الشاعر العربي يكتب وبين أصابعه رقباء أنكى من جوبلز

21/02/2016 - 8:43:04

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

خيري منصور - شاعر وكاتب عربي مقيم بالأردن

    ثمة من الأسئلة ما يتجاوز الفضول المعرفي لأنه مشحون من داخله بالمساءلة ببعديها الثقافي والأخلاقي، ومنها هذا السؤال الذي يستأهل إجابة تتخطى المساحة المخصصة مئات المرات، فالشعر منذ بشّر رعاة العولمة بالقطعنة والامتثال يراوح بين الاعتقاد بجدواه وتهميشه لصالح الضرورة على حساب الحرية.


    القطيعة ممتدة بين المرسل والمرسل إليه في هذا الشجن العريق والمزمن، حاول أبو تمام اختزالها في ثنائية الفهم وعدمه كمعادل لثنائية السيف والقلم، فالسيف هو الأصدق إنباء، وهناك ظاهرة في شعرنا العربي تستحق الحفر بعيدا عن التوصيف المشهدي، هي تسفيه دور الشعر، سواء كما عبّر عنه المتنبي في كون لسانه من الشعراء أما فؤاده فهو من الملوك، أو ما قاله شعراء معاصرون وهم يفاضلون بين الكلمة والفعل، لهذا فاغتراب الشعر بمعناه الوجودي العميق وليس تبعا لتعريفاته الموروثة أشبه بقدر، ففي الحراكات العربية التي أعلنت العصيان على الاستنقاع السياسي وما يطفو عليه من طحالب الثقافة لم يجد الناس شعارا شعريا لحراكهم غير بيت واحد من قصيدة الشابّي إذا الشعب يوما أراد الحياة، وكأن كل ما كُتب منذ عدة عقود هي عمر الحداثة العربية لم يصل إلى الوجدان الشعبي، والأرجح أن هناك خللا ما في معظم ما نتداوله حول الشعر فهو مثقل منذ بواكيره في الصحراء بحمولة من الوظائف ينوء بها لأنه نادرا ما كتب لذاته وهجرته من القبيلة إلى الحزب أو الدولة أو الأيديولوجيا كانت بمثابة محاولات للتأقلم.


    ربما لهذا السبب عوملت حتى الثورة باعتبارها ممدوحا، وكذلك السّلطة، ذلك لأن مجتمعات تعيش في هذه الألفية حقبة ما قبل الدولة لم تفرز من صلبها وعلى نحو عضوي سياقاتها السياسية والقانونية والثقافية، لأن هذه السياقات وهي أقانيم التطور تتساقط عند أول اختبار وما يفوز عليها هو العرف وشعر النقائض وأدبيات داحس والغبراء والبسوس.


    لم يسقط الشعر سهوا من أيامنا التي ربما كانت الأعجف في تاريخنا، وما حدث هو إسقاطه لأنه المرادف لوعي مفارق للسائد ولحرية لا ترتهن لنماذج مقدسة، وكان تجريف الذات بمعنى إفراغها هو التمهيد الأولي لثقافة بلا نخاع، وها هي سلالة الإنترنت تقدم بديلا للشعر ونقده من خلال ما يمارس من الحك المتبادل بين هواة جملتهم مبتدأ يبحث عن خبر، وسعالهم جدير بالثناء!


    أذكر أن شاعرا آسيويا من القرن السابع عشر كتب قصيدة تمنى فيها لو أن الفرشاة التي يرسم بها أزهار الخوخ ترسم رائحتها، هذا الوعي بنقصان المعرفة إزاء فائض الوجود يحررنا من وادي عبقر وذكور شياطينه ومن الأولمب أيضا لنكتشف أن الشعر ليس الموزون المقفى ولكي نقيم فاصلا بين النظم الذي أتخمنا منه وبين الشعر الذي أصبح شحيحا بحيث لم نعد نعرفه أو بمعى أدق نحزره كما قال هاوسمان إلا من خلال القشعريرة التي تسري في أجسادنا حتى النخاع عندما نقرأه.


    وفي رواية ماركيز "خريف البطريرك" يتساءل الراوي وهو يتأمل الرّخام والمرمر ويصغي إلى حفيف الحرير في أروقة قصر الدكتاتور عن المكان الذي تعشش فيه غربان السّلطة!!


    وبدوره الشاعر يتساءل وهو يرى أن أطلال الأطلال والدم الذي تدنت تسعيرته كما العملات المحلية، والعمائم العمياء التي حذّر الإمام محمد عبده أحفاده منها، والخوذ التي صدئت من فرط البطالة..


    أين إذن يعشش الحمام في كل هذا الخراب، لكأن الدنيا وترين نعزف عليهما.. أحدهما للهديل والآخر للنعيق، وعلى من يستطيع الإصغاء إلى هديل حمامة سقطت بعيدا عن كلب الصياد وسط هذا الضجيج والرطانة أن يدلنا وله العرفان.


    لم يكن الشعر ذات يوم أليفا إلى حد تعاطيه كالماء، فهو تغذى من غربته لكن التسليم بهذا القول يشترط علينا إعادة تعريف الشعر وتحريره من مستوطنات المديح والهجاء والغزل الذي لا علاقة له بالحب.


    لكم أن تتصوروا شعراء في نهايات القرن العشرين يكتبون عن حروب الصواريخ والرؤوس النووية وكيمياء الإبادة بأدوات شاعر جاهلي، ولكم أيضا أن تتصوروا شعرا وفيا يمتلك الموعظة التي أطلقها شاعر عربي قديم لأحفاده وهي أوصيكم بالمسألة. والمسألة هي التسول وليست المسألة الشكسبيرية المعروفة عن الكينونة والعدم .


    إن الشاعر العربي يكتب وبين أصابعه رقباء أنكى من جوبلز وجدانوف، وينفق ثلاثة أرباع طاقته دفاعا عن حقه في استخدام الربع الباقي، وحين قال الراحل يوسف إدريس إن الحرية الممنوحة للعربي لا تكفي كاتبا واحدا كان متفائلا لأنه لو عاش حتى أيامنا لقال إن كل الحريات الممنوحة في العالم العربي لا تكفي لكتابة جملة مفيدة واحدة أو مقطعا من قصيدة، إن الانصراف عن الشعر إلى ما عداه أسهم فيه ثلاثة أطراف لكن بتفاوت، الشاعر الذي امتطى الشعر كي يصل من خلاله إلى ما تعفّ عنه الخيول قبل أن تُدجّن وتقود عربات البطيخ والقمامة، والمتلقي الذي أراد من الفن كله مجرد وشاح أو قلادة لا تلامس بدنه، والناقد الأشبه بالنحل الكسول المعلوف بالسكر المطحون ولا يعرف مذاق الرّحيق.


    لكن بعد هذا كله، سيبقى إلى الأبد ذلك الأنين والحنين والشجن سواء حمل اسم الشعر أو أي اسم آخر، ما دام هناك فقدان وخذلان من الزمان وأشواق لما هو أبهى، إن وفرة الشعر أحيانا هي البرهان على شحّته، أما شحّته فهي الدليل على وفرة ما فيه من شعر..