التباسات في المصطلح التشكيلي العربي

21/02/2016 - 9:10:49

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

شاكر لعيبي - شاعر وأكاديمى عراقى مقيم بين سويسرا وتونس

التشخيص والتجريد والتمثيل


يبدو لي أن هناك حاجة اليوم قبل أي يوم مضى لإعادة فحص مفهومي التشخيص والتجريد على مستوى الفن التشكيلي خاصة، والانتباه إلى مصطلح "التمثيل" الضروري بينهما.


    في الثقافة العربية الحالية ثمة ارتباك صغير يتعلق بمفهوم (التجريد) نفسه، رغم أن الفكر المسيطر في الثقافة العربية طيلة تاريخها هو فكر تجريدي محض، ميتافيزيقي، يبدأ بتجريد مطلق، نهائي لفكرة الربوبية، ولا ينتهي بتجليات هذا الفكر في الفن التشكيلي السائد في المنطقة، المنحنى بشكل جوهري على ممارسات التجريد الأرفع في النقش والرقش والزخرفة التي لم تفعل سوى تحويل العناصر الكونية إلى أشكال صافية.


في الفلسفة يتعلق التجريد (abstraction) ببناء أو فصل بعض عناصر شيء (objet) من الأشياء، أو بتمثيل يقوم به الفكر من أجل اكتناه الخصائص المشتركة الموجودة في موضوع أو في شيء. نُظِر إلى الفكر التجريدي ببعض الريبة بسبب سعيه للابتعاد عن الواقع العياني الملموس. في العلوم الحديثة يعتبر التجريد واحدا من الخواص الثمينة لإدراك الظواهر العامة.


    في علم النفس يشير الفكر التجريدي إلى الكفاءة الذهنية، ويصير برهانا على حضور نسق التتبع التجريدي لدى شخص ما، لكن أيضا برهانا على تطويع المفاهيم في عملية الاستدلال العقلي.


    أما في الفن التشكيلي فإن التجريد يحيل إلى (الفنون التجريدية) بالطبع، وقد طلع من أنساق جمالية معبِّرة أو (تعبيرية) وليس من أنساق (تمثيلية). يشكل هَجْر التمثيل (représentation) حجر الأساس في فهم الفن التجريدي. لا يقيم النقد العربي، ولا أكاديميات الفنون الجميلة في العالم العربي بالا كبيرا لهذا المفهوم بالغ الأهمية. ألا ترى قلة مستخدميه من النقاد وطلبة الفنون عند حديثهم عن الفن؟


    لنقل أيضا كلمة عن معنى التمثيل. إنه يشير اشتقاقيا إلى فعل إعادة الموضعة للشيء (objet) أمام عيون الآخرين. في البدء يبدو وكأن التمثيل في الفن فعل من أفعال التقديم présentation أي إحضار الغائب، كرسي مثلا، شرط المعرفة المسبقة بهذا الغائب. عندما أرسم صورة للكرسي فإنني أستحضر الكرسي المعروف الغائب. من هنا فالتمثيل يمكن أن يعني "إعادة تقديم" وهو ما يشير إليه الاشتقاق اللاتيني المتكون من (re) التي تفيد التكرار، الاستعادة ثم الفعل يقدِّم présenter (بالإنجليزية present) لنحصل على re-presentation . إن وظيفة التوكيل أو الإنابة اللصيقة بعملية التمثيل تميل إلى جعل التمثيل بديلا مألوفا للشيء الممثَّل له. هذا الأصل اللاتيني ظل حاضرا في معنى التمثيل لكنه يختلف بهذا القدر وذاك حسب السياقات التي يشتغل بها. في الاستخدام المألوف فإن التمثيل هو (الصورة) التي نقيمها للعالم أو هو العالم الموضوع أمام أعيننا عبر لوحة، منحوتة، فوتوغرافيا أو حتى عبر قصيدة. لكن التمثيل يُوصف من وجهة فلسفية بأنه فكرة غير مكتملة ومؤقتة حول حقيقة شيء معين. وقع تصور مفهوم التمثيل في أسطورة الكهف الأفلاطونية التي تتحدث عن نظرية المعرفة. التمثيل مفهوم أساسي لدى شوبنهاور الذي يتابع ويطور كانط، كما أنه قد استخدم ليسائل شرعية المعايير القياسية للعلم الحديث. إن تمثيل العالم مرتبط بالشرح العلمي لميكانيكية الكون في كليته.


    لنلاحظ أخيرا أن التمثيل لصيق بهواجس الذات المُمثِّلَة وشجونها، ذلك أنه من الصحيح أن الإنابة (لوحة لكرسي تنوب عن الكرسي الحقيقي) تشكل جوهر التمثيل، لكنه صحيح تماما أن من يقوم بالإنابة لا يقوم سوى بتقديم ذاته أثناء التمثيل (لوحة الكرسي نفسه تختلف بين الفنانين اختلافا كبيرا حسب هواجسهم وأساليبهم ومفاهيمهم عن العالم: الكرسي في هذه الحالة).


    الواقع المرئي المعروف هو مرجعية التمثيل، وهو المرجع الصريح للفن التشخيصي.


