رواية « موجيتوس » .. إعادة تشكيل المتن وفق رؤى الهامش

21/02/2016 - 9:15:12

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. حمدان الحارثي - ناقد سعودي

    تأخذ تجربة "منير عتيبة" أهميتها من أهمية التجربة الروائية المصريّة الراهنة التي ذهبت شأوا بعيدا في تشكيلاتها الفنية، وانفتاحها على خطابات التجديد السردية الأخرى، إضافة إلى ذلك فالروائى له تجربته المتنوعة بين السرد والقراءات النقدية العميقة، وتجربته السردية تصر على المغايرة والمغامرة نحو التجريب.


    في هذا العمل الروائي (موجيتوس) يتشكّل عبر مدخل  كلاسيكي يقوم على التذكّر للولوج إلى عوالم الشخصيات المختلفة المتنوعة والتي منحها العمل الروائي مساحات للحركة والحكي فيما يمكن أن يسمى "دمقرطة الحكي" حيث تأخذ الشخصيات الرئيسية في العمل دور السارد المشارك لتتحدث عن نفسها بحرية، ليكون ذلك إيذانا بتعدد وجهات النظر بحسب (باختين) وهو ما له علاقة بمفهوم الرؤية كما عند تزفتان تودوروف فهي "الكيفية التي يتم بها إدراك القصة من طرف السارد"، وهذا لا يعني أن نذهب لتصنيف العمل تحت إطار (البليفونية) التي قال بها (باختين) من خلال قراءته لتجربة (دوستويفسكي) إذ أن لذلك اشتراطات لا تتوفر هنا حيث يغيب الحوار المكثف وتعدد مستويات اللغة وتحظر الخطية الكلاسيكية مع  أن تعدد الأصوات لا يتعارض مع الخطية على أية حال.


    يحضر هنا الصوت السردي حيث يتشظّى مبتعدا عن (المونولوج) حيث يتلاشى إيمانه به كتقنية مما يجعل من هذه الرواية حتى وهي تقف تحت ظل ما قبل الحداثة إلا أنها لا تتخلى عن صفة الإنسان المعاصر المنسحق. ورغم ذلك فهي لا تخلو من ملامح تعدد الأصوات الذي يؤدي إلى تعدد وجهات النظر وتعدد الأيديولوجيات ويعمق الرؤى المختلفة حتى لو كانت داخل الشخصية الواحدة، من خلال الإمساك بخيط شفيف يربط الحدث السردي باستمرار، تنطلق الحكاية هنا من تمرّد لحظات الوعي والإدراك الذي يسعي العمل لها وصولا إلى محاولة تجاوز انكسارات الواقع وهزائمه باتجاه المطلق الحر وهي غاية الإبداع بلا شك؛ إذ يبدو الإنسان كائنا منسحقا في أوساطه التي نشأ فيها، وبالتالي فهو بحاجة إلى الإبحار نحو رؤاه الجديدة وتحققه الإنساني مستعينا في ذلك بما أمكنه بعيدا عن الواقع  المعيش والمرتهن له، وبما يسمح له من حلحلة المشكل الإنساني ومقاربته لحلول ممكنة، باستقراء نوازع الشخصيات المختلفة عبر العمل الروائي تنطلق باتجاه الوسط المكاني المضطرب المائج بالحركة والخطر، وتلك الشخصيات تأتي محملة بأزمات شخصية ذات خلفيات إنسانية رغم التعدد الأيديولوجي، فالبطل (موجيتوس) يأتي من عشقه الطفولي للجارية (عجب) ليركب البحر مع مجموعة متنوعة، وعلى شكل مصادفة ليصبح العقل الكتابي لهذه الرحلة وفي نجاته رمزية انتصار التاريخ علي المحو، وإن كان أفق الانتظار لا يستبعد معارضة التاريخ، ويشترك في الصدور عن أزمة البحث عن الذات (أمير البحار) عبد الرحمن بن يوسف، في مفارقة بين تطويع البحر من خلال سيمائية (اللقب) إلى العجز أمام تحققه بالشكل الذي يريده.


    وتتقارب أزمة عبد الرحمن بن سالم الشاعر الهارب من محبوبته (صبح) مع أزمة السارد، فيما يبدو إحساس الشاعر المحب هنا غنيّا بروائح الحصاد ومواسم العنب، ورائحة (صبح) مما يعمّق أزمة الشاعر أمام (نص) مختلف باعتبار المرأة نصّا قابلا للانقراء، كما يحضر حسان الغافقي مأزوما هو الآخر بقصة جده المتهم بتبديد النصر محاولا استعادة المجد الضائع والدفاع عنه، ويتماهى (عيسي بن أحمد) مع شخصيات تأريخية حيث الهرب من الترف الجسديّ لتخليص روحه من خلال خوضه لتجربة صعبة بحثا عن اليقين، كما تتمظهر أزمة الشعور بالدونية في شخصية (عبد الله البلوطي) حيث يعاني رفض الفقيه العربي له رغم علمه، كونه مولّدا، مما يجعل حلمه الدائم هو إنشاء مدينته الفاضلة التي تتسامى على الإقصاء وعلى كل ما هو عنصري، وربما كانت طريقة موته بسلام مكافأة (سرديّة) على رؤاه الإنسانية.


    إن تعدد الأصوات (دمقرطة الحكي) وحديث الشخصيات عن نفسها ينسف فكرة الوحدة باعتبارها وهما بدلالة التعدد والتنوع الذي عليه الشخصيات.


