محطة كهرومائية فوق جبل عتاقة عزف على أوتار مشروع قديم

21/02/2016 - 8:47:54

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصرى

عندما طالعت خبرا في صحيفة "الأهرام" (28 نوفمبر 2015) عنوانه ("سد عالي" جديد بجبل عتاقة) تذكرت على الفور أن الإعلان الأول عن هذا المشروع ظهر قبل أكثر قليلا من نصف قرن، وأن هذا المشروع ليس وحده ما فاتنا تنفيذه بمصر من مشاريع كبرى في القرن العشرين، فقد أفلتت منا فرص الانضمام لمجموعة الدول النووية ولمنتدى دول غزو الفضاء ولتجمع النمور الاقتصادية. وبالإعلان عن إحياء مشروع المحطة الكهرومائية في عتاقة، الذي ستنفذه شركة صينية وبتمويل صيني! وما سبقه من ازدواج تاريخي لقناة السويس، وما سوف يجيء من مشروعات عملاقة، تعود مصر إلى موقعها الطبيعي في ركب الحضارة والتقدم، ولعل هذا العود يكون عودا أحمد.


تتلخص فكرة المحطة الكهرومائية المزمع إنشاؤها أعلى جبل عتاقة، وكما جاء في الخبر، في إنشاء محطة ضخ عملاقة عند سفح جبل عتاقة وعلى الشاطئ الغربي لخليج السويس، حيث تقوم هذه المحطة باستغلال فائض الطاقة الكهربية في غير ساعات ذروة استهلاكها، لضخ كميات هائلة من مياه البحر الأحمر إلى خزان عملاق عند قمة الجبل، وكما هو معروف علميا... فإن تساقط المياه من مستوى عال إلى آخر منخفض، يمكن أن يستغل لإدارة توربين مائي يرتبط بمولد كهربي، ومن ثم توليد طاقة كهربية إثر سقوط الماء على ريش التوربين. إن هذه الفكرة هي نفسها المستخدمة في توليد الكهرباء جراء تصريف بعض المياه المحتجزة خلف السدود وفي الشلالات، والتي تتدفق من بحيرة التخزين وعبر بوابات تقوم عند مداخل أنفاق، حيث تصرف هذه البوابات مقننات محددة من المياه إلى مجري النهر أمام جسم السد، ومن خلال ريش توربينات مائية، ليتحول الشطر الأكبر من طاقة وضع  المياه الساقطة على ريش هذه التوربينات إلى طاقة حركة، بينما يتبدد المتبقي من هذه الطاقة في هيئة مفقودات تعبر عنها كفاءة مكونات المحطة من توربينات ومولدات كهربية وما يفقد من طاقة نتيجة الاحتكاك وبعض الأسباب الأخرى، والمعنى قبلا بطاقة الوضع هو الطاقة التي يكتسبها الجسم عند ارتفاع معين من سطح الأرض جراء الجاذبية الأرضية، بينما يقصد بطاقة الحركة الطاقة الناشئة عن تحرك الأجسام أو دورانها بسرعة معينة.


