فتاتا ليل .. قصتان من إفريقيا

21/02/2016 - 9:21:39

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

ترجمة: د. نهى عبد الله خيرت - مترجمة مصرية

القمر المنخفض


بلقاس أبو بكر - كاتبة من نيجيريا


    العيش في المدينة كان غاية "لوباباتو" حيث الحرية والاستقرار، وظل هذا الحلم يراودها لسنوات للتحرر من قيود زواج فاشل والقيود والقيم والقواعد المفروضة على أهل القرية وكذلك التحرر من عبء إطعام طفلين جائعين.


    استقبلت المدينة "لوباباتو" بالترحاب وأصبحت تتنقل مثل الفراشة من ناد إلى آخر، ووجهها ملطخ بالمساحيق وترتدي ملابس أهل المدينة وتتشدق باللبان وبرفقة أشخاص مختلفين وكانت ترى أن أضواء المدينة أكثر إبهارا من أي ضوء آخر وكذلك الهواء أكثر إنعاشا وتشعر بالبهجة والسعادة.


    ولكن مهنة الدعارة لم تكن ترحب بها بنفس ترحيب المدينة بها، حيث إنها كانت تختلف عن بقية الفتيات في المهنة ذاتها، فأثارت حقدهن، وكانت تللك المهنة تحظى باحتقار المجتمع أما مهنة القوادة فمربحة جدا وهي مرتبطة بالوافدين إلى المدينة، وكانت الحرب على أشدها بين القوادين لاجتذاب الفتيات الوافدات أو الوجوه الجديدة، بمعنى أصح، حيث إن الزبائن يفضلون الفتيات الصغيرات، كانت "لوباباتو" أجمل فتاة في وسط جميع الفتيات، وكان مكتشفها يدعي "هارون" وأصبحت مكسبا بالنسبة له، وأطلق أصدقاؤه المقربون عليه "البطل" ونشأت بينه وبين "لوباباتو" علاقة جيدة لدرجة أثارت حفيظة "سباركو"، قواد آخر كان يريد أن يسيطر على "لوباباتو" ليزدهر عمله. "البطل" علاقاته محدودة ليس على وفاق مع علية المجتمع لذا لم يكن مهما بالنسبة لها، حاول "سباركو" اجتذابها وقال لها إنها تستحق حياة أفضل مما تعيشه مع "البطل" الذي لم يفعل معها شيئا سوى جرها إلى عالم المخدرات، قالت له: لا يوجد رجل يمنحها ما يمنحه لها البطل من دفء خاصة في المساء.


    صاح سباركو:


ـ لكني أؤكد لك أن لدي من يمنحك أكثر من ذلك.


   ومنذ ذلك اليوم أصبح سباركو صديق "لوباباتو" المقرب، يقضي معها ساعات طويلة ويغدق عليها المال والهدايا بعيدا عن نظر "البطل" الذي كان يضربها ويسألها من أين لها تلك الأشياء، كان هدف "سباركو" أن يحدث تغييرا في حياتها حتى يستطيع أن يقدمها لزبائنه من الطبقة الراقية ورغم رغبتها أن تحيا في رفاهية إلا أنها كانت تشك في قدرة  "سباركو" على تنفيذ ما وعد، خاصة وأنها اعتادت على حياة التشرد والصعلكة مع "البطل" حيث كانا يرتادان الملاهي الليلية والحانات والفنادق، ولكي تتجنب أذى "البطل" كانت تعطية نصف ما تحصل عليه من أجر.


    ورغم أنها حققت أحلامها في المدينة، في كثير من الأحيان تراودها ذكريات الماضي وتمر عليها كطيف وتسترجع حياتها مع أسرتها في القرية والأطفال والإخوة، وكانت تتساءل عن رد فعل أسرتها حال عودتها، وبخاصة أن أسرتها سبق أن تبرأت منها ووالدتها قالت إنها لن تسامحها أبدا، كما أنها قالت لطفليها إنها ماتت، عند هذه النقطة تعود لترى أن عملها هو أهم شيء في حياتها، وقد توسمت في شخص أنه سوف يتزوجها وكان من وجهة نظرها أن هذا هو الحل الوحيد حتى تعود إلى أسرتها وتحصل على عفوهم. كانت أحلامها تتمحور حول حصولها على منزل مستقل، ومبلغ تبدأ به مشروعا تجاريا حتى لا تقع تحت رحمة أي رجل.


