مسرحية « سيد الوقت » .. نص ينتصر للرؤى الثورية الرحبة

21/02/2016 - 8:48:55

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

وفاء كمالو - ناقدة مصرية

    أنتج مسرح الغد في القاهرة عرض "سيد الوقت"، للشاعر الكبير فريد أبو سعدة، الذى كتب نصا مسكونا بغواية الجمال والاكتمال، أما المخرج فهو الفنان المتميز ناصر عبد المنعم فامتلك أقصى درجات الحرية، ليبوح ويروى، ويمزق الأقنعة، ويكشف بشاعة الحقيقة المراوغة.


    ومثلت المسرحية مصر في الدورة الثامنة من مهرجان المسرح العربى بالكويت، والذى نظمته الهيئة العربية للمسرح برعاية الشيخ سلطان القاسمي (10 ـ 16 يناير 2016). كان مسرح "كيفان" الذي عرضت عليه المسرحية، فقير الإمكانات والتقنيات، غير مجهز بالشكل الفنى اللائق، وشهدت مواقع التواصل الاجتماعى حالة من التساؤلات عن سبب اختيار هذا المسرح للعرض المصرى، ورغم ذلك أثارت مسرحية "سيد الوقت" ردود فعل عارمة، وعاش فريق العمل والوفد المصرى، لحظة ذهبية نادرة، حين اختلطت دموع الفنانين مع هتافات الجمهور، من المصريين والعرب، وهم يرددون من قلوبهم، "تحيا مصر".


    كانت المسرحية حالة فنية رفيعة المستوى، خرجت عن السياق المألوف، لتصبح وثيقة إبداعية تاريخية، وجزءا من ذاكرة الأمة، وضمير الشعب، فنحن نعيش عصر ثقافة التخلف وصناعة الجهل، وأصبح علينا أن نحاسب الماضى ونعاقبه، نقرأ تاريخ الوطن، ونعرف أسرار شخصية مصر.


    قبض فريد أبو سعدة على جمرات الفن النارية، وكتب نصا شديد الثراء والدلالة، يكشف عن كيان ثقافى مبهر، مسكون بالوعى والإبداع، فقد كانت المواجهة ساخنة صادمة، ومدهشة، تحمل فى أعماقها بكارة فنية مراوغة، لامست خطايا الواقع ومجون الحقيقة، لترسم أبعاد إدانة صارخة لوجود قمعى مستحيل، يصادر الفكر وينفى الاختلاف، يرى الفلسفة سفها، والمنطق زندقة، والتفكير كفرا وعصيانا، يبيح القتل ويسفك الدم، ويهزم إرادة الإنسان، وتظل الإيقاعات تمتد من الماضى إلى الحاضر، لتشتبك بقوة مع ملامح زمننا الوحشى، المسكون بالقسوة الداعرة، والشرور الآثمة، وآهات الأحلام الهاربة إلى حضيض الحياة.


    يمتلك المؤلف وعيا حادا بالواقع والتاريخ والفن، حيث تأخذنا الكتابة إلى عالم مسكون بالمعرفة، يضعنا فى قلب صراعات الواقع عبر حالة إبداعية تموج بالتوتر المثير، الذى يرتكز على الفعل الدرامى المتدفق، ويتصاعد إلى تلك المنطقة الذهبية الواضحة، ليتجاوز صمت الكائن، ويفجر عذاباته الضاغطة، فقد تناول، فريد أبو سعدة حياة الفيلسوف الإشراقى شهاب الدين السهروردي، وطرحها بأسلوب درامى مثير، توقف أمام اللحظة التراجيدية المؤسفة، لنصبح أمام سقوط مدو للواقع العربى الذى يموج بالإرهاب الفكرى، وتزييف جوهر الدين، ليفتح مسارات القتل والدم والغياب.


    كان الفيلسوف الشاب شافعى المذهب، ولد فى سهرورد، غربي إيران، سافر إلى حلب وترددت أصداء فكره الإنسانى الرحب، قرأ كتب الدين والحكمة، وأصبح من كبار المتصوفة فى زمانه، ومن أفقه علماء عصره فى أمور الدين والفلسفة والمنطق، ويعد مؤسسا للفكر الفلسفى الإشراقى، له العديد من المؤلفات القيمة التى تدعو إلى الوصول للمعرفة عن طريق الكشف الروحانى، ويذكر أنه جمع بين عدة توجهات فلسفية من اليونان ومصر وغيرهما كنماذج توضح فلسفته، وقد عرف عنه عدم الاقتناع بالمصادر، وكذلك بأسلوب التفكير الذاتى والنفسى، وقد جاء فى كتب التراث الإسلامى أن السهروردى كان جامعا للفنون الفلسفية، بارعا فى الأصول الفلكية، مفرط الذكاء، جيد الفطرة، فصيح العبارة، غزير العلم، يمتلك عبقرية فائقة فى المناظرات.


