ظاهرة فرنسية .. الروايــــة امــــــرأة

21/02/2016 - 9:16:48

سيجولين روايال سيجولين روايال

د. صبحي شفيق - مخرج وكاتب مصرى

فى العاشر من نوفمبر 2015 أعلنت جائزة مؤسسة ميديسىMedicis ، وهى الجائزة التى تمنح لأحسن عمل روائى خلال عام.


وفازت بالجائزة الأولى كاتبة شابة، هى ناتالى إيزوليه NATHALIE Azoulais، عن روايتها الأخيرة “لم يحب تيتوس بيرينيس. Titus N’AIMAIS Pas Benenice


عنوان يثير الفضول، لأن بيرينيس هى إحدى مسرحيات الكاتب الكلاسيكى: “راسين”، وقد درسناها فى السنة الثانية بقسم اللغة الفرنسية، بآداب القاهرة، وهو نفس منهج الدراسة بالسربون، وبسائر أقسام اللغة الفرنسية فى كل كليات العالم.


فى مسرحية راسين، نجد الإمبراطور تيتوس قد وقع فى حب محظيته، وعاطفيا لا يستطيع أن يفترق عنها، إلا أن مستشاره المؤرخ سيوتوس نصحه بأن يعدل عن الزواج من حبيبته، لأن القانون الرومانى يحرم الزواج من دم أجنبى.


ويبدأ التوتر. الصراع النفسى: الدولة أم الحب.


ما الذى جعل كاتبة فى عام 2015 تعيد كتابة المسرحية الراسينية فى بناء روائى؟


فى روايتها جملة هى مفتاح عملها الأدبى: “لا يوجد الآن ما هو أكثر إثارة للشجن من فراق حبيبين”.


وإذا كان القانون الرومانى، ثم رؤية راسين فى القرن السابع عشر، قد وصفا الإمبراطور فى منطقة اللا نهائى، فماذا يحدث فى عصرنا، الآن؟


فى القانون، ما يسمى، بالنسبة للحاكم : “منطق الدولة haraison d,Etat  أو عقلانية الدولة الدولة. بمعنى أن الحاكم ملكا كان أم إمبراطوراً، غير مفوض للحكم إذا ما خرق هذا القانون. فوظيفته هى تكريس كل قواه لخدمة الدولة.


والآن، هنا، من يجد نفسه فى نفس الموقف؟


إنهم كبار رجال الأعمال ، وكبار موظفى الدولة، والحكام. فإذا ما وقع أحدهم- كما فى الرواية - فى حب شابة ليست من الأصول العريقة، يعزل عن منصبه.


الكاتبة، إذن، تؤكد، دراميا، أن الفوارق الطبقية هى السائدة ، مهما تكن الظروف، وتقودنا إلى مأساة البحث عن الهوية ، فبطلة روايتها تريد أن تكون ذاتا، لها كامل حقوقها ، وأولها حق اختيار شريك الحياة بعيدا عن كل مفهوم طبقى، عن كل ما يسمى بالتقاليد ، وهى سلاسل تفيد الباحثات عن هويتهن.


وقد سبق لناتالى إيزوليه أن كتبت رواية بعنوان: “المظاهرات”  ، (Les Mani lestationsوهى تطرح المشكلة نفسها من خلال صديقتا طفولة، وصلا إلى سن النضج، إلا أن الأسرة ترفض زواجهما من هؤلاء المتشردين وبالعامية : “الصيع”. وتعنى بذلك الشباب الثائر، المطالب بالحرية، وبالمساواة بين الجنسين. إلخ.


قضايا أخرى تثيرها روايات ناتالى، منها مسئولية الأم، وذلك فى رواية بعنوان : “أم تجيش مشاعرها بالهموم”  Mene Agireeلأنها أم لعدد من الأولاد والبنات، كيف تدفعهم إلى طريق الحياة الآمن، المحقق لفرديتهم، لما لديهم من مواهب؟


من لم يعش فى فرنسا، لا يدرك هذا الاتجاه فى الرواية، فوضع المرأة بشع، راتبها يقاس بعدد ساعات حضورها، أما الدورة الشهرية والحمل والولادة، فلا تدفع المؤسسات أجرها، وقد ناضلت سيجولين روايال(Sego Len Royal)   لكى تدفع الدولة للأم غير العاملة راتبا لأنها تقوم ، كالمدرسة ، بتربية الأولاد.


من هنا نجد 90% من الروايات التى تصدر فى فرنسا، هى لكاتبات، وكذلك الجوائز.


لماذا المرأة بالذات؟


لأنها أم لمن سيصبحون رجال الدولة.


ومع ذلك، مهما كانت وظائف المرأة، ومهما كانت شهرة الكاتبات ، فالحنين إلى بيت الزوجية، إشباع غريزة الأمومة هو محور الفكر النسائى الآن.


