أن تبحث عن النهر الذي سيكون نهرك

21/02/2016 - 8:42:10

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

زكريا محمد - شاعر فلسطيني

    لا يبدو لي أن الشعر يعيش أزمة. أو لا يبدو لي أنه يعيش أزمة لا مخرج منها. ثمة إحساس بفوضى ما. لكن لعل هذا الإحساس كان موجودا في كل جيل. كما لعل الفوضى أن تكون تعبيرا عن انفتاح الآفاق وتعددها. صحيح أن قسما كبيرا مما يكتب يستند إلى لعبة التذاكي والمفارقة، وهي لعبة محدودة الأفق، لكن الأساليب والأشكال تشيخ بسرعة هذه الأيام. الضجر يقتلها. أذكر أنه قبل عقد ونصف أو عقدين كان على القصيدة أن تكون ملتوية غامضة ومبهمة لكي تستحق اسم القصيدة. لكن هذا انتهى. فقسم كبير مما يكتب الآن يلعب على المكشوف. كما أذكر أنه كان على القصيدة أن تكون سلة ممتلئة بالاستعارات. في كل سطر استعارة أو أكثر. الآن يمكن للقصيدة أن تسير بلا استعارات، أو بأقل قدر ممكن منها. التغير سريع، والأشكال تموت بالضجر، وتحل محلها أشكال أخرى. والشعر الذي يصمد في النهاية هون برأيي، الشعر الذي يسكن قرب كهوف الشعر القديمة الأولى: الليل، النور، الموت، الحلم، السماء، الشجرة، عين الماء وعيون الكائنات، إلخ. وفي آخر الأمر يمكن تلخيص كل هذا بكلمتين: الكون والطبيعة.


    شغلة الشعر في الأساس هي الكون والطبيعة. وفي لحظات محددة تكون الحرب شغلتها، ويكون النشيد شكلها. لكن هذه لحظة مؤقتة. ويهيأ لي أن الشعر عندنا أقل انشغالا بالطبيعة والكون. إنه بشكل ما شعر غرف مغلقة. وفي غرفة مغلقة، ومن دون الحذر الكافي، قد يعلق الشعر مع اللغة، أو قد يعلق الشاعر مع ذاته، وينسى ما عداها.


    ولا أعرف إن كانت كلمات التكليف بكتابة هذه المادة أسئلة يجب علي أن أجيب عنها، أم أنها مجرد تعليقات. لكنني راغب في أن أعتبر بعض سطورها كأسئلة. مثلا هذه الفقرة: "لماذا لم يسهم الشاعر العربي والشعر معه في إنجاز الثورة المجتمعية؟ ولماذا يقف الشاعر نفسه، في نهاية المطاف، ضد حق مجتمعه وإنسانه في التطور كلما واصل صعوده وتحول إلى سلطة. فهل يليق بالشاعر أن يتحول كلية إلى الدفاع عن اللا مساواة، وإلى احتقار التطور كقيمة إنسانية ومجتمعية؟".


    أنا لا أرى هذا. لا أرى أن الشعراء كانوا قوة مجتمعية محافظة. على العكس، لقد كانوا عموما في الطليعة. وربما كانوا طليعيين بحيث أنهم انفصلوا عن الجمهور الكبير. والطليعية لا يجب أن تفهم بالمعنى السياسي دوما. لكنني من ناحية أخرى، أرى أن مهمة الشاعر في نهاية المطاف شعرية ـ لغوية. أي أن مهمته هي (إنعاش اللغة) حسب القول الشهير، الذي لم أعد أتذكر قائله. إنعاش اللغة شرط أساسي من شروط (إنعاش المجتمع). هذا التحديد مهم كي لا يكون (الاستشهاد) هو مهمة الشاعر في مجتمعات تعصف بها الأزمات.


    وهذه فقرة أخرى: "الآن ثمة مشكلة أخرى تتحصل في حلول السرد محل الشعر وهي حقيقة دامغة بكل أسف لكنها ليست وليدة اليوم ولا تمثل اكتشافا يدعونا لمصمصة الشفاه على طريقة المصريين". بالطبع، هناك اتجاه محدد نحو تغليب السرد. وهناك دوما المخاوف من أن يفقد الشعر اتجاهه، وأن يؤدي بحثه عن ذاته إلى فقدانه لذاته. لكن الذهاب إلى السرد هو في الأساس محاولة لتوسيع مدى الشعر. وأظن أن الشعر يصحح ذاته بذاته. أي يكتشف في النهاية الطرق المغلقة ويرتد عنها. قد يستغرق هذا زمنا ما، لكنه يحدث، ويجري العثور على دروب جديدة.


    أما على الصعيد الفردي، أي على صعيد كل شاعر بمفرده، فثمة طرق قد يسير فيها الشاعر، وتنتهي إلى هلاكه. يقف الشاعر عند كل مرحلة جديدة من حياته الشعرية على مفرق طرق. وعليه أن يقرر أي طريق يأخذ. وليس هناك من ضمانة بأنه سيتخذ القرار الصحيح. لذا فأهم شيء هو الحذر. هناك أصوات كثيرة ستصيح به من ورائه: امش من هنا، هنا الجديد، هنا المغري. وقد يصدق هذا ويمشي. أعطيك مثلا: منذ عقدين سرى تقليد يقول إن على الشاعرة أن تكون (شهوانية) في شعرها إن أرادت أن تكون شاعرة معتبرة. وامتلأ المشهد بالشاعرات الشهوانيات والشعر الشهواني. وغالب هذا الشعر كان ضلالا. ثمة مناخ عام قد يدفع بالشاعر إلى الهلاك. وأهم شيء هو معاندة المناخ العام، والارتفاع فوقه. على الشاعر أن يصنع المناخات لا أن يسير معها. عليه أن يصغي لذاته، وأن يصغي لحاجات شعره. كل المنابر الإعلامية وشهاداتها لا تجدي شيئا. ما يجدي هو الإصغاء لصوت المياه العميقة في الكون، وفي اللغة، وفي داخلك، ثم اكتشاف جداولها والسباحة فيها.


    أن تبحث عن نهر عميق، يكون هو نهرك، لا أن تغطس في البرك المكشوفة التي تدعى إليها.