    تتصاعد الأحداث بقوة عبر وقائع الصداقة العارمة، التى ربطت السهروردى بالأمير الشاب، أمير حلب وملكها القادم، ابن القائد صلاح الدين الأيوبى، حيث دخل الفتى الشاب عالم الفلسفة الرحب، وأصبح تلميذا مطيعا لأستاذه الفيلسوف الثائر. وفى هذا السياق اتخذ فقهاء السنة موقفا معارضا مخيفا، نسبوا إلى السهروردى تهمة فساد العقيدة، وأوهموا صلاح الدين الأيوبى أنه يفتن ابنه الشاب، بالكفر والخروج عن الدين. وحين جلس الفيلسوف الشافعى مع الفقهاء السنة ليناظرهم، اشتعلت نيران الفتنة، كتبوا محاضر بكفره، وأرسلوها لصلاح الدين، الذى بعث إلى ولده فى حلب، كتابا فى حقه بخط القاضى الفاضل، يؤكد فيه على ضرورة قتل الفيلسوف، وأنه لا سبيل إلى العفو عنه، أو إطلاق سراحه، ولا مجال لأن يبقى على وجه الأرض بأى شكل من الأشكال.


    هكذا تتبلور الأزمة، ويصبح على الأمير أن يقتل صديقه، وأستاذه ومعلمه، وتتخذ الإيقاعات مسارا تراجيديا، مأساويا مؤسفا، تناوله المخرج برشاقة شاعرية عارمة وضعتنا فى مواجهة جنون المستحيل، فقد حكموا على السهروردى بالإعدام بتهمة الإلحاد والزندقة، وأصبح على الأمير الشاب أن ينحاز إلى السلطة، وكرسى العرش، وينسى مراهنات الصبا، وأحلام الحرية.


    كانت الحالة المسرحية تشع بالرونق والبهاء، فقد اتجه المخرج ناصر عبد المنعم إلى العزف النارى على الأعصاب العارية، فاشتبك بحرارة مع وقائع وجودنا، وجاء وعيه الجمالى كانطلاقات ثائرة، امتزج فيها الفكر بالدهشة، والسحر بالمعرفة، لنصبح أمام منظومة تشكيلية، وحركية خلاقة، مسكونة بالمفاهيم الحداثية للمسرح، من حيث الإيقاع ومستويات الصراع، وتقاطعات الزمان والمكان، واندفاعات الفعل والأحداث، ورغم حساسية الرؤى المطروحة، إلا أن جماليات لغة الإخراج، وخصوصية مفرداته ورشاقة ايقاعاته، قد أخذتنا إلى مسارات ناعمة، تضافرت فيها التقنيات الدالة مع خطوط الحركة والضوء، والرقص والأداء، لتتبلور تلك الحالة التى منحت المتلقى مسارا للتفكير الواعى.


    كان التشكيل السينوغرافى هو قصيدة رومانسية شاعرية، وحشية مبهرة، الأبيض والأسود على بانوهات اليمين واليسار، يبعثان حالة رمادية ضبابية، مسكونة بالتساؤلات، الستائر البيضاء الناعمة تشاغب حالة الفيض والعشق، التى يبعثها الرسم الرشيق للراقص المولوى، وهو يدور ويحتضن الدنيا التشكيل الجمالى للقائد صلاح الدين الأيوبى، يتحول إلى مفارقة درامية ساخنة، نراه فى العمق كتابا ضخما بلا ملامح واضحة، فيبعث وجوده موجات من التسلط والقهر والاستبداد، والدلالة تمتد من الماضى البعيد إلى قلب الحاضر فى عالمنا العربى، وعبر تضافر الضوء الدرامى المدهش مع سحر الموسيقى والغناء، يأخذنا منظور الإخراج إلى ذلك الشاب الصغير، ابن زمننا المعاصر، نراه مطاردا معذبا بمعرفته، يلقى كتب فرج فودة، ونصر أبو زيد.. الدم يتأرجح بين الأوراق، وهذه المدينة تمطر دماء، وفى هذا الإطار نعود مع الفتى إلى الماضى، لنتعرف على تفاصيل البدايات.