وأتوقف عند رواية للكاتبة بيا بيرترسين. Pia pertersenعنوانها يرد على كل تساؤل : “كاتب ، كاتب حقيقى” ، وقد نالت جائزة الجونكور منذ ثلاثة أعوام.


ولنتابع سويا هذا الجزء من روايتها .


“وضعت صفا من الورق على المكتب . نظرتها ثلجية. لكنها تشعر بالاكتفاء فى نفس الوقت، وتقول ببرود إنه قد حان الوقت لتوقع العقد، ثم تقول إنه لاحق لها فى الاختيار . لكنها ليست على اقتناع كأنما هى لا تكترث ثم لا شىء تقوله. فهى قد عرفت من قبل ما يحتويه العقد. ولم تعد ترى ما يجب عليها أن تقوله، وإلا سوف أوقع هذا العقد”.


نلحظ فى الفقرة السابقة أن الكاتبة تخاطب الصفوة، تخاطب الكاتبة فى سياق اجتماعى، قائم على الربح والخسارة، واقع يماثل أى نظام سياسى- اجتماعى.


إلا أنها بعد ذلك ، تعود إلى وعيها بذاتها، فبدلا من الرد بضمير الغائب (هى وصفت - هى عرفت إلخ) يتحول الرد إلى ضمير المتكلم ،ولنتابعها.


“إننى زوجتك، ونحن نعيش تحت سقف واحد، وأستطيع.، أستطيع أنا، أستطيع أن أوجه الدعوات، لحضور البرنامج التليفزيونى، وسوف تشارك فى البرنامج ، رغم أنفك”.


ثم بعد ذلك تنقلنا إلى ضمير الغائب.


الغائب، هنا. هو زوجها .


وتقول :


“إنه يحتج . يقول إنها لا تستطيع أن ترغمه على المشاركة فى البرنامج . ثم يشبك ذراعيه على صدره كأنما يريد أن يعطى قوة لحديثه . وتسأله “ “هل تستمر فى كتابة روايتك؟”


هكذا تريد أن تغير موضوع الحديث ، أما هو ، فقد هز كتفيه إنها تقول : لا ، لا ، لا نستطيع أن نعيش على هذا النحو.


“ ثم تقول ، صوتها جاف ، تقول يجب أن أوقع العقد. أما هو ، هو لا يحب تطور الحديث، وقد استولى عليه الضنى ، فجأة، تعب، وتردد. تردد قبل أن يقول لقد وعدت أن أفكر فى هذا الموضوع”.


واضح أننا أمام بناء روائى ثلاثى الأبعاد، كالسينما المجسمة، فالضمائر فى ازدواج، تارة السرد بضمير الغائب.، وفجأة نعود إلى ضمير المتكلم، بين فقرة وأخرى، هناك ما يعرف فى لغة السينما بخارج الكادر، إن ما يوحى إليه تكوين الصورة عندما يدعنا نكمل المنظور خارج ما نشاهد فهنا، فى هذه الرواية، ترتسم لوحة لحياة زوجية،و حياة قائمة على الجذب والتنافر، ومن هنا حركتها الدرامية.


ثم يأتى الانفراج بعد التوتر ، كما فى البناء السيمفونى - وهو أيضا ثلاثى الأبعاد- بعد التوتر الانفراج، كل الخطوط اللحنية تصب فى سماع كل الآلات ، فى هارمونى اخال .


وها هى الكاتبة تعود إلى السرد.


إنها تحادث نفسها، نفسها الأخرى، نفسها كزوجة، كأنثى، يهمها الانسجام فى عش الزوجية.


ولنتابعها:


“بها لهفة لكى تعود إلى حياتها السابقة، وتؤكد أنه سيحبها أكثر فأكثر، وسيبقى معها، وقتئذ سيكون فى قدرتها أن تواصل دروس الغناء . أو تشرع فى كتابة رواية، رواية تدور أحداثها حوله، حول “جارى” (اسم زوجها) ، لم لا؟ إنها قادرة تماما على كتابة هذه الرواية”


ويبدو أن عدوى الاتجاه فى الرواية الفرنسية قد انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فها هى مولى انتوبول Molly Antrolفى روايتها التى ترجمت إلى الفرنسية بعنوان : “ اللاأميريكيون” تطرح أهم قضية فى مجتمعاتنا الحالية ، ألا وهى صياغة وعى الجيل الجديد عن طريق الميديا (فضائيات) و“إنترنت” وبالتالى هو جيل فاقد للوعى بما يدور حوله.


آخر مقالات المخرج الراحل د. صبحي شفيق ..


إقرأ الكلمة الأخيرة صـ 226