عن الشعر .. وحماقاته

21/02/2016 - 8:45:03

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمود قرني

   ذات مرة، ربما قبل قرنين من الزمان، طلب إلى جوته أن يقدم تعريفا جازما ومختصرا للمجتمع الراقي؛ فقال على الفور: "إنه ذلك المجتمع الذي يستحيل على الشعر أن يعيش فيه". في الحقيقة لم يكن جوته يقصد أن يقلل من شأن البنايات الضخمة التي تكرس الحس الإمبراطوري الساحق، ولا العلاقات الشائنة التي تكفلت بتعميق جلافتها مفاهيم المنفعة في أقصي صورها حيوانية. كل ما فعله جوته أنه بدلا من أن يختار المكان المناسب لإقامة الشعر؛ اختار المكان الذي نجح في جَعْلِ الشعر مطاردا، وجَعْلِ الشاعر مطرودا.


     الدلالة الأولى لهذا الحمق الذي يثير الحسد؛ ربما تجسدت في مفهوم جوته للشعر باعتباره كائنا شيطانيا يتخلق بعيدا عن نظر الآلهة، أقصد الآلهة الجديدة التي تم تصنيعها في حاضنات البراجماتية وإمبراطوريتها مترامية الأطراف. ربما لذلك اختار جوته أن يتحدث إلى الماضي كشقي خرج لتوه من أسطورة مضللة، تبحث سحر الخليقة وسطوع حقيقتها.


    وربما، بالحمق نفسه، اختار الأحفاد الحياة على حافة الألم، رغم أنهم يتحدثون بشموخ اليائسين إلي رفقائهم في هذا العراء الإنساني، عبر تلك التقطيبات الساخرة المتجهة إلى جماهير من الحمقى لا زالوا متشبثين بتعميق مذلتهم.


    لقد كانت الخطيئة الأولى للشعر تتمثل في إقامته حول صخرة تتناسل كل يوم هي صخرة المعرفة، من هنا توقدت جمرة القلق المنضد بالرفض، وعدم الامتثال، والبحث المؤرق عن الاكتمال. فالشعر لا يتعامل مع المعطيات البديهية باعتبارها عناصر الوجود النهائية، لأن المعرفة بالوجود ستظل دائما في طور الاكتمال، فهي إذن من بواعث افتراض النقص الدائم، وهو ربما الدافع الأعظم وراء الخلخلة وعدم الاستقرار والانخلاع الدائم مما حذر منه النِفَّري: "العلم المستقر هو الجهل المستقر".


    تبدو مشكلة الشعر متحصلة بأنه لم يختر أبدا الطبقة الراقية التي تحدث عنها جوته، ونعتها بودلير بأنها تقدس الجهل والغائط في آن. ولم يكن ذلك المهد سوى مصادفة صعبة يمتد عمرها بعمر الزمان، كموقف ناقد للكثير من الزيف، لاسيما في مواجهة المدينة الحديثة ومجتمعها الراقي، ونجاحهما في أن يجعلا من الشاعر ثورا "هوميريا"، وأن يدفعاه أبدا للبحث عن "إيثاكا" المستحيلة.


***


    في كل الأحوال يبدو أننا نعترف بنصف الحقيقة، لاسيما عندما نحاول تجاهل الأزمة بنسيانها لا بمناقشتها. وقد أسعدني الحظ بحضور ندوة موسعة بمهرجان أصيلة خلال شهر أغسطس 2015 انعقدت تحت عنوان "حالة الشعر والشعراء اليوم". الورقة التي وضعتها الشاعرة المغربية "إكرام عبدي" أشارت بوضوح وبغير وضوح إلى حلول السرد محل الشعر، وهو تصور أثار فزع كثيرين خلتهم يهزلون عندما دافعوا باستماتة عن أن الشعر باق، وكأن من يقولون بهذا يدافعون عن غيابه. حلول السرد محل الشعر في كثير من فجوات وعينا حقيقة دامغة بكل أسف لكنها ليست وليدة اليوم ولا تمثل اكتشافا يدعونا لمصمصة الشفاه على طريقة المصريين. لقد كانت الورقة تعني بوضوح فشل الشعر في إعادة إنتاج السرديات التاريخية الكبرى. هذه المفارقة تتبدى بشكل جلي في نموذجين شعريين رأى أولهما أن تاريخ المعرفة الشعرية أو الحدسية، إن شئنا الدقة، يمثل وحدة متصلة وليست منفصلة في الصراع الإنساني وهو ما دفع هذا التيار للانحياز إلى الفهم الكلي للعالم، في المقابل رأى ثانيهما أن الفردانية والذاتية والسرود اليومية مهرب للشعر، لأن الشعر لا يعني أحدا غير الشاعر، وهؤلاء هم من رسخوا للتهكم والسخرية والتفسخ والانتهازية بعاطفة متهتكة ومتميعة.


