قصيدتان

21/02/2016 - 9:17:54

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أشرف يوسف - شاعر مصري

كتالوج لغسالة كهربائية


هي صديقتي التي بودِّي ألَّا تهدأ


بأن تظل تدور كالنحلة


ولا تتوقف عن ملاحقة عطر لوردة


بين ملابسي.


تدخل رفيقتي من الباب وتخرج


أمام الجميع


ولم تشاهد ولو مصادفة


وهي تجرب مترددة الشُبَّاك الذي بداخلها


وأنا بالمثل


أكون رثَّة اللسان والمنظر


وأكاد أسير بقدمين حافيتين


كلما انتفض قلبي وخرج


لإلقاء بقع دم في وعائها  السلِّسْتين".


منذ جاءت محمولة إلى بيتي


فوق كتفين لشيَّالٍ نحيفٍ


أرقب الكهرباء تطوِّحها


وكأنها تهتز كالسرير


بين الطرقة الطويلة والمطبخ


وأتذكر بيتًا من الطين كان خاليًا من أي أثر لها


وكم من أيادٍ بضة عارية كانت تقوم بالدعك والغسيل


نيابة عنها..


وكم من نساء دلوعات فقدن أن يتشابهن معها


ويدرن حول الطشت الذي ولدت منه


كأنهن أرواح شابة تمسح الوسخ


عن ذويهن.


لم أجلس هكذا أحيانًا بالقرب من مكانها ساهمة


وأفكر أن أركلها بقدميّ الحافيتين


أو بذلك "المَج" الذي أشرب فيه بين غسْلة وأخرى


كمية صغيرة من الكافيين


ليس بيني وبين الغسالة الكهربائية


موجز لتاريخ بإمكاني تدوينه عن قرب.


بالنسبة لي كانت صوتًا يؤنسني في ليالٍ موحشة


بلا رفاق


وكنت أنا بالنسبة لها


مجرد ظل لإنسانة تجلس أمام آلة ذات ضجيج


لا بد لها أن تعي قواعد تشغيل أزرارها


وتخطئ أحيانًا وتصيب أحيانًا


بلا استغناء عن ذلك الكتالوج الذي رافقها


من دكانة البيت المعاصر.


مرت بحياتي غسالات كهربائية


لم تكن تخصني بدرجة ما


حتى رأيتها في فاترينة العرض


وكان حبًا من أول نظرة من جانبي


ولم أدرِ هل من الممكن لآلةٍ ستأتي إليّ


محاطة بالكارتون المقوَّى


أن تبادلني إعجابًا بإعجاب؟


وأفكار تدور في خلدي عن ذلك الجلباب البيتي


الملون الذي سيلف قوامها؟


وهل سيكون لصمتها في أوقات عدم التشغيل


معنى لكلينا؟


أم أن الأمر لا يتعدى كونه استهلاكًا


بين طرفين ملّ كلٌّ منهما مكانه


وأرادا برغبة مشتركة اللقاء لبعض الوقت


تحت سقف واحد ليلعبا معًا ويمضيا إلى الاستمرار في التهكم من الزمن.


هي لا تزال شابة لم يفنَ موتورها


ولم ينل السكون منها شيئًا


لا تجاعيد لافتة للنظر


في ذلك القلب الذي يعمل


بالكهرباء.


بينما أنا ذات قلب إسفنجي عليل أرْقبها وأتمناها


بأن يكون لضجيجها الذي يصل الآن إلى أذنيّ كالعويل


سحرٌ لشفائي


لأهرع منطلقة لاحتضانها دون تذكر لتعليمات التشغيل


أو خوف من عطل مفاجئ.


أنا الكائنة المعطوبة أمام آلة ذات ضجيج


أهيِّئ نفسي بألَّا أكون مجرد مستهلكة


لحبيبة تنظِّفني من الخارج بالملابس المغسولة


بتلك المساحيق المعطرة.


وبودِّي من هذه الآلة الأنيسة لامرأة وحيدة


بأن تشفط كل هذا الوسخ الذي تراكم


بداخلي لسنوات وسنوات بدَّدتها من دونها.


سنوات هلكت فيها يداي ويدا أمي


ويدا إحدى عاملات "الدراي كلين"


ولم أحظ بشيء من تلك القشعريرة


التي تكسرني برفْقة صوتها الخشن.


أقف حائرة أمام المفاتيح


ولا يضيع من بالي


كم فنجانٍ من المسحوق المعطَّر


يلزم مياهًا بحجم وعائها لصنع الرغوة


ولا كسلٍ صاحبَ رجالا أدْمتهم


مُدد الانتظار إذا كانوا خطائين


في وجودها.


هي الثقيلة التي تعجز يداي البضتان


عن تحريك كتلتها إلى مكان آخر


بعيدًا عن تلك المساحة المعتمة


ولا يصل إليها ضوء كافٍ.


هل أستنجد بأحد لينقلها معي


وأراها جلية ويُنار طريقي للباب المدوَّر


في منتصفها وأُلقَى بداخلها وأنام للأبد


كأنني غريقة على وشك الزوال.


***


قالت سعاد


ذلك الرجل المسكين ضيَّع في الأوهام عمره حتى صار مسخرة رفاقه في زنزانة السجن العمومي.


كلما حل المساء ينتظر صوت مذيعة التليفزيون


ليملأ رأسه المتعب الوحيد في الظلمة بالشكوك والحيرة والعدل:


إنه صوت مذيعة التليفزيون وقد صار نفسه صوت انقطاع أطفالي الصغار وأمهم عن الزيارة الأسبوعية..


يقول رجل في زنزانة لرفاقه وتدمع أعينهم الحزينة


ولا يرى في الظلمة سوى أوهامه.