تكشف مراجعة قوانين علم ميكانيكا الموائع، أن القدرة المتولدة في المحطات الكهرومائية نتيجة سقوط كمية من المياه من ارتفاع معين على ريش توربين مائي، أنها تساوي – وبوحدات الحصان الميكانيكي أو الكيلووات - حاصل ضرب كل من: معدل تدفق المياه – الارتفاع المتمثل في المسافة الرأسية بين منسوب المياه في خزان السد (أو المحطة) وريش التوربين – كفاءة تحويل طاقة وضع المياه إلى شغل ميكانيكي (يعبر عنه دوران عمود التوربين وبالتالى عمود المولد الكهربي) ومعامل التحويل من وحدات معدل الشغل الميكانيكي إلى وحدات القدرة. ولما كانت دراسة أنماط استهلاك الطاقة الكهربية في المناطق الحضرية والصناعية، تظهر من خلال رصد ذلك الاستهلاك طوال ساعات اليوم وعلى مدار العام بأكمله، أن هناك فترات يبلغ فيها استهلاك الطاقة الذروة، ومنها ساعات المساء، فيما بعد الغروب وحتى قرابة منتصف الليل، وأن هناك فترات أخرى يتضاءل فيها استهلاك الطاقة الكهربية حتى يبلغ قيما دنيا، ومنها الفترة بين الثانية صباحا وشروق الشمس، فإن تخزين جزء من الطاقة الكهربية خلال فترات تضاؤل الاستهلاك، يمكن أن يعد من الحلول الناجعة لتوفية الاستهلاك الفائق في ساعات الذروة، وهو ما لجأت إليه دول متقدمة عدة بإنشائها محطات كهرومائية على الأنهار والمرتفعات والشلالات.


عند عقد مقارنة بين محطة كهرومائية وأخري حرارية تعمل بالبترول أو بالفحم، وذلك في حالة المفاضلة بينهما للعمل في فترة ذروة استهلاك الطاقة الكهربية، فإن هذه المقارنة سوف تطرح الفروق أو المزايا التالية: أن ثمن وحدة الكيلووات المنتجة في المحطة الكهرومائية يعادل 28 بالمئة (أي ما يقرب من ثلث) تكلفة إنتاجها في المحطات الحرارية – الاستجابة السريعة للمحطات الكهرومائية في تغطية الأحمال المطلوبة مقارنة بفترة الإعداد الكبيرة التي تستغرقها المحطات الحرارية - القدرات الفائقة للمحطات الكهرومائية مقارنة بمحدودية المتاح من قدرات المحطات الحرارية، إضافة إلى طول عمر المحطات الكهرومائية إذا ما أخذ في الاعتبار العمر القصير للمحطات الحرارية، لكل ذلك ولغيره.... بفضل العلماء والخبراء اختيار المحطات الكهرومائية لمساندة الشبكات الكهربية في فترة ذروة الأحمال.


المشروع القديم


لم تكن مشكلة قصور مصادر الطاقة الكهربية بمصر عن توفية الاحتياجات في ساعات الذروة قصرا علي أيامنا هذه فقط، حيث تضرب جذور المشكلة بعيدا في تاريخ مصر مع استخدام الطاقة الكهربية، ولقد توجت مصر جهودها لحل هذه المشكلة في الستينيات بإضافة محطة جديدة لتوليد الكهرباء في خزان أسوان، الذي أنشئ عام 1902 لتخزين مليار متر مكعب من المياه، مما رفع من القدرة المنتجة بواسطة محطة توربينات الخزان إلى 225 ميجاوات.


وقد ولدت فكرة إنشاء محطة كهرومائية فوق جبل عتاقة في ثنايا الحديث الذي أدلى به الزعيم جمال عبد الناصر عند افتتاحه لمحطة خزان أسوان الكهرومائية، حيث قال: "لا أريد أن نترك نقطة مياه تسقط من مناطق مرتفعة يمكن الاستفادة بها في توليد الكهرباء... ولا نستغلها" (بدأت الأبحاث لتوليد الكهرباء من جبل عتاقة بالسويس: آخر ساعة، العدد 1605،  28 يوليو1965)، ومع بداية عام 1965 خرجت عدة بعثات من وزارة القوى الكهربائية والهيئة العامة لكهربة الجمهورية تجوب أصقاع مصر بحثا عن مناطق تصلح كمساقط مائية لتوليد الكهرباء، قبل ذلك وفي مايو 1964 كانت الأبحاث التي يجريها فريق من الخبراء المصريين والألمان لمشروع توليد الكهرباء من منخفض القطارة قد أوشكت على الانتهاء، في ذلك المشروع الحلم الذي تبدد كغيره من الأحلام، تمثلت فكرة توليد الكهرباء في استغلال الفرق بين مستوى البحر الأبيض المتوسط وقاع المنخفض الذي يتراوح عمقه بين 60 مترا و134 مترا تحت سطح البحر، لتوليد الكهرباء بإسقاط مياه البحر الأبيض – المنقولة عبر خطوط الأنابيب – من هذا الارتفاع الشاهق علي توربينات تقام عند قاع المنخفض، وقد توقفت البعثات – المشار إليها قبلاً – عند ثلاثة مواقع تصلح لإقامة محطة كهرومائية لمواجهة أحمال الذروة.


