غزل الأزواج فى الخليلة والحليلة

21/02/2016 - 9:12:04

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أحمد حسين الطماوى - كاتب مصرى

عند جمهرة الناس أو معظمهم أن الزوج بازاء زوجته يتمالك ولا يتهالك، ويتوازن ولا يتمايل، ويكف عواطفه قبل أن تجمح، ورائدهم فى هذا ، أن زمن تصابى الزوج بعد، والحب فتر ولم يعد يهيم الرجل هوى عرسه كذلك يعتقدون أن الزوج يكم فمه فلا يبدى إعجابه بمفاتنها ومحاسنها، ولا يظهر خشيته من تصرمها وإدبارها، والفكر الفاشى أنها ربة بيت مكنوفة برعاية زوجها، وهو وهى والأولاد سرب آمن.


ولكن هذا لا ينطبق على شعراء بثوا فى قصائدهم نسيبا وتشبيبا بزوجاتهم، وفى هذا ندرك أن الزوجات نبهن عواطف الشعراء ولون شعرهم فلم يعد الغزل يقال فى الحبيبة فحسب وإنما فى الحليلة أيضا: وقد يكون الغزل فى الزوجة حسيا واضحا يعكس إعجاب الرجل بملامح زوجته، فيذكر مفاتنها وهو فى حالة وهج ونشوة وهيام دون كلمات مبهمة، أو أسرار خافية.


وكثير من الشعراء طلقوا زوجاتهم ، وعبروا فى شعرهم عن كربهم ولفهم تنفيسا عما نابهم بعد الفراق.


والشعراء ليسوا كذابين فيما قالوه: لأن بين الأزواج مشاعر فياضة، تنطقهم برغائب النفوس، وهم فى الوصل والفصل، ففى الوصل تآلف خالص ينشر المسرات، وفى الفصل تتابع الحسرات وانقطاع الصلات بينهم وبين الحياة الصحيحة، وانثيال هذا وذاك فى شعرهم .


وقد يكذب الشاعر الغزلى إذا تغزل فى الخليلة، لأنها فى الغالب مجهولة ، فيكبر الصغائر، ويتغاضى عن القبائح، ولكنه يصدق إذا تغزل فى الحليلة لأنها معلومة ، ولا يغالى، ولكن لأنه شاعر فقد يجدى الخيال على شعره .


ومن هؤلاء الشعراء الذين تغزلوا فى زوجاتهم غزلا صريحا حسيا، عبدالسلام بن رغبان المعروف بـ“ديك الجن الحمصى”، فقد كان يعشق نصرانية اسمها “ورد” وأسلمت على يديه، وتزوجها، وجاء فى كتاب “الأغانى” للأصفهانى أنه قال فيها:


انظر إلى شمس القصور وبدرها


وإلى خزامها وبهجة زهرها


لم تبل عينك أبيضا فى أسود


جمع الجمال كوجهها فى شعرها


وردية الوجنات يختبر اسمها


من نعتها من لا يحيط بخبرها


وتمايلت فضحكت من أردافها


عجبا ولكنى بكيت لخصرها


تسقيك كأس مدامة من كفها


وردية ومدامة من ثعرها


فهى منظر بهيج أمامه ووجهها الأبيض وشعرها الأسود، كونا مشهدا جميلا لا مثيل له، حسب قوله، وخداها متوردان، وخمرها وردى، وثغرها وردى . وكل صفاتها مأخوذة من اسمها “ورد” ويزداد بها إعجابا إذا تمايلت أردافها، ولكنه يرثى لخصرها الذى لم يتناسب مع قوامها، وبإيجاز هو مشعشع الرأس بورودها التى تركت أثرا فيه، وفى شعره يذكر ثناياها اللؤلؤية، واللثا أو اللثة التى تشبه العقيق، وابتسامتها البارقة، وريقها الذى يشبه العسل، وفى هذا الاتجاه يقول حسان بن ثابت الصحابى الجليل، فى زوجته “الشعثاء”:


