياضة. كانوا النجوم الهادية، مثل مشرفة الذي ذاع عنه باعتزاز مصري أنه نظير أينشتاين، والشيخ عبد الرازق، والشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وطه حسين، وسلامة موسى، ومحمود مختار النحات العظيم، ورؤوف صروف، وشبلي شميل، وجرجي زيدان، وروزاليوسف، وهدى شعراوي، وسيد درويش، وداود حسني، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم. ولمعت أسماء أبطال رياضيين دوليين في السباحة وكرة القدم والشيش. هؤلاء وغيرهم نجوم سواطع تهدينا الطريق، وتدعونا إلى الاقتداء بهم باسم مصر ومن أجل مصر.


    وتعلمت في مدرسة ثانوية خيرية، أي للفقراء، ولكن استمعت فيها للمرة الأولى إلى فاجنر معزوفا على شاشة مسرح المدرسة. وتربيت، كما تربى أقراني، على كتب مثل "تاريخ الأديان في العالم" دون حساسية أو انحياز، ومجلات ثقافية مثل: مجلتي، الرسالة، الثقافة، الكتاب، الكاتب، والمقتطف والفصول. ولن أنسى مجلة تنويرية أسبوعية ضاحكة ساخرة هي "البعكوكة" واسعة الانتشار، ومن شخصياتها الأسبوعية الناقدة الشيخ بعجر الذي نقرأ على لسانه نقدا ساخرا للمتنطعين باسم الدين.


    وشهدت مصر الغنية بالمتاحف العلمية نهضة مواكبة من المدارس الفكرية والعلمية. جاءت نشأة جامعة القاهرة بعضا من الجهد النضالي والتحدي ضد الاستعمار. وضمت الجامعة أسماء أعلام أسهموا بجهد متميز وتاريخي: شفيق غربال، وإبراهيم حسن، وأحمد فوزي في التاريخ. طه حسين، وأحمد أمين في الآداب والتراث. يوسف مراد مؤسس مدرسة علم النفس التكاملي، ومصطفي زيور مؤسس مدرسة علم النفس التحليلي، وعبد العزيز القوصي في علم النفس التربوي، وغيرهم في العلوم والفنون والآداب.


    ونشطت في مصر حركة الترجمة العلمية المرتبطة بالهدف القوي: استيعاب علوم وفكر العصر، وتوظيف ذلك في بناء مصر الجديدة. وإذا كانت جهود الترجمة في العصر الحديث بدأت على يدي رفاعة الطهطاوي ومدرسة الألسن، فحري أن أذكر بقدر كبير من الفخار لجنة التأليف والترجمة والنشر التي ترأسها أحمد أمين، وقدمت إنجازات بالغة الأهمية بمقاييس العصر، وكانت نموذجا احتذته مجتمعات عربية أخرى. وكم شعرت بالزهو عند زيارتي للجنة التأليف والترجمة والنشر في الرباط بالمغرب، وقال لي رئيسها إننا هنا نقتدي بمصر.


    تحدد طموحي، مثل أقراني وأبناء جيلي في النضال من أجل مصر الحرة الواعية في اعتزاز بتاريخها، الجادة في سعيها لبناء مجدها الحضاري العصري، اعتمادا على سواعد وعقول أبنائها والعمل على إنتاج وجودها الحديث المادي والفكري إبداعا ذاتيا، وانتماء، واقتداء بالعالم المتقدم. وكان طموحي أن أكون مثل من أشربت نفسي بعلمهم وثقافتهم وقيمهم، وأن أسهم إيجابيا في بناء مصر الحديثة، المستقلة، المنتجة.


   سعيت على الرغم من تعدد السبل إلى أن أكون إيجابيا في جهدي، بمداومة الفكر والتفكير دون قيود غير العقل الناقد، والاطلاع على كل جديد في غير انحياز أو عقد، وأن أتابع فكر ومجهود الساعين إلى ذلك من خلال التنظيمات والأحزاب.


    واستطعت الانتصار على قيود ومحاذير الفقر بالاعتماد على النفس. ولكن العقبة الأخطر هي سنوات الاعتقال السياسي المتقطعة على فترات دون محاكمة، وبلغ مجموعها اثنتي عشرة سنة بدأت عام 1948 حتى نهاية 1965. وحاولت أن أنتصر على قسوة وآلام التعذيب في السجون والمعتقلات، من السجن الحربي إلى ليمان أبي زعبل حيث كنا نعيش حفاة الأقدام تحت وطأة السياط اللاهبة، وتكسير الزلط والسباب والشتائم. ولم أتخل عن طموحي وجهدي من أجل مصر. مصر العقل الجديد.