    قام "سباركو" بتنفيذ وعوده لها بعد أن سددت ديونها "للبطل" وقطع علاقاتها معه، بمرور الوقت اعتادت على معيشة الترف وأصبحت على اتصال وثيق بالشخصيات البارزة في المجتمع، قام سباركو بتدريبها ليجعلها قادرة على التعامل مع واقعها الجديد كما عرفها على "امباسدا" وهو مثقف ذو حيثية في المجتمع، أحبته "لوباباتو" ووفر لها حياة مريحة وجعلها تجوب العالم معه وأغدق عليها المال والهدايا وكانت المثل الأعلى للفتيات الأصغر سنا في المهنة نفسها، وإن كانت هي غير راضية عن ذلك ليقينها أن حياة الغانية تنتهي إما بجريمة أو بحبس دون أن تجد من يدافع عنها، بالإضافة إلى أنها عرضة لجميع الأمراض ويتعامل معها الرجال كدمية يتخلصون منها بعد الاستخدام، ورغم تعدد محاولاتها للخروج من تلك الدائرة إلا أنها لم تستطع، وكانت تحصل من "امباسدا" على راتب شهري وفي النهاية رضيت بواقعها وكذلك محاولتها الزواج من "امباسدا" الذي تحبه، واعتقدت أنه يبادلها المشاعر نفسها، لأنه قال لها كثيرا إنه يحبها ولكنه في إحدى المرات صدمها بقوله: "الحياة أكثر من مجرد إسعاد امراة"، وقد نصحها "سباركو" أن تتجنب عواطفها، ولكنها لم تفهم ماذا يقصد، وفي يوم سألت نفسها.. هل أحبها امباسدا  أم لا ؟


    وفي يوم آخر قال لها "إن الحب داخل المنزل والمغامرة في الخارج" ومع ذلك لم تفقد الأمل وكان داخلها يقين أن "امباسدا" ذات يوم سوف يبادلها الحب ويتزوجها وتعود لقريتها.


    مرت الأيام وبدأت رحلاتها مع "امباسدا" تقل وكذا زياراته لها، كان يتسكع مع فتيات أصغر سنا، ورغم ماقدمه له "سباركو" إلا أن علاقاته به تراجعت أيضا، وذات يوم طلب "امباسدا" من "سباركو" و"لوباباتو" أن يحضرا له ولأصدقائه من علية المجتمع حفلة وأن يأتيا لأصدقائه بفتيات صغيرات، وفي هذه الليلة وقفت "لوباباتو" في النافذة ونظرت إلى القمر فوجدته منخفضا وغير متوهج، تذكرت أن العمر مر سريعا وأن أحلامها تراجعت بعيدا، ومر بذهنها أول لقاءاتها مع "امباسدا" وكيف رحقها وهي صغيرة وجميلة، ورغم اعتقادها بأنها كانت تمسك بزمام العلاقة إلا أنها اكتشفت أنها مخطئة، لقد أعطته كل شيء ولكن بصورة غير قانونية او شرعية.


***


مهنة ليلية


جانت ميل - كاتبة من أوغندا


    "تعلم أننا لا نختار حياتنا". كانت طفولتي مرحلة تأهيل لتلك المهنة، إذا اعتبرناها مهنة من الأساس. كانت أمي تمارس هذه المهنة وكذا أمها، فأصبح لدي يقين أنني لا أستطيع الفرار من مصيري هذا.. أن أصبح فتاة ليل.


    الليلة باردة والساعة الآن تشير إلى السابعة مساء، لدي يقين أنها لن تمطر اليوم، فالمطر يؤثر على عملنا بالسلب حيث إن الوقوف علي جانبي الطريق أثناء هطول المطر غير جيد، إن السماء لونها يميل إلى الأزرق الغامق ويوجد بها قليل من النجوم المتباعدة؛ هذا ما جعلني متأكدة من عدم نزول المطر حيث قيل لنا إن النجوم علامة على أن السماء سوف تبخل "أي لن تمطر" أحمدك يا رب! فأنا أرتدي فستانا أبيض ضيقا لكي يبرز تفاصيل جسدي ومفاتنه، الأبيض لون مناسب عندما تحاول لفت الانتباه وسط فتيات أخريات، وبالتحديد إذا كنت تملك بشرة سمراء مثلي، كما أني أجيد وضع مساحيق التجميل، علمتني أمي كيفية وضعها، فأحمر الشفاه العنابي "يناسب البشرة السمراء الداكنة"، لقد استخدمت ظلال جفون خفيفا، وارتفاع حذائي 6 بوصات لأني فتاة قصيرة بنسبة 5:1 أي أني أقصر الفتيات الخمس. اعتدت ألا أرتدي ملابس داخلية خلال عملي لأني وجدت أن الطريقة الوحيدة لاجتذاب الزبائن هي السماح لهم بأخذ لمحة، ليكونوا فكرة مسبقة عن ما ينتظرهم.


    مسرح عملي هو شارع "بورتون" في إحدى زوايا شارع "جوزيف ليو" لا توجد إضاءة في هذا الشارع وهذا أمر جيد، فالإضاءة تعني زبائن، تحولت كل المباني السكنية في هذا الشارع إلى مكاتب وشركات محاطة بأبواب وأسوار عالية، ولا توجد الآن أصوات في الشارع، ضوء قادم يجب علي أن أنحني بدلال لأعطي للسائق نظرة حتى يقع اختياره علي، أتحكم في انحنائي لأظهر مفاتني، ولا يظهر سوى جزء بسيط من وجهي الذي تعلوه الابتسامة، أستطيع أن أقول إني بارعة في هذا الأمر نتيجة خبرتي الطويلة، ليست الابتسامة دليل السعادة، أستطيع استحضار الابتسامة لأنها من متطلبات المهنة.


