حــرب

21/02/2016 - 9:22:36

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أماني خليل - كاتبة مصرية

 أراني في سيارة مع أبي في طريقنا إلى بور توفيق. على مسافة كبيرة نخبئ السيارة بين الركام والحطام حتى لا يعتبرها العدو هدفا متحركا فيثقلنا بنيرانه. نترجل. نسير بحظر بين أكوام الطوب والتراب. أشعر بغصة في صدري. تمتد يد أبي الدافئة الحانية تحتضن كفي الصغيرة. ألتصق به فيلف ذراعه حول كتفي. صامت أبي. أشعر بالمرارة في حلقه. أزداد التصاقا به.


    نمضي بخطى حثيثة لنصل إلى شاطئ القناة. أغمض عيني وأتذكر كتاب المطالعة. أتذكر أغنية كنا نغنيها صغارا "قناة السويس... حفرها جددنا عيسى وعويس". أفتح عيني على الشاطئ الآخر وعلم آخر يرفرف هناك. يرتجف جسدي. أستدير وأعطي ظهري للحياة. يضمني أبي إلى صدره. ينظر إلى عيني بقوة وإصرار. أفهم ما يريده مني. أشعر بما يجول في صدره. أطرق برأسي إلى الأرض فأرى قدميّ تغوصان في التراب. يرتد بصري إلى أعلى فأرى أجزاء من بيوت مازالت صامدة أمام الدانات والقصف اليومي. ينتابني شعور بعدم الفهم والحيرة.


    يمضي بي أبي في طريق العودة. تقع عيناي على أغرب مشهد.. بيت من أربعة طوابق انهار نصفه طوليا تحت وقع القصف وظل النصف الآخر شامخا متحديا كما لو كان قطع بسكين. تعلقت عيناي بغسالة ملابس في الدور الثالث وقطع من ملابس علقت على الحائط ومازالت متشبثة به. ودار في رأسي سؤال.. من كان يستحم في هذا الحمام وقت القصف؟


    أرى أمّا شابة تضع صغيرها في طبق الغسيل. لمت جلبابها في حجرها وجلست تحمم الطفل وتغني بصوت أجش ولكنه حنون. الطفل يدعك عينيه ويصرخ. تصب الماء على رأسه مع لكزة خفيفة في ظهره.


    في الحجرة المقابلة للحمام تقف صبية خلف شيش الشباك تلقي بسمة خجلى لشاب متلهف في الشباك المقابل. تستدير إلى المرآة تتفحص جمالها الريان. تنتقي ملابسها بتأن. في ساعة العصاري تنطلق إلى شاطئ القناة. تمشي بترو. تشعر بيد ملتهبة تتلقف يدها. تستكين اليد في اليد، ويبدأ حلم. أربع عيون ضاحكة وأمل مرسوم في الأفق.


    في الصالة تجلس فتاة في مقتبل الشباب تقرأ في كتاب. تسرح في آفاق بعيدة تحسها قبض المنال. تخطر في كلية الطب بردائها الأبيض يملؤها يقين أن تصبح أول جراحة عيون في المدينة. تقلب صفحات الكتاب مبتسمة.


    في غرفة جانبية يجلس رجلان أحدهما أكبر بسنوات وسنوات. يتضاحكان. يحسبان ما جمعاه من قروش قليلة. يحلمان بمركب صيد ملكا لهما. يتمنيان أن يقترب الأمل ويتحقق الحلم.


    في المطبخ تقف امرأة في أواخر الخمسين. عيناها الدامعتان مبتسمتان. تتخلص من حرقة البصل ببعض الماء. ترفع طرف جلبابها وتمسح عينيها وأنفها. يلاحقها صوت الزوج: "لسه بدري ع الغدا". ترد بآلية: "حاضر يا حاج.. حالا". تستمر في عملها بالتأني نفسه كما لو كان هذا الحوار جزءا لا يتجزأ من وصفة الطبخة ومن دونه لا طعم لها. يدخل عليها شاب. يطبع قبلة على كتفها من الخلف. يقول بصوت خافت: "أمي.. أنا نازل.. شيليلي نايبي". تضحك. تلكزه خافضة صوتها: "هات م الآخر". يقترب بفمه من أذنها. يقول بتردد: "هقابل آمال.. شوفيلي حاجة ع الماشي". تحتضنه بعينيها.. كبر الولد.. صار رجلا. تبتسم ابتسامة يفهم معناها. يقول بأسى: "هتُفرج يا أمي". تمد يدها المعروقة إلى صدرها. تخرج منديلا يحوي كنزها. تعد ما به بسرعة وتقتسمه معه. تضع سبابتها على فمها وتلتقي العيون في مؤامرة صغيرة.


    في الغرفة المقابلة للمطبخ يستلقي الجد على الفراش. من الشباك المقابل يرى السماء زرقاء صافية. يفكر "الحمد لله عملت اللي عليا". يغمض عينيه في سلام. لا يحلم بشيء سوى أن يموت هنا على فراشه بين يدي ابنه الذي يلقنه الشهادة ويخفف عنه سكرات الموت.


    أين ذهب كل هؤلاء؟ أراهم الآن بعيني يخرجون من تحت الأنقاض. ينفضون التراب عن رؤوسهم وملابسهم. يتجمعون مقبلين على لا شيء. في عيونهم نظرة لوم للدنيا.. للحياة. عيونهم اللائمة تبحث في الأنقاض عن أحلام مغتالة.