    وبدأت الكتابة أول الأمر في سلسلة "كتابي" التي يصدرها حلمي مراد. وأول موضوع كتبته بعنوان "مذكرات الولد الشقي" وهو تلخيص لمذكرات تشارلز داروين ولكن لم أره بسبب الاعتقال. ورأيت أن أتجنب قيود المنع والحظر، أن أتكلم بلسان غيري مع إضافة رأيي في مقدمة وهوامش. ومن هنا اتخذت من الترجمة وسيلتي لكي أبدأ مشروعي "تغيير العقل المصري / العربي". وصدر لي عن دار النديم كتابان هما "السفر بين الكواكب"، أول كتاب علمي مترجم عن علوم الفضاء والذي صدر بمناسبة إطلاق الكلبة لايكا إلى الفضاء. والكتاب الثاني "بافلوف – حياته وأعماله"، وهو أيضا أول كتاب مترجم عن هذا العالم الفذ الذي كنت أعتزم أن أرصد له جهدي في دراستي الجامعية العليا. ثم انقطعت عن الكتابة والترجمة ثانية سنوات سبعا، بسبب الاعتقالات السياسية.


    وعلى الرغم من كل ما عانيته في المعتقلات، تطوعت وأنا المستقل غير المنخرط في أي تنظيم، بعد هزيمة 1967، لكي أحمل السلاح دفاعا عن بلدي مصر. ولكن جهات أمنية استدعتني وحذرتني وطالبتني صراحة: "إنت لأ... تقعد في البيت".


    وواصلت جهدي في التحدث بلسان الآخرين. وقدمت ترجمة لرواية "المسيح يصلب من جديد" تأليف نيكوس كازانتزاكيس الذي عشقت كتاباته وشعرت بنوع من التماهي معه. وتوالت الترجمات التي لا يعنيني كمها الذي تجاوز السنين، ولكن يعنيني أنها من مختاراتي من بين قراءاتي وملتزمة جميعها بمشروعي: الانتقال إلى العقل العلمي، ومن ثقافة الكلمة إلى ثقافة الفعل.


   وبدأت التأليف في تكامل مع مشروع الترجمة. وصدر لي أول كتاب عام 1990 بعنوان "نهاية الماركسية؟"، وهو في متنه نقد للثقافة العربية في التعامل النصي الشكلاني أو الأورثوذوكسي مع الفكر العالمي، متخذا الحديث عن سقوط الماركسية مثالا، مع فصل بعنوان "هل سقطت الليبرالية؟". وأتبعت هذا بكتاب عنوانه "التراث والتاريخ"، وهو رؤية نقدية لأخطاء ثقافية شائعة في حياتنا وحاكمة لنا عن العقيدة والموروث الثقافي وفهم التاريخ.


    وصدر كتابي الثالث بعنوان "العقل الأمريكي يفكر.. من الحرية الفردية إلى مسخ الكائنات". وهو دراسة أكاديمية بانورامية لتطور العقل الأمريكي السائد على مدى 160 عاما، ابتداء من الآباء المؤسسين لتصحيح صورة أمريكا المدعاة في حياتنا، ومجابهة الحقيقة، كما أؤكد فيه العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع العملي نشأة وتطورا، وأن الفكر هو منتج الفعل الاجتماعي في تطور جدلي مطرد، مستشهدا بتطور الفكر/الفعل الأمريكيين في مجالات الفلسفة والعلم والآداب والفنون بنصوص موثقة لأئمة الفكر هناك.


    وبلغ مجموع مؤلفاتي أربعة عشر عنوانا، آخرها "الشك الخلاق في الحوار مع السلف". وأعكف منذ سنوات على إصدار دراسة عن "انتحار الحضارات".. كيف سقطت بفعل أبنائها لأسباب محلية أولا، وليست خارجية فقط. وذلك في ضوء ما نشاهده اليوم من جماعات تدمر وتنتحر وتنخر من حولها باسم إحياء حضارة تفككت وسقطت وتأخر تأبينها قرونا.


   قضايانا الملحة متعددة ومتكاملة، ومن هذه القضايا التي عرضتها في كتبي"


    أولا: إعادة بناء الإنسان المصري الذي تعمد الغزاة والحكام المستبدون انسلاخه عن تاريخه وعن هويته. ولذلك لا تتوفر نظرية جدلية متكاملة لتاريخ مصر منذ القدم، والتي حاولها صبحي وحيدة ومحمد عزب. ويلزم الإجابة عن سؤال: ماذا أصاب الإنسان المصري على مدى التاريخ حتى أصبح على هذه الحال من السلبية واللامبالاة حتى لا نردد ما قاله المقريزي وغيره: "قال الرخاء إني ذاهب إلى مصر، فقال الذل وأنا معك".


