في صراع الأشكال الأدبية

21/02/2016 - 8:40:55

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

شريف رزق - شاعر مصري

    تثار بين وقت وآخر نظرية صراع الأشكال الأدبية وانتصار أحد أقطابها على الآخر؛ الشعر أو الرواية؛ فقبل مقولة زمن الرواية كتب أدونيس كتابه: زمن الشعر، ثم كتب محسن الموسوي كتابه: عصر الرواية، وكرس مصطلح جيل الستينيات - في مصر -  للدلالة على مجموعة من الروائيين والقاصين الذين بدءوا تجاربهم السردية في بدايات ومنتصف الستينيات، بينما كرس مصطلح جيل السبعينيات للدلالة على مجموعة من الشعراء التجريبيين، بينما كرس مصطلح جيل التسعينيات للدلالة على شعراء قصيدة النثر والرواية معا.


    غير أن واقع المشهد الأدبي العربي يؤكد أن الحدود بين الأشكال لم تعد بالصرامة القديمة، وأن ثمة تداخلات دائمة بين الأنواع؛ فثمة انفتاح واسع على طاقات السرد وآلياته المختلفة في الشعر، وثمة انفتاح على آليات بنية الخطاب الشعري في النصوص السردية الروائية والقصصية، وثمة نصوص في قصيدة النثر (الحكائية) تحديدا تتقاطع بشكل كبير مع آليات القصة القصيرة جدا.


    فلا الشعر يهدد الرواية، ولا الرواية تهدد الشعر، ولا أي منهما يهدد القصة القصيرة أو المسرحية، إن ما يجعل شكلا، أو نصا، متقدما على غيره، هو حجم الموهبة، وقوة التجربة، وخصوصيتها، أما منطق تقدم نوع وتراجع آخر، فإن جاز في مباريات الدوري العام لكرة القدم، فإنه لا يجوز في القياس الإبداعي بين الأنواع الأدبية. والشعر، حاليا، وبخاصة في شكل قصيدة النثر - الذي يشهد فضاؤه شتى التحولات الشعرية الأساسية في العقود الأخيرة - يكشف عن آفاق جديدة، تمثل منعطفا جديدا للشعرية العربية الراهنة.


   وهذا لا يمنع أن ثمة إنجازات مهمة لأجيال متعددة في السرد، تتجاور مع المنجز الشعري، ولا تتصادم معه؛ بل إن التقارب بينهما لم يعد يقتصر على المشهد الأدبي، بل على المبدع الواحد؛ حيث أصبح الشاعر يكتب الرواية ونصوصا قصصية، وأنجز بعض الروائيين نصوصا شعرية، يتبدى هذا منذ إدوار الخراط وبدر الديب ويوسف الشاروني، مرورا بسعدي يوسف وعباس بيضون، وصولا إلى ياسر عبد اللطيف وعلاء خالد ومحمد أبو زيد.


    أما فرضية أن الشعر، الآن، قد "فشل في إعادة إنتاج السرديات التاريخية الكبرى"، فمن الذي قال إن الشعر مطالب بهذا؟ ومتى كان الشعر "المهم" يعيد إنتاج السرديات التاريخية الكبرى؟ إن هذا الطرح لا ينسجم إلا على شعر العصور القديمة؛ حين كان "الشعر ديوان العرب"؛ أي سجل وقائع حيواتهم وتاريخهم، وهذا المفهوم تخطاه الشعر منذ القديم، وقد نظر إلى الرواية باعتبارها ديوان العرب الجديد، وقد أشار نجيب محفوظ إلى هذا - في أربعينيات القرن الماضي - في مجلة الرسالة بقوله: "الرواية شعر الدنيا الحديثة"، وفي التسعينيات كان د. عبد القادر القط يؤكد أن الدراما التليفزيونية هي ديوان العرب حاليا. إن الشعر منذ عقود، وبالتحديد منذ انبثاق ثقافة ما بعد الحداثة، لم يعد يهتم بالسرديات التاريخية الكبرى، بل بالسرديات الصغرى، والشخصية، والمحلية، والتفاصيلية الجزئية، لا الكلية الكبرى، وثمة سرديات عديدة في مدونة السرد المصري، قد تجاوزت مقولات السرديات الكبرى؛ التي كانت تشهد رواجا مع ثقافة الحداثة، ومد المركزية الأوروبية، وانتشار مقولاتها ورؤاها، ولم تسقط السرديات الكبرى في الشعر فقط، بل في الرواية والقصة كذلك، ولم تسقط في دولة الأدب العربي فقط، بل في الأدبين الأوروبي والأمريكي.


    إن الشعر دائما فن نخبوي، له جمهوره الخاص، وهو دائما يتخطى التقعيد، ويتأبى عليه، في تجاربه الطليعية المتجددة؛ وبالتالي فلا خوف عليه من "مصير صعب بصورة لم يكن يتوقعها أكثر الناس تشاؤما"، يحدث هذا القلق مع كل تحول، ونحن حاليا في تحول جديد للشعرية العربية، تلتحم فيه بالمعيش الحياتي اليومي، وتقترب فيه كثيرا من شفاهية الأداء العصري اليومي، ومن سرديات الحياة اليومية المعيشة، وسرديات التاريخ الشخصي، في أداء شعري حر يجعل شتى المواقف الشعرية السابقة والجاهزة محل شك.