مضى زمن الإلقاءات الصارخة ومعلقاتها الموزونة لتهييج الحشود

21/02/2016 - 8:39:37

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

صلاح فائق - شاعر عراقي مقيم في الفلبين

    يبدو لي كلام جوته عن استحالة عيش الشعر في المجتمع الراقي، مبالغا فيه، خصوصا وأنه من شاعر. ربما نحتاج تحديد معنى مصطلح المجتمع الراقي لنفهمه بشكل أفضل. فقد كان المجتمع الذي يشير إليه في بداية شموليته ليعم العالم في ما بعد كنظام رأسمالي، وها نحن تجاوزنا هذا المصطلح إلى العولمة كنظام عالمي مطلق. لكن الشعر بقي حينئذ واستمر آنذاك وشهد من ناحية تطوره الإبداعي وأشكاله إنجازات هائلة. ففي وقتنا الراهن، كما وجدتُ في أمريكا قبل سنة، هناك مئات المجلات الشهرية والفصلية والدورية المتخصصة في نشر الشعر، كل جامعة أمريكية لها كرسي الشعر حيث يتبوؤه أحد الشعراء المعتبرين، ومن إدارته يتخرج طلاب وطالبات متخصصون في هذا الشأن ليقوموا بتدريسه في المدارس العليا والمعاهد.


    في مدينة سياتل، واشنطن، حضرت معرضا لدور النشر وكتبها وفوجئتُ بالعدد الهائل من المجموعات الشعرية، والأبحاث النقدية حول الشعر، والتي تنشر على مدار السنة. لكل جامعة دار نشرها تقريبا ومجلتها الأدبية والشعرية، إلى جانب المهرجانات الشعرية المستمرة والقراءات الشعرية الخاصة في الأندية الثقافية الخاصة. أثناء تطلعي إلى جغرافية الشعراء في تلك البلاد، أدهشني تنظيمها ووجدت آلاف الشعراء في كل المناطق. هذا إلى جانب دور النشر الخاصة ومجلات الشعر في المدن الصغيرة، على مستوى نشرها للشعراء كأفراد أو كمجموعات.


    من هذه المعلومات، وهي اقتصرتها على خطوط عامة، نجد مدى انتشار الشعر والحالة الاجتماعية، الملائمة في الأقل، اقتصاديا ووظيفيا، للشعراء الذين يكرسون حيواتهم ومواهبهم في الإنتاج الشعري، بمعنى آخر هناك سوق كبيرة للشعر. والأمر لا يختلف كثيرا إذا درسنا حال الشعر في أوروبا وفي بلدان غربية أخرى. إذن الشعر يعيش في المجتمع المعاصر، الغربي، كقطاع إبداعي إلى جانب قطاعات أخرى، كالفنون التشكيلية، المعمار والإنتاج الموسيقي وغيرها. وفي هذا نجد تناقضا مع تحديد جوته لحال الشعر في زمانه. كل هذا المشهد بعيد جدا عن حال الشاعر العربي، في الماضي والراهن، حيث كان مرغما أن يوافق على أن يكون بوقا إعلاميا سواء لقبيلته أو للحاكم. ونحن نعرف كم من الشعراء فقدوا حيواتهم بسبب مزاج هذا الحاكم أو ذاك عبر تأويل قصيدته أو تفسيرها، من قبل منافسيه أو هيئات سلطوية عملها هو ما يمكن قبوله أو التعبير عنه وباسم المقدس، كما نرى في أيامنا هذه!


