حبة قد تدفع خيباتك نحو كهف اللاوعي

21/02/2016 - 9:23:52

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أمينة الجدعاني - شاعرة سعودية

كغصة عميقة


ليس لها إلا أن تبحر في حنجرة الروح،


تتماوج بعد أن أضاعت شاطئ صراخها الأخير.


**


الناجي من الغرق محكومٌ بذكرى أبدية تجرجر قلبه على الإسفلت كلما أغرق المطر مدينته، يُبصر وجوه الغرقى الذين لم تتسع لهم يده حين تمناها حبلا..


**


المنزل الكبير المهجور


كيف يكون صوت الفراغ فيه عاليا،


والريح الباردة في الليل


كيف تجعل نوافذه وأبوابه


ترتعش كمحموم فزع،


أنا هذا المنزل يا الله


بكل وحشته


وبرده


وفزعه


وعزلته.


**


أعرف ذلك الشعور البغيض


حين تكون رغبتك بالحديث حاضرة


أن تتحدث طويلا دون أن تمل


أن تجتاز كل تلك التفاصيل


وتسير في الطريق الطويلة للكلام


دون أن تدرك أنك قد فقدت بوصلة المكان


أن تواصل حديثك دون انقطاع


دون تفكير فيما تقوله


أو بماذا سيتوجب عليك قوله


أو ما الذي عليك أن تسكت عنه،


تلك الرغبة اللئيمة في الثرثرة


وأن يعلو صوتك


بحكايا كنت تظن أنك نسيتها


لفرط ما سكت عنها،


هكذا تتحدث كثيرا


دون توقف


كمسجل قديم يمكنه قلب الشريط


على الجهتين،


تبتسم كثيرا أن واتاك هذا الشعور


شعور الرغبة بالكلام لأحد،


لكنك ولوهلة


تنسى كيف يجب أن يكون الكلام مع الآخرين،


لتكون ثرثرتك داخلية


معك أنت وحدك


وللأبد.


**


الآمال محض مخدر


يمكن لك أن تضعها كحبة


تحت لسانك قبل أن تنام،


حبة يمكن لها أن تزين منامك


كأن تكون على شاطئ محيط


دون أن تخشى هيجان الموج،


أن تقف صامتا لدقائق


دون أن تفكر بشيء،


دون أن تسأل عن شيء،


دون أن تكترث لشيء،


حبة قد تدفع خيباتك نحو كهف اللاوعي


ليكون منامك رائقا،


لكنك تفيق وقد زال مفعول هذه الحبة


لتجد أن خيباتك انفلتت من عقالها


وأصبحت وعيا لك


لا يمكن تفاديها بحبة تذوب في الماء


كما تذوب كل آمالك بشهقة إفاقه.


**


كعادةٍ ليلية


أجدل شعري الباهت


كما فعلت أمي،


كنت أركض كل ليلة


في أحلامي الرمادية،


أركض هلعة هاربة،


لكني اكتشفت لاحقا


أن تلك الجديلة


يد تركتها أمي


تربتُ عليّ


في كل مرة


أهلع فيها ولا تكون بقربي.


طال شعري


طالت جديلتي


وطالت وحدتي


وعظُمت تلك الجديلة


الباهتة التي تربت عليّ


وكبرت تلك الكوابيس


ومعها كل الهواجس،


لأجدني مثقلة بتلك الجديلة


فلا أكثر رعبا


من أن تبصر تلك اليد


يتساقط لحمها شيئا فشيئا...


فلا أكثر رعبا


من لحظات تهرب فيها


منتظرا يد الأمان تلك،


لتجزع من بقايا يدٍ


تلامس جلدك


كما لو أنّ وقت رحيلها حان،


وأن الوقت قد آن ليواجه ظهري


حياته الشرسة عاريا


كمحارب مجنون دون درع تحميه.


اليوم تخلصت من تلك الجديلة أمي،


جززتها كما لو كانت وجع المسافة


التي ركضتها،


أعرف أني سأنام عارية منها،


أعرف أني سأجزع كل مرة


يلمس فيها أحد ظهري،


أعرف أن الجديلة تركت لي شبحا


ناعما يتأرجح كلما ركضت،


يستكين على جلدي بهدوء


كلما هدأت.


لا يحتاج أصابعي المتقرحة


لتجدله،


منفلتا كقصيدة لا نهاية لها.


**


الشامات الكثيرة


التي على جسدي


لم تكن إلا نجوما سقطت


ذات ليلة


وانطفأت عليه.