    من المعروف تاريخيا أن صلاح الدين الأيوبى كان قائدا عظيما حرر القدس، وهزم الصليبيين، لكنه كان حاكما مستبدا، أحادى الرؤية، لا يعترف بالجدل والفكر والفلسفة، حارب الدولة الفاطمية فى مصر، واتجه وزيره، بهاء الدين قراقوش، إلى الحرق والقتل والتدمير، حرق مكتبة دار الحكمة، هدم مجموعة من الأهرام، ليبنى القلعة، أحرق المسلمين الشيعة فى المساجد، وهدم كل قصور الفاطميين لذلك لم يكن غريبا على صلاح الدين أن يأمر ابنه أمير حلب بنفى كل الفلاسفة والزنادقة، وبأن يقتل السهروردى بيديه.. وإلا فلن يكون ملكا.


    تمتد الأحداث وتتصاعد فى اتجاه الجموح، ونتعرف على أمير حلب وهو يعانق العاهرة اللعوب "وردة" التى تقوده بلا وعى إلى عالم السهروردى، حيث الوصل والعشق ونور النور، وتظل الحالة المسرحية تموج بجماليات لغة الإخراج، المسكونة بالرؤى الثورية الإنسانية الرحبة، ويعايش المتلقى لحظات تجاوزت حدود الجمال المألوف، حيث يأتى مشهد لقاء الفيلسوف بالأئمة، والأمير، ليبعث طاقات من الوعى والحرية، وحقيقة الاستبداد، فالسهروردى يؤكد للأئمة أنهم يقدسون منهجا واحدا، يدرسون المذهب الذى يرضاه السلطان، يقتلون عقول الناس، ويجبرونهم على الإيمان بعقيدة السلطان، بينما هو يبحث عن الحقيقة الكلية، وليس وجها واحدا من وجوهها، وهكذا يتضافر الضوء مع الغناء والكوريوجرافيا، وتتبلور أبعاد المحنة، فالمدن يحكمها الظلم، ومن يملكون الأرض يخسرون الملكوت، ويظل الفيلسوف القوى باحثا عن الوصل والعشق، يواجه العالم برؤاه، ويؤكد أن الشريعة باقية بالتأويل، وليس بالتفسير، وأن ربط التفكير بالتكفير، هو ردة وظلام واستبداد.


    تأتى اللحظة المأساوية الفارقة ويعلم السهروردى، أن السلطان يراه أخطر على الإسلام من الصليبيين، ويعيش الفتى الأمير أبعاد عذاب أسطورى، مخيف، يطلب من الفيلسوف أن يأخذه، ليطيرا معا، تلك الحالة التى تنطلق عبر أداء صوفى خلاب، حيث الخلفيات والسماء والوجود، والحركة الدائرية، والموسيقى السحرية، وفى هذا السياق يكشف مشهد النهاية عن لغة إخراجية رفيعة المستوى، تلامس حقيقة الصراع النارى الذى يعيشه الأمير الظاهر، حين يندفع بقوة إلى تنفيذ حكم الإعدام فى السهروردى، وتظل يداه ملوثتين بالدم الأبدى، الذى لا تغسله كل بحار الدنيا، بينما يأخذه تيار المشاعر إلى حافة الجنون، ويشتبك الضوء مع الظلام والموسيقى، ليضع الرقص الروحى الجميل حدا لمأساة السقوط.


    رغم اختلاف المصادر فى طبيعة مقتل السهروردى، إلا أننا نعلم أنه قتل بأمر من صلاح الدين، وبيد ابنه، الظاهر، ويبقى أن هذه التجربة، هى قطعة من الوهج والإرادة، يجب أن يشاهدها الناس فى عالمنا العربى.


    شارك فى المسرحية وائل إبراهيم، تامر نبيل، معتز السويفى، صلاح السيسى، محمود الزيات، سامية عاطف، حسن عبدالله، وحازم عبد القادر. كان الديكور لنادية المليجى، والتصميم الحركى لرجوى، حامد، والرؤية الموسيقية لشريف الوسيمى.