كأن فاها ثعب بارد


فى رصف تحت ظلال الغمام


والثعب : مسيل الوادى ، ورصف: مرصوف بالحجارة والمعنى أن فمها أو ريقها بارد مثل الماء الجارى على واد مرصوف تحت ظلال الغمام ، ويقول عنها أيضا:


هل هى إلا ظبية مطفل


مألفها السدر بنعفى برام


وبرام: اسم جبل ، والنعف: المنحدر من جبل، والسدر : شجر النبق، والمعنى أنها كالظبية التى لها صفير، وتقبع تحت الشجر فى منحدر الجبل، وتشبيهه امرأته بالظبية يعنى أنها جميلة رقيقة أنيسة، حنون، وإن جسمها منسرح، وعنقها طويل وطول الرقبة يضفى على المرأة جمالا، وهذا ما يقوله حسان عن زوجته المحصنة، وهو غزل يعرب عن احتفاله بجمالها، وكأنه يفاخر. بأوصافها الرائعة ، قال الشاعران ديك الجن وحسان دون أن يريا غضاضة فى هذا، أو يتوقع أحدهما لوما من أحد، وكل ما عناه كل واحد منهما هو ذكر أثر الجمال فى جذب الرجل للمرأة، وما قالاه هذا بمنزلة إعلان عن سعادتهما فى حياتيهما الزوجية، بل إنهما كشفا عن ذوقهما وأسلوبهما فى الحياة، وتوفيقهما فى اختيارهما للحسناوين كزوجتين ، وكأن كلا منهما يقول : لماذا أحرم نفسى من المرأة الجميلة؟ والحقيقة أن جمال المرأة يلطف الأجواء، ويخفف الآلام.


ومن الغزل الحسى الصريح ما جاء فى الأغانى عن زواج عبدالله بن جحش من امرأة اسمها “صهباء” وكانا يتبادلان الحب، فقال فى ليلة زفافه .


نعم الضجيج إذا النجوم تغورت


بالغور أولاها على أخراها


عذب مقبلها، وثير ردفها


عبل شواها ، طيب مجناها


صفراء يطويها الضجيع لجنبها


طى الحمالة لين مثناها


والشاعر يصف الفم بالعذوبة والردف بالنعومة ، وأطرافها بالامتلاء، ولأنها غضة طرية، لدنة الجسم ، لينة القد فإنه يسهل ثنيها، وهذا من التصوير الحركى ، وهى صفراء اللون، والأصفر من الألوان الفاتحة المريحة للنفس، ولا ينم صفار لونها على الهزال، بعد أن قال: “عبل شواها” أى أطرافها ممتلئة، وهو لون يظهر فى نسوة جميلات، وكان الشاعر تميم بن المعز لدين الله الفاطمى يهوى امرأة صفراء ، وملأ  ديوانه بحبها وأوصافها، وعبدالله بن جحش أعطانا صورة للحياة الزوجية الحافلة بالمسرات والجذل، دون أن يشعر بالخجل ، فقد مكن له الزواج فى التعبير الحر.


حب حتى الموت


على أن الزوج لا يصف أحلى ما فى زوجته فحسب، ويستلهم الفن من منظرها البهى فقط وإنما يعرب فى شعره عن تولهه بها، واستمساكه بوجودهما معا، ومما يحكيه داود الأنطاكى فى كتابة “تزيين الأسواق بتفصيل أخبار العشاق” أن واحدا من أولاد عبدالرحمن بن عوف رضى الله عنهما كان متزوجا من ابنة عمه، ولما ضاقت به الأحوال رأى أن يسير إلى الرصافة ليلقى الخليفة ، وكان مترددا . فحثته امرأته على أن يتم مهمته، وعندما اقترب من الرصافة “خطر ذكرها بقلبه، فلبث ساعة شبيها بالمغمى عليه، ثم أفاق، وقال للجمال أحبس ، فحبس، وأنشأ يقول:


بينما نحن من بلاكث فالقا..


