هموم المسرح .. هموم علي الراعي

21/02/2016 - 9:14:05

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمود عبد الوهاب - كاتب مصري

    حصل الدكتور علي الراعي عام 1943 على ليسانس الآداب، وخلال سنوات دراسته الجامعية بقسم اللغة الإنجليزية درس الأدب الإنجليزي، ومقررات من الأدب الإغريقي والإيطالي والفرنسي والألماني. وفي عام 1951 سافر إلى إنجلترا في بعثة لدراسة الأدب المسرحي بكلية الأداب جامعة برمجنهام. لكى يكتب رسالة الدكتواره عن "الدراما عند برنارد شو".


    ولكي تكتمل رؤيته العامة للحياة استعدادا لأداء دوره كناقد نهل الراعي من منابع الثقافة المتعددة المتاحة في المكتبات العامة. كانت الظروف تهيئه كي يصبح واحدا من الصفوة المترفعة عن جماهير العامة.. تتعالى عليها بمعارفها الأكاديمية ومناصبها الجامعية وتضمر الاحتقار للغتها وآدابها. وكان من المرجح أن يصبح الدكتور الراعي أحد النقاد المبهورين بكل ما ينتجه الغرب من ألوان الدراما المسرحية.. الباحثين دائما في إبداعاته عن الأسرار العميقة حتى لو كانت عروضا تجسد إفلاس الغرب و أزمته الروحية.


    لكن الراعي الذي سجل صفحات من سيرته الذاتية في كتابه "هموم المسرح وهمومي" يقول إنه "بعد الدكتوراه استشعرت في نفسي القوة والقدرة على أن أتخذ لنفسي منهجا مستقلا في النقد المسرحي". فما ملامح هذا المنهج؟ ومن أين استمد عناصره؟


    يحتل المسرح عند الراعي قمة رفيعة تنأى به بعيدا عن منابر الهزل والميوعة العاطفية والوعظ الأخلاقي والتحريض السياسي، وترقى به إلى مستوى الاجتماعات الجماهيرية الثقافية والسياسية التى يتقرر فيها مصير الناس. إن المسارح عنده مصانع لبناء الإنسان وإضاءة روحه وعقله وتحديد مبادئه وآرائه في الحياة. وهو يرحب بالمسرح الذي يشيع البهجة ويسر العين ويضيف إلى ما يقدمه من ألوان الفكاهة شعاعا من نور. لكن يبقى هذا المستوى من العروض فى أدنى درجات ذلك الوجود العميق متعدد الأبعاد الذي يتحمس له ويحتشد له.. ذلك الوجود الذي تنفرج ستائره لتقدم للجمهور عروض التراجيديا والكوميديا والميلودراما والمسرح المرتجل والمسرح التسجيلي والمسرح الشامل.. إلخ.


    المسرح باعتباره عرضا حيا يتلقاه جمهور حي هو وحده القادر، عبر عروضه المتوالية، أن يحرر أفراد الجمهور من ذواتهم الصغيرة، وأن يعيدهم إلى حضن النهر الجماعي الدافق الذى تتجلى فيه بعض ملامح الذات الجماعية.


    لكي يقترب القارئ من إدراك عمق ما يكنه الراعي لأهمية الدور الاجتماعي والثقافي الذي يلعبه المسرح يكفي أن يعرف أنه يعتبر المسرح هو الحارس اليقظ في وجه كل ما يهدد الهوية وضد عدو مدجج بالسلاح يسعى لاجتثاث الأمة العربية، وضد محاولات غريبة لتهميش الوطن العربي وضد تيارات عربية تتعلق بالماضي تعلقا مرضيا وتدعو إلى عبادة الأسلاف.