الرسم والتصوير والجرافيك


    يبدو أن الالتباس في الكتابات التشكيلية العربية، المشرقية خاصة، يضرب مفهوميْ الرسم والتصوير، ثم الجرافيك الذي هو غالبا نوع من الرسم على أي حال. إننا نستخدم اليوم كلمة الرسام لتعني المصوّر والرسّام في آن واحد، ونستخدم الرسم ليعني التصويرَ في أغلب الحالات.


    أترجمُ بمفردة الرسم الكلمتين: الإنجليزية drawing والفرنسية dessin. وأترجم بمصطلح التصوير المفردتين: الإنجليزية painting والفرنسية peinture .


أما التصوير فهو مواد ملوِّنة، من أصول عضوية غالبا، تُستخدم لتغطية سطح أو شيء أو غير ذلك. يشير المصطلح إذنْ في المقام الأول إلى المواد عينها ثم طريقة ممارستها. يمكن تعريب المفردة بثقة إلى "صباغة" أو "دِهان". وهنا لا يوجد عند الوهلة الأولى فارقٌ جوهريّ في الفرنسية بين من يصبغ الحيطان ومن يُنجز عملا فنيا، فكلاهما صبّاغ «peintre» إلا إذا حدّدنا وقلنا: فنان ـ صباغ أو صباغ حيطان. في الحالة الأولى نستخدم مصطلح الصباغة بمعنى فنيّ جماليّ معقد يزاوج بين هذا النشاط وفاعلية الرسم والتكوين المتوازن وما إلى ذلك من المعارف والتقنيات والحساسيات. كانت الألوان الزيتية والألوان المائية هي الوسائط الأساسية للصباغة الجمالية: التصوير. ويبدو أن الخاصية الأساسية للتصوير هي إدراك وتمثيل الكثافة 


lintensite 


لأن كل نقطة فيما نسميه الفضاء لها كثافة مختلفة يمكن أن تصبَغ بالأسود أو الأبيض وما بينهما من الدرجات الرمادية. يصدق ذلك على الخليط الذي يقدمه التصوير للأشكال المتراكبة مع سطوح ذات الكثافات المختلفة. التصوير إذنْ ألوانٌ، مواد ملوِّنة توضع على سطح تصويري. 


    أما الرسم فهو تمثيل للأشياء على السطح بوسائل جرافيكية مثل الأقلام والفرشاة وغيرها. إنه تقنية لإعادة تقديم الأشخاص والمناظر والحاجيات ببعدين اثنين جوهريا هما الطول والعرض طالما أن العمق هو وَهْمٌ بصريّ في العمل المرسوم. الخاصية الأساسية للرسم أنه ينشغل بتقديم الحدود الخارجية للأشياء contours (بالإنجليزية outline) حتى لو استخدم الألوان بشكل مبدع. من المثير رؤية أن أصل الكلمة اللاتيني يضرب، وصولا إلى القرن السابع عشر، في معنى النية، النوايا، والمشروع المُنْتَوى.


    لعلنا لا نجانب الصواب لو عرّفنا الرسم على أنه أثرٌ على سطح. فإنني أستطيع القيام به مستخدما قلما يختط أشكاله على سطح الورقة، فحمة على لوح خشبي، مسمارا يختط أشكاله على جص الحائط.. إلخ.


    يقع أحد الفوارق بين التصوير والرسم في أننا نتحدث عن الرسم عندما يظل الحدّ الخارجي "الأثر أو جرة القلم أو الفرشاة" للشخوص ظاهرا للعيان مقارنة بالأعمال التي تهيمن عليها الضربات اللونية الملوّنة المتداخلة أو المسطحة.


    لكن الرسم نوعٌ من الكتابة وله علاقة داخلية مع الأصل الاشتقاقي لمفردة الجرافيك اليونانية. الفنون الجرافيكية هي تلك التي تستخدم الرسم، وفيها نقدّم السطوح والأجساد وغيرها. في أصلها اليوناني تعني المفردة جراف graphe وجرافي استخدام إشارات مُختطّة على سطح للتعبير عن أفكار معينة، بينما يشير الفعل جرافين graphein إلى فعل الكتابة كأن الرسم هو كتابة، وكأنه أثر على سطح خاصةً بدليل أن كلمةً مثل الفوتوغرافي تتضمن هذا الجرافي عينه: نحن هنا نكتب بالضوء، ثمة أثر  الضوء الواقع على ورقة حسّاسة. وهكذا كان يُسمّى التصوير الفوتوغرافي يوم ولادته: الرسم بالضوء.


    فنون الجرافيك هي الرسم مُداوَرة: لا أرسم مباشرة على السطح إنما أرسم ـ على البرنيق مُزِيْحا إيّاه ـ أو أحفر رسمي الأصلي بوسائل يدوية ـ الخشب مثلا أو مادة اللينو ـ ثم أستخرج من المحفور يدويا، أو كيميائا بالأحماض، نسخة أخرى. العمل الأخير هو رسمي المنقول على السطح بطريقة غير مباشرة. إذا كان الجرافيك ملوَّنا فلن يتغير من الأمر شيءٌ: بدلا من الحبر الأسود أستخدم الأحبار الملوَّنة. الأنواع الأخرى من الجرافيك تستحق كلمة أخرى لا مجال لها.


