مرآة الشرق .. كيف تبنى أوروبا أساطيرها عن الشرق

21/02/2016 - 9:13:04

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمود الغيطاني - كاتب مصري

    بما أن التاريخ دائما هو ما يرويه المنتصر؛ فإن هذه الروايات تغلب عليها وجهة نظره حتى لو كانت مخالفة تماما لمسار الأحداث التي وقعت؛ فلقد روى جميع كتاب أوروبا تاريخ العرب في الأندلس من خلال وجهة نظرهم التي تخصهم، والتي قد تختلف عن الواقع كثيرا، أو قليلا لكنها في النهاية تتسق مع رؤيتهم التي يرغبون في فرضها على الجميع ومن ثم الإيمان بها.


    ربما نلحظ وجهة النظر التي نتحدث عنها في كتاب "مرآة الشرق" الصادر عن "دار صفصافة"، والذي كان مجموعة من الأبحاث التي أشرفت عليها "آن دوبرا" أستاذة الأدب في جامعة السوربون، و"إيميلي بيشرو" الأستاذة الزائرة في أكثر من جامعة غربية، والمتخصصة في الدراسات التاريخية الإسبانو- فرنسية، حيث اهتم الكتاب بالعديد من الروايات التي كتبها كتاب غربيون حول العلاقة بين الغرب والشرق من خلال وجود العرب في الأندلس، أو حتى من خلال الدول العثمانية، ولعل أهمية هذا الكتاب تعود في الأساس إلى عدة اعتبارات؛ أهمها أن الحقبة التاريخية التي يتناولها غير مُوثقة في المكتبات العربية، ولأن العلاقات الأوروبية العربية قديمة قدم الأزل، ولأن البحر الأبيض المتوسط هو همزة الوصل بين الجانبين؛ ومن ثم فإن تاريخ سياسة الدول الأوروبية في المنطقة يُعد أحد أهم مصادر سياستها المعاصرة، حيث استفاد الأوروبيون من وثائق عربية تسرد وقائع تاريخية تم اكتشافها بمعجزة، فضلا عن شهادات سفراء عملوا في إِفريقيا، وأسرى عائدين من القسطنطينية، قدموا ما يستحق أن يُقرأ بل ويُخلد في كتب التاريخ.


    وتُعد مدينة "غرناطة" من أهم المدن الأوروبية التي يدور حولها الأدب الأوروبي، ومن ثم نشأة ما يراه هذا الأدب من أساطير يحاول نسجها حول الشرق من خلال وجهة نظره التي تخصه وحده، هذه الأساطير التي قد تبتعد قليلا عن الواقع المُعيش حينها، لكنه في النهاية خيال المنتصر الذي يفرض منطقه وقانونه على الجميع، فهي بحكم تاريخها؛ تُعد رمزا نموذجيا لمكان يعج بخليط من ثقافات مختلفة، ولذلك فإن دراسة "أسطورة غرناطة"، من خلال ثروتها الأدبية؛ ما هي إلا قراءة لمسار تاريخي لمدينة كانت على مدى قرون نقطة التقاء بين الشرق والغرب، كما يمكن القول كذلك إن غرناطة هي شعار البحر الأبيض المتوسط، وعلى الرغم من كونها مكانا لتبادل إنساني، ثقافي، وفني؛ فإن تلك المدينة الرومانية لم تتطور إلا في القرن الحادي عشر، حينما أصبحت عاصمة لإحدى الممالك المسيحية الإسبانية عقب سقوط الخلافة الإسلامية في "قرطبة"، وحينما انطلق الغزو المسيحي لتحرير "إسبانيا" من أيدي المسلمين؛ كانت "غرناطة" عاصمة لآخر مملكة إسلامية وكانت تحت حكم "بنو نصر"، أو "النصريون"، أو "بنو الأحمر"، وهم آخر سلالة إسلامية في الأندلس، وحكموا في الفترة من 1232 إلى 1492 ميلادية، وعقب ذلك التاريخ؛ لم تعد غرناطة جزءا من الخريطة "الجيوسياسية" للعالم الإسلامي، ولكنها حفرت لنفسها مكانا مميزا في الذاكرة التاريخية والأدبية، فبعدما كانت مدينة إسلامية، أندلسية ومورية نسبة إلى مورو (لفظ يُطلق على شعوب شمال إفريقيا السمراء، الذين اشتركوا مع المسلمين في غزو إسبانيا واستيطانها، ثم عمم الغرب استخدام الكلمة وأطلقها على كل مسلم في إسبانيا حتى لو كان إسباني الأصل)، أصبحت رمزا لانتصار مسيحي وإطار لخيالات روائية فرانكو عربية.