    الشاعر لا يعيش على قصيدته ويدفع فواتير مصاريفه الضرورية بها، وعليه لترتيب حاله، اقتصاديا، أن يعمل في وظيفة إعلامية وأن يتبنى وينفذ الخط الرسمي، في تبرير وتمجيد سياسات حكومته في كافة المجالات. كما من الصعب أن ينجح في نشر ديوان له إلا بمساومات كثيرة وبعد أن تمر كتابته تحت عيني الرقيب الرسمي. وكمثال شخصي حين كنت في العراق، وطني، لم يسمحوا لي أن أشغل أية وظيفة في أي جهاز من أجهزة الثقافة والإعلام، وحتى حين قدمت للعمل كمصحح في إحدى المجلات، إلا أن طلبي رفض لأني لم أكن أنتمي إلى إحدى منظمات الحزب الحاكم. الغريب أن الذين رفضوني كانوا من أصدقائي سابقا، أي حين كانوا جيفاريين، وفجأة قرروا الانضمام إلى جوقة الحزب الجديد إلى الحكم وتحولوا إلى شرطته في مجال الثقافة والإعلام.


    يتطرق التساؤل أيضا إلى ما يسميه حلول السرد محل الشعر. وهذا تشخيص غير صحيح، فالشعر بدأ سردا، كنصوص الملاحم القديمة في العراق ومصر والهند والصين وغيرها، ومن هذا السرد تبلورت السرديات الأخرى، إذ فيها المكونات الأولى للقصة والرواية والمسرح، ويمكن تتبع مسار هذا التطور حتى في تاريخ السرديات العربية، فمن الشعر إلى القصص الخرافية والأسطورية إلى الحكاية والمقامة وإلى القصة والرواية والمسرحيات، مع إعطاء اعتبار لتأثير تطور الغرب في هذه المستويات الإبداعية على تطورها عندنا خلال أكثر من قرن من الزمان.


    ما تشير إليه الاسئلة المطروحة من جوانب ظهور وتطور التهكم والسخرية والانتهازية في تاريخ الشعر العربي، إنما يرتبط بمراحل تدهور الثقافة العربية بشكل عام في فترات اضمحلال سيادة العرب على واقعهم، سياسيا واقتصاديا وغيرها، أثناء احتلال بلدانهم من قبل قوى أجنبية، كالمغول والعثمانيين والدول الاستعمارية الغربية وقد دامت لقرون طويلة فقد خلالها العرب مسار تطورهم السابق، إلى جانب الفساد والتخلف الذي استشرى بسبب أنظمة الحكم في الفترات الأموية والعباسية وطوال قرون، وتدخلها في أمور الشعر وتأميمه لصالحها كأداة إعلامية لتمجيد السلطات آنذاك وحكامها. بل إن تلك السلطات قامت بقتل وتشريد المئات من العلماء والشعراء والكتاب وتدمير أعمالهم وإبداعاتهم في مختلف الجوانب طوال ذلك الزمن لمحاولاتهم تقديم أعمال تتسم بالاستقلالية عن الخط السلطوي في تلك الإبداعات.


    في حال كهذه يبدو غريبا اتهام الشاعر العربي بعدم الإسهام في الثورة المجتمعية. إنه يسهم بطريقته في التعبير عن مشاعره ورؤياه، ونجد فيهما إشارات وإحالات قوية إلى نفوسنا وتجاربنا وأحلامنا. يكفي أن يخلق، باستخدامه الشخصي الخاص للغة في كتاباته الشعرية، ليكون مساهما فاعلا في إنماء الوعي وتعابيره الاجتماعية، ذات الطابع النقدي. لقد مضى زمن الإلقاءات الصارخة ومعلقاتها الموزونة، وتلويح الأيدي، لتهييج الحشود وتجنيدها لمشاريع أيديولوجية كاذبة. ما نحتاج إليه الصدق في التعبير عن الهم الشخصي لنتعرف  أحوالنا، ونغتني بصوت الشاعر، صوره وأجوائه الجديدة. وعلى كل حال يبدو هذا طموحا كبيرا في ظل غياب الديمقراطية وحرية التعبير، وهيمنة الطغم الحاكمة على أنفاس وأحلام ونوايا الناس. إنني فقط أحلم بشكل أفضل لأني أبعد ما أكون عن هذه الأجواء الكابوسية .