والمسرح عنده معادلة تتكون من قطبين.. فن وجمهور


    فن يستهلم هموم الناس وآمالهم ويستشرف مستقبلهم ويبلور موقفا من النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي الذي يعيشونه. فن يحفز العقل ويضيء النفس. ولكي لا تطمس الحدود بين الفن والأهداف النبيلة يؤكد الراعي على ضرورة أن يكون الفن فنا أولا، وأن يقوم على قدميه ككائن يستحق الحياة لذاته، وليس بفضل ما يبثه من آراء ضد التمييز العنصري مثلا.


    نعم من واجب الفنان المسرحي أن يسعى للجماهير وأن يقدم عروضا تستلهمها، ولكن ذلك لا يعني أن يقف عند حدود ما تطلب، دون أن يتطلع لأن يكون رائدا لهم، إنه يبدأ من حضن الجماهير ثم يرتفع ويرفعها معه، وهي مهمة عسيرة تتطلب من الفنان الموهوب أن يسعى للوعي بأسرار الصنعة المسرحية.


    وأول أسرار الصنعة أن يقترب الفنان من جمهوره بتواضع ومحبة، وأن يحرص على معرفة تراثه، لا معرفة العلم بل معرفة تمرس وانطباع وانفعال. إن الفنان الكوميدي ـ مؤلفا وممثلا ومخرجا ـ ينبغي أن يدرس فنون الكوميديا الشعبية التي تتجلى في عروض الأرجواز وخيال الظل والحاوي والمهرج والمونولجست.. إلخ، لكي يدرك أسرار صناعة الموقف الكوميدي بكل ما تنطوي عليه من صراع ومفاجآت وتكنيك وحيل ومهارة.


    كيف يرى الفنان الكوميدي المعاصر صورة المهرج؟ هل يراه مخلوقا يتسول الضحكات من جمهوره بأكثر الوسائل ابتذالا؟


    هذا يعني أن حجابا من الغرور حرمه من رؤية ما يتميز به ذلك المهرج من ذكاء فطري وحيل لا تنفد، وقدرة على التغابي حينا والتذاكي حينا آخر، وفرح بالحياة لا يخبو، وميل للاندماج في أي لعبة، والتنكر وتقمص الشخصيات. من ملامح ذلك المهرج أبدع مؤلفو الكوميديا شخصية الخادم الذي يعمل في خدمة سيده العاشق: يدبر له المؤمرات كي يجمعه بمعشوقته.


    من الملامح نفسها نحت شارلي شابلن شخصية المتشرد الجوال الذي يعشق الطعام والنساء والفكاهة ويهوى تدبير المقالب، المحب للفقراء، والقادر على فضح حماقات الأغنياء والسخرية من غلظتهم، ولكن لماذا هذا الإصرار على حث الفنان المسرحي على الإحاطة بتراث شعبه وامتلاك أسرار الصنعة المسرحية؟ لكي يستطيع الفنان أن يوفر لجمهوره عنصرا يراه الراعي بالغ الأهمية هو ما يسميه عنصر الفرجة.


    إن فنا بلا جمهور ليس فنا على الإطلاق، إنه في أحسن الفروض تجربة في فراغ. ولكي يشاهد الجمهور ما يقدمه الفنان ينبغي أن يجد في فنه من عناصر الفرجة المسرحية ما يمتع حسه، وينعش عقله، ويغازل عواطفه ويحاور وجدانه، ويشعل خياله، ويثير حماسه، ويلمس أوجاعه. ولكي يتحقق هذا الهدف ويتحول الجمهور إلى جمهور مهتم ومنفعل وأقرب ما يكون لجمهور الدرجة الثالثة في ملاعب كرة القدم يؤكد علي الراعي على ضرورة الخروج من إطار المسرح المعتمد على الكلمة إلى المسرح الذي يجسد عروضه بالحوار والرقص والتمثيل الصامت والحركات البهلوانية والموسيقى والغناء، وضرورة الخروج من معمار المسرح الغربي إلى الساحات المفتوحة في الأجران والأسواق وأفنية المصانع والجامعات والمدارس.