**


كل الذي لم تقله،


أكتبه في رسائل


أحتفظ بها


أقرؤها في ليالٍ حالكة


أقرؤها كما لو كانت منك


بذات اللهفة وابتسامة كبيرة


على فمي المرتعش


من فرط حلاوة اللحظة


تاركة للوهم


دفء الاحتضان.


**


لا كلام يمكن قوله لمواساتك،


لذا أشغلك بالسؤال


حتى تنسى نفسك بالحديث


كما لو كنت تسرد


ذاكرة جرحك


للمرآة.


**


اقترب،


تلّح عليّ هذه الكلمة


منذ أيام،


هكذا "اقترب"


ثم الكثير من الصمت،


ابتسمُ لأنها لك،


ثم أعبس للحظة


لأنه لم يعد من المتاح قولها؛


لذا بقيتْ عالقة هناك


في المسافة الشاهقة


التي لا يمكنني معها


النطق بها


أو تجاهلها؛ لصخب


خطاها في روحي..


لذا ظللت أهمسها


كما لو كنتَ تسمعها؛


هكذا أريقها بهدوء بارد؛


لتتجمد في الطريق


كزهرةٍ لم يمهلها


الشتاء لتزهر.


**


البكاء الذي أضاع عينيه،


انزلق كحجارة على الطريق...


لا تركلوها؛


إنها الدموع لا زالت تصرخ


وإن كانت من حجر.


**


يمكن لليل ونهاية الأسبوع،


برودة أطرافك،


وحدتك الهائلة،


أن توقظ كل أوجاعك،


تلك الأوجاع التي ظننت أنها


ماتت.


**


أجوبتي مجروحة


كيف لي أن أضمدها


وأهديها حيرة الليل؛


ـ ليكف عني أسئلته الكثيرة، ـ


دون أن تتساقط


جدران قلبي؟


***


ـ ما الذي تفعله قبل أن تُلتقط صورة لك؟


أبتلع ريقي وأنا أفكر


كيف سأقابل وجهي بعد قليل؟


ألم تكن تكفي نسخة واحدة مني؟!


**


في الشتاء تتعثر الأشياء،


تقف في منتصف الطريق


بعد أن يلتهمها شيء ما


لا تعرفه


لا تراه


لكنك تشعر به


وهو يقترب منك


تسمع لهاثه قربك


تحس أنفاسه الباردة


شيء ما يقتطف الحياة


يقاسمك أشياءك


أفكارك


نصوصك


غذاءك


دفئك


روحك


مشاعرك


دندناتك


لون جسدك


نومك


كلامك


صوتك


يتقاسمها دون إذن منك،


ولن يمكنك الكلام حينها


أو إستنكار ذلك


ستصمت وتكمل ما تفعله


كأن شيئا لم يكن؛


علّك تنجو،


أو تقف مراقبا وهو ينتزع


كل شيء منك بشكل كامل وسافر؛


لتكمل ما تبقى من حياتك


عاريا منك.


**


إنه الوقت الرهيب


من اللاجدوى الهائلة


حين تصمت كثيرا


تدير الأشياء بأطراف أناملك


كما لو كنتَ تنفض عنها غبار الوحشة،


الوحشة التي تبتسم لها كل مرة


وتترك لها حرية الالتصاق بك


كظلك البارد،


تراقب ما يحدث ببلاهة


تميل فيها رأسك


ثم تلتفت للاتجاه الآخر،


تنصت جيدا لعراك الجيران


نافذتك مفتوحة طوال اليوم


رغم كل هذا البرد،


جلدك الشاحب


وعيناك الغائرتان


كما لو كنت شبحا


يبصر نفسه لأول مرة في المرآة.


**


الكثير من الذكريات السيئة السوداء


التي تسيل من حقائب سفرك


حقائبك اليدوية


أطراف فساتينك


شالاتك الملونة


ومن على أحذيتك العالية


تسيل كالكحل الفاحم


الذي لطخه البكاء


على أرضية غرفتك


تُبعث معه كل تلك الذكريات من جديد


قائمة تسير في غرفتك


تصفق الأبواب والنوافذ،


تمزق الستائر والأغطية،


تطعن الجدران بكل سكاكينها


المغروزة في رأسها ووجهها،


تكسّر سريرك


وتمزق فساتينك


تخمش قلبك


تصرخ عليك بصوتها الحاد العالي


وأنت واجمة تعدينها؛


ـ مضافة لكل الخسارات ـ


بإظفرك الدامي


الذي ظننته قلم أحمر شفاه


على رسائل حبٍ لم تصل.