ع سراعا، والعيس تهوى هويا


خطرت خطرة على القلب من ذكر


راك وهنا فما أطقت مضيا


قلت لبيك إذ عانى لك الشو


ق وللحادبين ردا المطيا


وصمم على العودة ولما أشرف على قدر ميل من بلدته، لقيه بعض بنى عمه، وأخبروه أن امرأته ماتت ، فشهق شهقة، وسقط عن ظهر البعير ميتا، فقد ماتت الزوجة حسرة وكمدا بعد أن استشعرت الوحشة وافتقاد الأليف، أما هو فلم يحتمل فراقها الأبدى فهوى صريعا، ويعدان من مصارع الأزواج العشاق.


من أدب الوداع


على أن فراق الزوجات ليس قاتلا فى كل الأحوال، ولكن له أثره فى النفوس، وعندما تفرض صروف الحياة رحيل الزوج، يتواجه الزوجان لحطة الفراق، وتتحدث العيون، وتئن القلوب، وتنطق الشفاه كلمات الوداع، وقد كان ابن دراج القسطلى الأندلسى كثير التنقل بين المدن الأندلسية لأن عمله يقضى بذلك، وفى قصيدة مدح بها المنصور بن أبى عامر، تناول فيها وداع زوجته وابن له يقول:


ولما تدانت للوداع وقد هفا


بصبرى منها أنة وزفير


تناشدنى عهد المودة والهوى


وفى المهد مبغوم النداء صغير


مبغوم: كلامه غير مفهوم، والزوجة هنا ، لحظة الوداع، اقتربت من زوجها وهى تحت تأثير الفراق، وجاشت عواطفها، وفاضت زفراتها وأظهرت حزنها الخفى، مما أثر فى الزوج، وأضعف من تجلده، وأخذت تذكره بعهد الهوى والوداد، وتناشده إلغاء الرحلة والبقاء معها ومع ابنها الصغير الذى لا يعرف من النطق سوى المناغاة إلى أن يقول:


وطار جناح الشوق بى وهفت بها


جوانح من ذعر الفراق تطير


لئن ودعت منى غيورا فإننى


على عزمتى من شجوها لغيور


ولم يكن الزوج أقل تأثرا من الزوجة وهذا الشعر من أدب الوداع، وهو كثير فى الشعر العربى، وتتصاعد فيه الشهقات، وتفيض الدمعات عند التشييع والرجوع . وقد عارض ابن دراج بقصيدته هذه قصيدة أبى نواس التى يقول فيها:


تقول التى من بيتها خف محملى


عزيز علينا أن نراك تسير


عتاب


ولا يخلو الزواج من العتاب، وهو من لوازم الحياة الزوجية، ولأن الزوج حساس، وسيد الموقف، فإنه لا يتقبل كل أفعال وأقوال الطرف الآخر دون أن يكون له عليها ملاحظات، أوله فيها قول وعتاب، لتصفية الخلاف، وبخاصة إذا شعر طرف أن الآخر داخله فتور،  أو أن العلائق بينهما مهددة بالقطيعة ، وكان محمد بن بشير الخارجى ، قد تزوج من ابنة عمه، فاستخفت به. واستخدمته فى أعمالها، ولما ضاق بها خلا فى البيت وترنم بشعر تسمعه:


تثاقلت إن كنت ابن عم نكحته


فملت وقد يشفى ذوو الرأى بالعذل


فإنك لا تتركى بعض ما أرى


تنازعك أخرى كالقرينة فى الحبل


تلزك ما استطاعت إذا كان قسمها


كقسمك حقا فى التلاد وفى البعل


والعذل: اللوم، تلزك: تلازمك، والخارجى عاتب زوجته ولامها على سوء معاملته ، وذكر لها فى غنائه وهو يرفع صوته لتسمع، أنها إذا داومت على المعاملة البغيضة، فإنه سيأتى بزوجة تنازعها وتلازمها.