    وبعدما حاصر المسيحيون في غرناطة جميع المسلمين واليهود الذين يقطنونها، وأعملوا فيهم الكثير من التقتيل، والتهجير حيث هاجر عدد ضخم منهم إلى فرنسا بدأ كتاب أوروبا يكتبون الكثير من الأعمال الأدبية المهمة حول هؤلاء المسلمين الذين دحرهم المسيحيون وهجروهم من هذه الأرض، فتاريخ غرناطة، آخر عاصمة للعالم الإسلامي وأحد أهم معاقله الثقافية والعقائدية، كان ظاهرة عامة تم تناولها في قوالب أدبية خاصة من خلال الأدب الإسباني في "القرن الذهبي"، فظهر للوجود عدد كبير من النصوص الأدبية أُعيدت معالجتها وكتابتها بالفرنسية والإيطالية في القرون التالية، ويمكن القول إن مفتاح هذا الباب كان قصيدة "غزوة غرناطة" 1650 "لجيرولامو جرازياني"، التي فتحت شهية الفرنسيين للكتابة عن عرب ومسلمي إسبانيا، ورغم أن القصيدة نُشرت في فرنسا عام 1654؛ فإن ثناء ناشرها على أمجاد الإسبان وبطولاتهم في استعادة المدينة وحفاظه على الخصائص الملحمية للقصيدة، المُستمدة مما كتبه "تاسو" في "جيروزاليم حرة"، جعل من ذلك وتلك قواعد صارمة لا يمكن أن يحيد عنها كاتبو الملاحم الفرنسية، والكلام هنا "لدانيلا دالا فال"، وبهذا الشكل أيضا فرضت أسطورة غرناطة نفسها على قصص الحب والفروسية والرومانسية الحالمة عند الفرنسيين.


    أما في إسبانيا، وفي القرن الخامس عشر تحديدا، فقد كان موضوع غرناطة والعرب والمسلمين عموما سببا في ميلاد نوع جديد من الرواية، كان له دوره في تغيير رواية الفروسية برسمه صورة لمجتمع يظهر فيه "المورو" كأنهم الأمة الأكثر نقاء في العالم، وبفضل كثافة العلاقات الثقافية بين إسبانيا وفرنسا؛ انتقل ذلك الصنف الروائي من الأولى إلى الثانية، وكان هذا النوع مقروءا من قبل جمهور كبير في إسبانيا، وذلك مثل "تاريخ بنو سراج والجميلة جاريفا"، مجهولة المؤلف، التي تمت ترجمتها إلى الفرنسية مع رواية "ديانا" لمونتي مايور عام 1592، ثم أُعيدت ترجمتهما مرة أخرى بشكل منفصل عام 1603، ثم "حروب غرناطة الأهلية" التي ترجمت إلى الفرنسية عام 1608 بواسطة الشاعر الفرنسي "فورتان"، وأُعيدت معالجتها مرة أخرى عام 1683 بمعرفة "مدام دي لاروش جيلين"، وبعيدا عن الترجمة المباشرة؛ فإن الأعمال الإسبانية أوحت للكتاب الفرنسيين بالكثير من الكتابات، ففي عام 1623 كتب "ألبير كاموس" روايته "أوجين"، وفي عام 1637 كتب "جومبرفيل" روايته "بوليكساندر"، وفي عام 1670 كتبت "مدام دي لا فايت" روايتها "زايد"، وفي عام 1673 كتبت Mme de Villedieu روايتها "الغزل الغرناطي"، وهناك أعمال أخرى تمت ترجمتها ثم فرنستها بعد ذلك، أي ترجمة رواية إسبانية، وكتابة أخرى تشبهها بالفرنسية ولكن بشخصيات وأحداث تلائم المجتمع الفرنسي بشكل أكبر، ومثال هذه الأعمال: "إكليل الإخلاص" للفرنسي "لانسلو" 1620، وهي النسخة الفرنسية لـ:


 Historia deOsmin y Darache لمؤلفها  Mateo Aleman


و"قصة انفصال فاطيما وابن عمار" لمواطنته "كاترين برنار" 1696.


    ويؤكد الباحثون في هذا الكتاب أن الأوروبيين من خلال هذه الروايات والآداب التي كانوا يحاولون كتابتها إنما كانوا ينسجون تاريخهم الذي يرغبونه هم بعيدا عن الوقائع التاريخية التي حدثت، محاولين أن ينسجوا من خلال هذه الأعمال الأدبية أساطيرهم التي يرونها حول الشرق الذي كان قد اعتدى عليهم، ومن ثم فهم يحاولون مرة أخرى صياغة هذه العلاقة ولكن من خلال منظورهم عن الشرق، وليس من خلال الواقع والأحداث التاريخية التي سبق أن حدثت؛ ولذلك نرى المؤرخ الفرانكو إسباني "مارسيل باتايون" يقر أيضا بصعوبات فصل المُبهمات والوقائع غير الحقيقة عن تاريخ الأندلس، وذلك في خطاب أرسله لصديقه المؤرخ "أميركو كاسترو"، في لحظة تفكير في جهد بحثي قاد كاسترو إلى القول بأن تاريخ إسبانيا يُعد حالة خاصة وفريدة من نوعها، فهو "غامض وساحر، مأسوي ومثير للجدل، نموذجي ومثير للوجدان"، هذا فضلا عن كونه نقطة التقاء بين الثقافتين الشرقية والغربية؛ فيرد عليه مارسيل بقوله: "في الوقت الذي كنت أكتب فيه "إيراسموس وإسبانيا" كنت أعيش وهم الاعتقاد بأن التاريخ من الممكن أن يكون موضوعيا، وكان يبدو لي أن الغوص في الوثائق الأصلية سواء كتب، أو خطابات، أو محاضر قضائية أنني بذلك دخلت حياة أنصار "إيراسم" وخصومهم، ولكن منذ ما يقرب من اثني عشر عاما وتحديدا بعد قراءتي "لمقدمة في فلسفة التاريخ.. دراسة على حدود الموضوعية التاريخية" التي نال عليها رايمون آرون الباحث الفرنسي المعاصر درجة الدكتوراه عام 1938 بدأت آخذ في اعتباري تصاعديا أن رؤيتي لذلك الماضي كانت بوصاية بحاضرنا، وبوضعي في ذلك الحاضر؛ لذا يجب على كل باحث تجاوز الخوف والحب ليعترف كيف أنه استحوذ ذاتيا على موضوعه التاريخي، فنحن نعمل من أجل زمننا وطبقا لما يمليه علينا، وأخيرا ألا يُعد رفضنا رؤية الماضي بعدسة حاضرنا، قبولا لا شعوريا برؤيته بعدسات آبائنا وأجدادنا".


    من خلال كتاب "مرآة الشرق" الذي ترجمه عن الفرنسية محمد عبد الفتاح السباعي يتضح لنا أن العلاقة بين الشرق والغرب كانت مبنية في الأساس- حتى من خلال الكتابات الأدبية - على منطق المنتصر الذي يكتب التاريخ، ومن ثم استطاع هذا الأدب الذي اهتم بهذه الفترة التاريخية كتابة أسطورته الخاصة التي شكلت العلاقة بين الشرق والغرب.