    ولا شك أن تضخم الحاسة السردية التي تمسك بها هذا النوع من الشعر ساعد في إضعاف الوعي التاريخي وعمق طابع المنفعة، وكان ذلك يعني بطريقة أخرى الإعلاء من شأن اللغة التحليلية الوظيفية أو "السردية" إن شئنا الدقة، في مقابل احتقار الطاقات التأويلية للغة / أية لغة، من هنا رأى هذا التيار أن فكرة الشاعر الخالق تبدو تمثيلا لقيمة سلبية، هذا، رغم أن تاريخ الشعر يؤكد أن الفارق الجوهري بين الشاعر وغيره هو أن الشاعر يعتبر "الشعر ذاكرة، ذاكرة للكثافة المفقودة" كما يدلنا" ايف بنفوا". هذه التعقيدات ربما دفعت مدرسي النقد إلى الاسترسال حد الإسراف في طرح أسئلة مثيرة للسخرية حول خطر الغموض الشعري، كأن هؤلاء يعتبرون  مهمتهم الوحيدة جعل الشعر مفهوما.


***


    كان أخطر ما واجه الشاعر الحديث عزلته المجتمعية بعد أن كان مخولا بامتلاك الصكوك الروحية التي تمنحها القوة المجتمعية لشاعرها، لذلك وفي ظل زمن جديد لتبادل المنفعة يمكننا أن نتفهم لماذا تثير قصيدة شعرية تقزز الساسة ورجال المال والمحافظين، الباحثين عن منتجعات للراحة، بعيدا عن الضجيج غير المحتمل لكائنات، ستظل في نظرهم، حالمة وضالة. فهل كان رجال المال يدافعون عن هذا السلوك السلطوي والمتعالي عندما وصموا الشعر بالتخلف؛ باعتباره يتغذى على الطفولة البشرية، ويعيد إنتاج الرعوية في إطار شبقٍ ميتافيزيقي للعدالة والحرية؟!


    من الموقع نفسه يتبادر السؤال: لماذا لم يسهم الشاعر العربي والشعر معه في إنجاز الثورة المجتمعية؟ ولماذا يقف الشاعر نفسه، في نهاية المطاف، ضد حق مجتمعه وإنسانه في التطور؟ الأشكال الشعرية البطريركية شاهد على ما أقول، فهي بمخيالها القديم وبتكريسها للماضي لم تكن سوى الوجه الآخر لأنظمة الحكم بكل تراتبيتها واستبدادها. فكما حافظ السياسي على موقعه بإطاحة آلاف الرؤوس، حافظ الشاعر على موقعه بعقده صفقة دائمة مع المنتصر. فهل يليق بالشاعر أن يتحول كلية إلى الدفاع عن اللا مساواة، وإلى احتقار التطور كقيمة إنسانية ومجتمعية؟! ولماذا تذهب الدعوة إلى التجاور والتنوع أدراج الرياح؟ هل لأن النقد العربي أسرف على نفسه – كما يقول إحسان عباس – في تقييد الشعر، بالدعوة المسرفة إلي مراعاة المقام واللياقة، ودعم روح الاعتدال، وعدم الإيغال في الاستعارة والخيال إجمالا.. والإعلاء من مقام اللفظ على المعنى والشكل على المضمون؟ ولماذا يتبدى الواقع الذي تستجيب القصيدة لحاجته معاديا لها، هل لأن معاني التحرر التي تنطوي عليها الشعرية الحديثة أكثر اتساعا من حاجة الواقع الذي تُكتب فيه، وهل تبدو حريتها فائضة عن حاجة مستهلكيها؟! لا أتحدث بالطبع عن صواب النص الشعري أو خطئه، فالنص الشعري لا يملك خطأ ولا صوابا، لكنني أتحدث عن قوة غاشمة تخلق أنساقا مجتمعية مضادة ومناهضة لذاتها.


***


    أتذكر الآن شعارا رائعا دشن به جيل السبعينيات في مصر مشروعه الشعري، يقول الشعار: «إن الشعر ليست مهمته تقديم وتبنى خطابات الثورة، الشعر هو صانع الثورة وفاعلها». وعلى ما يحمله هذا التصور من رومانسية تعكسها الثقة المطلقة فى قدرة الشعر على تغيير العالم، فإن الحقيقة التي شهدها ويشهدها العالم بعد انهيار الدولة القومية تقول إن خطابات العولمة واحتفاؤها بما بعد التاريخ تعني خروج الشعر من دائرة الفن إلى دائرة الهلاوس المرضية. ورغم  نزوع العولمة إلي إقرار حقوق الأقليات وتعميم المساواة بين المراكز والأطراف، إلا أن هذه المعاني ظلت رهن خطاب النخبة الغربية ولم تغادر أدبياته إلى أرض الواقع، لذلك ظلت الثقافة التمييزية بين الشمال والجنوب هي العنوان الحقيقي لدولة ما بعد الحداثة. إن العولمة هنا تولد من رحم ما بعد التاريخ  أي أنها تنكر القيمة الرمزية للماضي، لذلك فإنها تكرس النمط الاستهلاكي للثقافة ومن ثم فهي تخرج الفنون من كونها إنتاجا معرفيّا إلى كونها مادة قابلة للتسليع. ومن ثم لا بد للشاعر أن يكون أكثر تكيفا أعني أكثر قبولا للتنميط. فهل سيقبل الشعر أن يكون مادة رخيصة للتسلية وتزجية الوقت في رحلات الطرق السريعة ومطاعم الوجبات الجاهزة؟ إنني أدعو الغيورين على الشعر إلي التمهل في الإجابة.