أزمة الشعر.. مأزق عرضي أم طريق إلى الزوال

21/02/2016 - 8:46:36

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمود قرني - شاعر مصري

    يبدو أنني كنت في حاجة إلى المزيد من التأني في صوغ ذلك السؤال "المرتبك" الذي وجهْتُه نيابة عن مجلة الهلال ورئيس تحريرها الروائي سعد القرش لعدد من شعرائنا ونقادنا التماسا لشيء من المعرفة شبه النسبية لأزمة الشعر في أيامنا.


    فقد كانت بعض الردود علي السؤال، على أهميتها القصوى، سجالية، بدرجة بدت معها بعض المفاهيم التي سعى السؤال للنقاش حولها وكأنها انتقاص من القيمة التاريخية للشعر، وهذا لم يكن جزءا من هاجس السؤال كما لم يكن أحد مراميه. فقد كان السؤال منذ عنوانه يدور حول "الأنساق المضادة لذاتها" بالمعنى الذي يشير إلى إشكاليات موضوعية تتعلق بالشعر نفسه ثم إشكاليات ذاتية تتعلق بالشعراء أنفسهم. فالحديث عن أزمة الشعر لا يعني غيابه أو هزيمته. والحديث عن دور الشعراء ضد مجتمعاتهم في بعض الأحوال لم يكن يستهدف الإدانة الأخلاقية. وأذكر أنني استمعت إلى دفاعات مستميتة من نقاد وشعراء كلما جرى الحديث عن هذه الأزمة رغم أنني عندما تحدثت عن دفاع الشاعر عن اللامساواة وعن نكوصه عن التطور، مثالا، كنت أقصد هؤلاء الذين دافعوا عن الكهانة وعن أشكال شعرية بالية ضد قيم التطور وهو ما دفعهم في بعض الحالات إلى التحالف مع تيارات محافظة بل مع أنظمة سياسية قامعة وقاهرة دفاعا عن امتيازاتهم.


   هذا حدث عبر تاريخ الشعر العربي من غير شاعر وفي غير زمن. ويقيني أن الشعر ليس نظاما سياسيا يحتاج لمداحين وأنصار، ولا هو عمل تقني يحتاج لنقابة تحتمي تقاليده المهنية، الشعر هو مفهوم الإنسان لذاته وللعالم، من ثم فهوعقيدة من نوع ما. ومن هنا أيضا فإن البشر جميعا سينتصرون له عندما يعترف لهم بوجودهم. غير أن ما يتبدى على أنه اختلاف في الرؤى هو بطبيعة الحال إثراء مهم لهذا النقاش، حيث كنت مضطرا لمعالجة السؤال في ورقة مستقلة ربما كانت قادرة على إزالة ما التبس من سؤال هذا الاستطلاع. وهنا أبدأ بنص السؤال:


    "لا شك أن الشعر، على المستوى الإنساني ربما، يواجه مصيرا صعبا بصورة لم يكن يتوقعها أكثر الناس تشاؤما. فثمة أطروحات تتمسح في المدنية الحديثة هدفها مقاومة ذلك الهاجس الرعوي ابن الطبيعة البدائية في نفوس الشعراء في لحظة لن يسمح لها رجال العلم ورجال السياسة أن تسرف في تعظيم الحدوس الناقمة والناقدة لعالم مابعد الحداثة وبصيغة أدق عالم ما بعد العولمة. وهو ربما صراع قديم بدأ عندما طلب إلى جوته أن يقدم تعريفا جازما ومختصرا للمجتمع الراقي؛ ليقول من فوره: "المجتمع الراقي هو ذلك المجتمع الذي يستحيل على الشعر أن يعيش فيه". من هنا تبدو مشكلة الشعر متحصلة في أنه لم يختر أبدا الطبقة الراقية التي تحدث عنها جوته، والتي نعتها بودلير بأنها تقدس الجهل والغائط في آن.


    الآن ثمة مشكلة أخرى تتحصل في حلول السرد محل الشعر وهي حقيقة دامغة بكل أسف لكنها ليست وليدة اليوم ولا تمثل اكتشافا يدعونا لمصمصة الشفاه على طريقة المصريين.


    لقد كان ذلك يعني فشل الشعر في إعادة إنتاج السرديات التاريخية الكبرى بعد أن اتجه لتكريس التهكم والسخرية والتفسخ والانتهازية بعاطفة متهتكة ومتميعة. ولا شك أن تضخم الحاسة السردية التي تمسك بها هذا النوع من الشعر ساعد في إضعاف الوعي التاريخي وعمق طابع المنفعة، وكان ذلك يعني بطريقة أخرى الإعلاء من شأن اللغة التحليلية الوظيفية.


    في العالم العربي ثمة أسئلة أخرى يمكنها أن تمثل شواغل تبدو أكثر معقولية، وربما لن نغادر تلك المعقولية إذا ما تساءلنا: لماذا لم يسهم الشاعر العربي والشعر معه في إنجاز الثورة المجتمعية؟ ولماذا يقف الشاعر نفسه، في نهاية المطاف، ضد حق مجتمعه وإنسانه في التطور كلما واصل صعوده وتحول إلى سلطة. فهل يليق بالشاعر أن يتحول كلية إلى الدفاع عن اللا مساواة، وإلى احتقار التطور كقيمة إنسانية ومجتمعية؟! ولماذا تذهب الدعوة إلى التجاور والتنوع أدراج الرياح؟ ولماذا يتبدى الواقع الذي تستجيب القصيدة لحاجته معاديا لها، هل لأن معاني التحرر التي تنطوي عليها الشعرية الحديثة أكثر اتساعا من حاجة الواقع الذي تُكتب فيه، وهل تبدو حريتها فائضة عن حاجة مستهلكيها؟!