الفضاء أم الحيّز؟


    يطرح استخدام مصطلح الفضاء في النقد التشكيلي العربي مشكلة في الوقت الذي يريد فيه تحديد تخوم نقدية صارمة.


    المفردة كما نعلم ترجمة حرفية لكلمة معروفة في الإنجليزية والفرنسية. تُستخدم في الفن بمعنى اصطلاحي محدد. وهي تُقال في جميع المعارف الأخرى بمعانٍ مجازية أو حقيقية، فالفضاء يمكن أن يعني الامتداد اللانهائي الذي يطوي كل شيء، وفي علم النفس هو تمثيل ذلك الامتداد، وهو أيضا المسافة بين نقطتين وشيئين، وهو في الفلسفة أحد شكلين صافيين للحدس المرهف بينما الزمن هو الشكل الثاني. وقد يعني الفضاء المهلة في الزمن. ثم أنه قد يشير إلى الامتداد في الكون أي الوسط الواقع خارج الأرض. وفي الرياضيات مجموعة مزوّدة ببنية. وقد يعني استعاريا سطحا أو موقعا مشغولا بنشاط مخصوص كأن نتحدث عن فضاء أخضر أو فضاء إعلاني، أو نتحدث بطريقة مجازية عن فضاء أدبي وفضاء سياسي. وفي الصف الطباعي يعني الفضاء تلك المساحة بين حرفين مصفوفين.


    لكن الفضاء في الفن التشكيلي مصطلح دقيق يشير إلى عمل ذي أبعاد محددة، وليس إلى أي بعد بالمطلق. لا توجد في الفنون كتلٌ متناهية الأبعاد ولا ينبغي بالتالي استخدامه بمعنى مجازي. لا نعرف لوحة تمتد في "الفضاء الخارجي" ولا منحوتة تطال القمر. العمل الفني محدّد بالطول والعرض والعمق حسب طبيعته. لذا يمكن القول إن الفضاء هو كتلة "أو حجم" مشغول بشيء ما. سمح استخدام المنظور في فن الرسم منذ عصر النهضة بتقديم حجوم الأشياء وكثافتها أي الفضاء نفسه. الفضاء التصويري ليس كل فضاء مجازي وليس فقط عموم مساحة اللوحة.


    إن الاستخدام المفرط للفضاء في النقد التشكيلي أو الأدبي العربي ملتبس قليلا ويتكلم أحيانا عن كل المساحة التي يشغلها عمل من الأعمال، وحتى المساحة الفارغة يحسبها فضاء تشكيليا. وهو بذلك لا يختلف إلا بالدرجة عن الاستخدام المفرط للمفردة في بلدان المغرب العربي الذي يذهب كل مذهب.


    المشكلة الأكبر هي الالتباس في فهم الفضاء بوصفه "مكانا". في ترجمته لكتاب جاستون باشلار يقترح الراحل غالب هلسا التعبير "جماليات المكان". تثير ترجمة مصطلح الفضاء بالمكان الإشكاليات، لأن باشلار يتحدث عما يُترجم الآن على نطاق واسع بالفضاء، أي الكتلة التي تطوي شيئا محددا. والأخير في الفن مصطلح يشير إلى الحيّز ثلاثيّ الأبعاد بالمقام الرئيسي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المكان ليس سوى جزء من الفضاء، بقعة ما فيه وليس كله. وجوار  (شعرية الفضاء) L`esthétique de l`espace، نتحدث اليوم عن (شعرية المكان)La poétique des lieux المتعلقة حصريا بالأماكن.


قد يكون (الحيّز) خير مُقترَح عربيّ تشكيليّ لمفردة الفضاء، بسبب الحمولة الدلالية الثانوية التي يثيرها الفضاء في ذهن المتلقي العربي عادةً كأن يكون فضاءً لا متناهيا، أو الفضاء الخارجيّ أو ما إلى ذلك من الفضاءات المشار إليها. ذهب الجرجاني في كتابه التعريفات إلى أن "الحيز عند المتكلمين هو الفراغ المتوهّم الذي يشغله شيء ممتد كالجسم أو غير ممتد كالجوهر الفرد"، وهو تعريف أقرب للكتلة إذا منحنا المتوهّم معنى المتخيَّل. وذهب آخرون إلى أن "الحيِّز غير المكان، فالحيز هو الفراغ المتوهم مع غير اعتبار حصول الجسم فيه أو عدمه، والمكان هو الفراغ المتوهم مع اعتبار حصول الجسم فيه"، كأنهم يعنون بحصول الجسم فيه أنه بقعة في الحيز.


    إذا لم يَدْخل أو لن يَدْخل في القاموس النقدي مقترَح "الحيز" تعبيرا عن الفضاء، فلأن الأخير يظل من الخطأ الشائع، ولأن المفردة ترنُّ، حسبما نرى، بشعرية أقرب إلى الإطلاقية المحبّبة إلى الذائقة العربية.