    دون تفصيلات تحرير المصطلح حول الفضاءات وإشكالياتها نأخذ الزمان والمكان كوسيط للوقائع السردية المختلفة هنا، كونها موضع اتفاق المدونة النقدية كشرط فني مع توظيف مختلف من عمل لآخر، والأمر هنا إجرائي وحسب، حيث نميل إلى الترابط الذي قال به (باختين) وأطلق من خلاله مصطلحه الشهير (الزمكانية).


   في (موجيتوس) يحضر المكان خليطا من الماء واليابسة، ورغم غلبة اليابسة على الاستئثار بالحدث فإن توظيف البحر ورمزية اضطرابه، ومراوغته وغناه، ومخاتلته، وعدم الثبات يحيل إلى الشخصيات وصفاتها ومغامراتها واتجاهها للمجهول والغامض، وهو ما جعله رمزا للتطهر والعطاء، والنزوع للحرية، كما أن اليابسة تأتي متنوعة بين الأرض الثابتة المترامية والجزر المحاطة بالمياه والحصون الراسية، حتى إن تعدد الحصون بالاسم نفسه (فرانكسستوم) كمتوالية تتضخم ولا تتنوع في النتائج والمحصلات النهائية، لذا كان رمزا لتتابع الانتصارات وتشابهها، وكذلك السقوط على طريقة أحجار الدمينو، وهي عملية استنساخ أشبه بالمرايا التي لا تنتج تغييرا أو تنوّعا يحمي من التداعي الذي بدا حتميّا لأسباب عديدة، تشير في مجملها إلى غياب المؤسسي المنظم وتبرؤ الرسمي من تبني النتائج لحساباته الخاصة.


    وإذا ما كان البحر يبدو معادلا موضوعيا لماضي الشخصيات المضطرب، فإن اليابسة لم تكن لتقدم الجانب الثابت أمام مُتحوّل البحر وتوجهه، وبالتالي سعت المجموعة إلى التأكيد على بناء الحصون وما في ذلك من دلالات الخوف، والبحث عن الأمان، بالإضافة إلى رمزية القوة، ومع ذلك ظلّت بعض الشخصيات تتساءل عن الفارق بينهم وبين قُطّاع الطرق.


    وفي الجانب الآخر حيث (الزمن التأريخي) الذي يحمل إشارات لحقبة تاريخية معينة  يوهم بالواقعية كما هو حال الأسماء الخاصة بالمكان.


    يمكن تأوّل العمل الروائي (موجيتوس) في بعض وجوهه انطلاقا من كونه يسخر من الرسمي والمؤسسي والتأريخي محاولا إعادة صياغته على نحو مختلف ومن خلال استخدام الآليات نفسها، خروج عشرين رجلا لهدف الاستيلاء على صقلية والذي تضخّم للوصول إلى (روما) تحت سرديات كبرى مثل الجهاد وإنشاء كيانات كبرى ذات وحدة متماسكة.


    وتظهر عبثية الفعل بالرغم من تحقق انتصارات شخصية هنا وهناك كما أن تنازع الشخصيات في لحظات معينة وتنوع دوافعها الخفيّة يشير لوهم الوحدة.


    وإذا كانت المدوّنة التاريخية تشير إلى أن التأريخ يكتبه المنتصرون فإن الرواية تقول إن التاريخ يمكن أن يكتبه السرد ومن خلال التخييل الحكائي أو يعيد صياغته من وجهة نظر مغايرة مفسحا المجال للهامش ليزحف على المتن لهدمه.


    العمل يقوم في بعض جوانبه على السخرية من التأريخي "حقق الجميع أحلامهم وهي نفسها الأحلام التي تنهار كلما اقتربت من الكمال، فهل اكتمل شيء في حياة إنسان؟" ص23.


    وتعبر بنا الصورة نحو الفانتازي حيث التشّوه الإنساني الذي يخضعه لفلسفته باعتباره هبة من الله "جسد طفل ورأس عجوز كبير"، إذ يبدو محملا بالتاريخ، وعلاقة  ذلك بالحلم الذي ولد هرما، فيما ظن أبطاله أنه انتصار كامل.


    فيما تتشكل صورة العجائبي في ارتقاء بعض الشخصيات لقوس قزح هربا من العدو في لحظة حاسمة، حيث يحضر المتن الصوفي لدعم الحاجة الفنيّة القاضية باستمرارها بدلا من موتها الذي كان سيبدو مجانيّا.


    يومئ كل السرد إلى كل ما هو إنساني من قصص الحب وأشكال الحياة الأخرى، مقابل كل ما هو غير إنساني، حيث الحرب والموت وتمزق الأحلام، وتبرير القتل وشرعنة السطو أحيانا. إن ذلك الجراب الذي ظل يحمله (إبراهيم بن عامر) لذره فوق قبره ظل رمزا لمن يحمل الموت والوطن معا، ورمز مقتله على يد امرأة بعدما نثرت جرابه في البحر يشير إلى تبدد الحلم، حتى أنه بقي مقتولا في العراء دون قبر.


    لقد ظلت هذه الأحلام الشخصية مشروعة وستبقى كذلك، ولعل من القراءات التي يقترحها العمل الروائي هنا، هو أن اللحظات التاريخية ظلت تحمل بذور فنائها على نحو ما، وتغليف الأحلام هنا بقضايا كبرى، وتشكّل وسيلة (ميكافيلية) لبلوغ الغاية، ولكنها تؤول إلى ظهور المطامع وتقويض الفكرة، كما يقدّم السرد نفسه (هنا) بديلا للمدوّنة التأريخية، ويسعى لإعادة تشكيل المتن المتمثّل في السرديات الكبرى، ومن ثم ممارسة المحو وإعادة الكتابة طمعا لتأسيس وعي آخر مختلف.