    الهالة البيضاء أبطأت بجواري، أستطيع القول إن شكل السيارة يدل على أن صاحبها لن يعطيني ما أحلم به، ولكني تعلمت درسا قديما ألا أرفض أي عرض يقدم لي لأني قد أجوع إذا رفضته. وجه أسمر يحدق، كل ما شاهدته عيونا واسعة، أسنانا براقة "اركبي" صرخ في باستعجال. كان يريد أن يقود السيارة قبل أن يراه أحد، قفزت في السيارة ومازلت أبتسم، لا أستطيع أن أحدد وجهتي ولكن يجب أن أكون متيقظة لأتعابي أو أجري، "مدة طويلة، أم قصيرة؟" سألته بصوت مرتفع وأنا أرفع حاجبي، إنها عادة.


    صرخ: "كم تبلغ تكلفة المدة الطويلة؟" اعتقدت أنها ستكون مهمة صعبة بالنسبة إلي، لذا قلت "خمسين ألفا"، "حسنا" قالها وهو ينطلق بالسيارة إلى "ناتندا". إن الحصول على منزل بها غير مكلف، أعيش في "تالا" التي تعتبر مكانا جميلا وقريبا من مكان عملي، والمكان الذي سنتوجه إليه. وصلنا فندق "ماكس"، كل الموجودين في "ناتندا" يذهبون إلى هذا الفندق، خرج من السيارة مسرعا وأنا خلفه مثل الجرو، هكذا يتصرف معظم الزبائن في البداية وهذا الجزء أكرهه إلى أن نصل إلى الغرفة. ولم يضيع الوقت. تخلص من ملابسه مسرعا واستلقى على السرير المزدوج الذي كان مغطى بمفرش بني ليناسب الحوائط والستائر والأثاث، كل شيء في الغرفة يكاد يكون منقولا من المدرسة الابتدائية المجاورة. بدأ يحدق في، وتخلصت من ملابسي، كل شيء في الفندق ممل ما عدا الأشخاص الذين يتغيرون دائما والذين يأتون إليه للحصول على المتعة بعد إنهاء أعمالهم في المدينة، وغالبا ما يخفون تلك المتعة بل لا يذكرونها عند عودتهم لمواطنهم، أكاد أسمع الأصوات الصادرة من الغرف المجاورة لأشخاص مماثلين، ورغم أني اتفقت معه على "مدة طويلة" إلا أني سوف أمنحه مدة قصيرة حيث إن مزاجي غير جيد اليوم، ولكني لن أجعله يشعر بالاختلاف، وبدأت مرحلة لا أكرهها تماما في عملي، شعرت أنه راض وأيقنت أنها المرة الأولى له مع فتاة ليل؛ فلا أحد من الزبائن يسأل عن الأجر.


    الآن بدأت أكثر مرحلة أكرهها في تلك المهنة وهي مرحلة الحساب لأنها تقلب علي ذكرياتي وتجعلني ألقي اللوم على نفسي وعلى أمي التي كانت تحضر الرجال إلى المنزل، وكنت أتساءل لماذا تبكي بعد أن يرحل الرجال؟ وكيف أنها غير سعيدة رغم امتلاكها أموالا كثيرة تجعلها لا تعمل وتتفرغ لتربيتنا؟ كما أنها من وجهة نظري أم جيدة، الآن كبرت وفهمت أن ساعة الحساب تزيد المشاحنات وتختفي الابتسامات وننزل إلى أرض الواقع، سألته عن الأجر، وأخرج "خمسين ألف شلن" قديمة وكبيرة، وألقاها أمامي، تناولتها بسرعة قبل أن يغير رأيه، ذهب إلى الحمام، فقمت بتفتيش ملابسه، بنطلونه وقميصه وجدت معه "عشرة آلاف" استوليت عليها وتركت الفندق، وقبل أن أذهب إلى المنزل ارتديت ملابسي الداخلية، فتحت أمي الباب وكان على وجهها ابتسامة لعلمها أني أحضرت بعض المال، بعد أن توقفت عن إحضار الرجال منذ فترة طويلة كما أن الطلب على النساء فوق الخمسين يقل، وقد أقنعت أمي أني موظفة استقبال، أن هذا المال يأتي نتيجة عملي ساعات ليلية، وقد خدعت نفسها واقتنعت بكلامي ورغم تخطيها الخمسين ما زالت مقبولة، ليس بجمالها وهي شابة. كنت أبتسم وخلف ابتسامتي أسى، لذا أبلغتها أني سوف أتوقف عن العمل الليلي، أعطيتها المال، وذهبت إلى غرفتي لأنام، فلدي غدا اختبار في الجامعة.