كانت المواقع كما يلي: جبل محافظة بني سويف – تلال المقطم في شرق القاهرة وجبل عتاقة قرب السويس. وعندما طرحت فكرة استغلال كل من جبل بني سويف وتلال المقطم جانبا لأسباب فنية، وتم إرجاء مشروع منخفض القطارة لإجراء مزيد من الأبحاث والدراسات، لم يتبق أمام خبراء وزارة القوى الكهربية سوى موقع جبل عتاقة، الذي توجهت إليه بعثة تكونت من أربعة من كبار مهندسي الوزارة واثنين من الخبراء الألمان العاملين في مشروع منخفض القطارة، استقل الفريق طائرة مروحية حملته إلى قمة جبل عتاقة التي ترتفع لقرابة 470 مترا فوق سطح مياه خليج السويس، هناك عثر الخبراء الستة على منطقة يبلغ طولها قرابة أربعة كيلومترات، ويقدر عرضها بحوالي كيلومتر واحد، ليتفقوا جميعا على أنها أصلح الأماكن لبناء الخزان المطلوب للمحطة الكهرومائية المزمع إنشاؤها (المرجع السابق).


إن خزانا كهذا تبلغ سعته قرابة مليونين من الأمتار المكعبة من المياه، سوف يستغرق ملؤه بمياه خليج السويس، التي ترفعها إليه محطة مضخات عملاقة عند شاطئ الخليج عبر خط أنابيب، قرابة ثمانية عشر ساعة، فإذا ما أسقط هذا الحجم الهائل من المياه – خلال ست ساعات وعبر خط آخر للأنابيب – على ريش التوربينات المائية القائمة عند سفح الجبل وقبالة شاطئ الخليج، فإن الحسابات تتوقع أن تنتج التوربينات قدرا من الطاقة خلال الساعات الست يقدر بحوالي 360 ألف كيلووات، وبما يعني أن يبلغ الإنتاج السنوي من الطاقة للمحطة المقترحة حوالي 74 مليون كيلوات من الكهرباء، يتم استخدامها لمواجهة حالات التحميل الحرجة على الشبكة الكهربية خلال ساعات الذروة.


فارق وحيد


لم يكتب لمشروع محطة جبل عتاقة الكهرومائية – ولا لغيره من مشروعات طموحة أشرت إليها هنا – رؤية النور، وقد كان مقدرا له أن يستغرق تحضيره وتنفيذه خمس سنوات، ولسنا هنا في موقف مناقشة أسباب ذلك، ولكن القراءة المتأنية لما نشر في "الأهرام" مؤخرا عن مشروع المحطة الكهرومائية المزمع إنشاؤها فوق جبل عتاقة، سوف تكشف أن وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة قد أحيت المشروع القديم لتلك المحطة، حيث يتفق المشروعان الجديد والقديم في جميع التفاصيل الفنية، بالرغم من اختلاف القدرة المستهدفة بالمشروعين، إلا أن الفارق الوحيد بين المشروعين، يتمثل في التكلفة المقدرة لكل منهما، فبينما كانت الدراسات تتوقع أن تبلغ تكلفة إنشاء مشروع الستينيات حوالي ستين مليون جنيه، فإن تقدير تكلفة المشروع الذي تحدثت عنه "الأهرام" ارتفع إلي ملياري دولار!