وتقتسمه معها، وهو شىء ثقيل على المرأة، وكان هذا العتاب كافيا لتغير أسلوبها فى المعاملة، والعتاب يؤدى فى أحوال كثيرة إلى الصلاح والسماح والوفاق.


الغيرة والشك


والغيرة إذ تخالج الزوج تسلبه هدوءه واسترخاءه ، ولأنه يغار من شخص آخر على زوجته، فإنه يعتقد أن ذلك الرجل يكمن فيه ما يفتقده ، فيتفتت، ويطامن من أنفته ، وتطوف بذهنه أوهام لم تكن فى باله من قبل، وتتمشى فى قلبه فتخلخله ، وتتجول فى رأسه فتشل فكره، ويسترخص الحياة، وإذا لم ينقذه اليقين فإنه يتقوض ويتداعى، وأصقاع الحياة مسارح مرفوعة الأستار، وملائمة للرجال والنساء لينظر بعضهم بعضا، وتتفتح للرجل الوسيم . والمرأة الفاخرة، وما أسرع إشارة شخص لآخر، إن لم يكن بالإصبع فبنظر العين، فإذا لمح الزوج ذلك، اشتعلت الغيرة فى قلبه، وساوره الشك، وحدث أن العجير السلولى كان يصحب زوجته إلى الحج، ولاحظها وهى ترمق فتى من بعد وتكلمه فقال فيها:


أيا رب لا تغفر لعثمة ذنبها


وإن لم يعاقبها العجير فعاقب


إشارت وعقد الله بينى وبينها


إلى راكب من دونه ألف راكب


حرام عليك الحج لا تقربنه


إذا حان حج المسلمات التوائب


ويبدو أن العجير رجل طيب، فاستعان عليها بالله، وأخفض من شأنها، ووضعها بهذا الشعر موضع احتقار الناس.


الخلفاء والزواج


كان لسعة صدر بعض الخلفاء، ومقدار علمهم بالعشق وتباريحه يتدخلون لصالح الأحباب، وتزويجهم ممن أحبوهم وشغفوا بهم ، ولم يكونوا معزولين عن الرعية، ومما جاء فى كتاب “ذم الهوى” لابن الجوزى، أن أعرابيا عشق ابنة عمه وراح يخطبها فطلب أبوها أربعة آلاف من الدنانير، ولما كان الأعرابى لا يملك هذا المال ذهب إلى الخليفة عبدالملك بن مروان، وأنشد مجموعة من الأبيات، حكى فيها حكايته ثم قال:


لو كنت أملك مالا وأحيط به


أعطيتهم ألف قنطار من الذهب


فأمنن علىَّ أمير المؤمنين بها


واجمع بها شمل هذا البائس العزب


فضحك عبد الملك ، وأمر له بأربعة آلاف وقال : اصدقها هذه وأربعة آلاف قال: أولم بهذه (أى أقم بها وليمة) وأربعة آلاف قال: اقتن هذه ، رحم الله عبدالملك لقد تأثر فوهب، وحكايات العاشقين مع الخلفاء مدونة فى كتب التراث .


وهذا الشعر يعكس الحياة الواقعية الاجتماعية لشعراء عاشوا فى أجواء الحضارة والبداوة وهو مرآة لحياتهم وبيئاتهم وعصورهم. ويشعرنا أنهم كانوا يعيشون فى حرية، وقد أحاط هذا الشعر بمختلف ألوان الحب.


وفى سنة 1978 جرى سجال أدبى بينى وبين الدكتور محمد رجب البيومى (رحمه الله) حول قصيدة “بانت سعاد” لكعب بن زهير ، وذهب الدكتور إلى أن الغزل يقال فى الحبيبة وليس فى الحليلة ، ورأيت أنه يقال فى الاثنتين.