   ثم إننا الآن في عصر أو حضارة الإنسان العام المشارك إيجابيا عن علم وقدرة في إدارة شؤون أمته مع مسؤوليته التاريخية وحياة الاستبداد والقهر التي صاغت الإنسان المصري. لذلك نؤكد أن لا نهضة لمصر إلا بنهضة الفلاح المصري في قرى ونجوع الشمال والجنوب. هذا الفلاح هو مصر، التي ظل يحمل على فوديه رسما نزعم سخرية أنه عصفور، وهو حورس الحامي.


    ثانيا: اتساقا مع هذا، نحن بحاجة إلى دراسة العلاقة العكسية بين الاستبداد والإبداع. الاستبداد يصنع روبوت فضيلته الطاعة دون حق السؤال، والحرية هي صانعة الإنسان. الحرية كما يقول دانييل دنيت هي القوة الحافزة للتطور الخلاق للحياة منذ نشأتها حتى بلغت مرحليا أعلى صورها في صورة الجهاز العصبي للإنسان.


    ثالثا: المثقفون المصريون مسؤولون أولا وأساسا عن واقع حال مصر الراهن، إذ بدأ المثقف الحديث تابعا للسلطة الحاكمة، بينما المثقف المستنير هو من يحافظ على مسافة نقدية فاصلة بينه وبين السلطة. أي سلطة دينية أو سياسية أو عقائدية لكي تتهيأ له فرصة الرؤى بعقل نقدي ينير الطريق إلى المستقبل.


    رابعا: سبق أن ذكرت في كتابي "أركيولوجيا العقل العربي" أن التراث الثقافي الذي عاش ممتدا في الأزمان، وإن أخذ مسميات دينية لاحقة هو التراث الهرمسي في مصر، تراث "هرمس مثلث العظمات"، ويحمل صفات وخصائص البيئة والذهنية المصرية، وأراه تراث "تحوت" رب الحكمة والقلم في الديانة المصرية وإن حمل اسما إغريقيا. أرى أن هذا هو التراث الحاكم للثقافة الشعبية السائدة التي تجهض إرادة وفاعلية الإنسان لحساب قوة مفارقة لها القدسية والفاعلية.


    ويستلزم هذا تحولا حقيقيا وموضوعيا من ثقافة الكلمة إلى ثقافة الفعل والتغيير. من ثقافة اللسان إلى ثقافة اليد والأداة. وهذا هو ما سينقلنا طبيعيا إلى ثقافة التناقض كشرط وجودي.. الحركة مع التناقض.. الفاعلية بين النحن والآخر.. إذ ثقافة الكلمة هي ثقافة إقصاء على عكس ثقافة الفعل.. الانتقال من ثقافة الإقصاء المفضية إلى الانشقاق والانقسام، إلى ثقافة التناقض أو تلازم النقيضين.. ثقافة الحركة الفكرية والمادية في جدل مشترك مطرد لا تنشأ ولا تكون إلا بين نقيضين "نحن والآخر"، ووجود كل طرف رهن وجود الآخر. ولهذا نشأ الحوار الذي هو صراع في إطار الوحدة، أو حركة في إطار التناقض. إن الصورة لا تكتمل ولا نفهمها إلا في دلالتها الحركية، أي في وجود النقيضين وإلا بدت جامدة مواتا. وهل الحياة إلا حركة بين نقائض؟


    ويكتمل ما سبق بالحديث عن ما اصطلحنا تسميته أزمة الترجمة. وسبق لي أن تناولت هذا تفصيلا في ضوء إحصاءات ذات دلالة سواء في كتابي "الترجمة في العالم العربي" أو في تقرير التنمية الإنسانية للأمم المتحدة سنة 2003. وتؤكد الدراسة أن الترجمة متدنية أشد التدني، وطالبنا بما سبق أن طالب به عميد الأدب العربي طه حسين بإنشاء مؤسسة عربية للترجمة.


    والآن وقد بلغت الخامسة والثمانين من العمر، أنظر إلى الحياة نظرة مودع، أراني أفتقد مصر التي كانت في خاطري، وأرى أن مصر على مستوى الإنسان العام لم تعد مجتمعا بل تجمعا سكنيا، وقد أضيف ما أضافه لي الصديق الراحل أنور عبد الملك وهو أنها باتت تجمعا سكنيا لغرائز منفلتة. أفتقد مصر الحلم / الوعي بالتاريخ / الواقع / المستقبل، ولا أجد غير قبض الريح.


    ولكن تحت الرماد جذوة نار قد تتأجج ويشتد لهيبها. ومن بين ركام الفوضى ينبثق الأمل. هكذا علمنا التاريح. ومياه النيل لا تعود أبدا إلى الوراء.