شعري أناي

21/02/2016 - 8:38:27

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. فاروق مواسي - شاعر فلسطيني يقيم بالقرب من حيفا

    "السلوك الكتابي" - كما أسميه -  فيه ما يشي بالمضمون. وإذا كان الأسلوب هو الكاتب كما يرى بوفون، فلا بدع إن لاحظنا أن الشكل حتى الخارجي عن النص أو السابق له، له علاقة ما بالفحوى، أو بصاحبه.


    إن النظام والانضباط والدقة أهمّ ما أهتم به، والصدق هو العمود الفقري لكتابتي، فإذا وردت القصيدة وكنت سائقا كتبت بعض أبياتها وأنا أقود سيارتي، وإن كنت على فراشي ليلا فإنني أدوّن الوارد والنور مُطفأ، وإن أطلت الفكرة أو الإشراقة لجأت إلى الهدوء لأتابع ما أحسه ويختلج في مشاعري وفكري.


    أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه، وفي قراءتي يتبين لي الشعر بتلقائية، وألاحظ كيف يرتفع صوتي وينخفض مع وتيرة دمي. بعض قصائدي كانت تأتي إثباتا لمقولة "إن الشعر فيضان تلقائي"spontaneous overflow ، فتولد القصيدة كاملة دون أن أغير فيها حرفا منها على سبيل المثال:


"ند في أضرحة عراقية" التي كتبتها والدمعة ترف على مآقيّ.


   أما القصائد التي أقرؤها على نفسي بإلقائي المتفاعل فقد أجد  كلمة بحاجة إلى تغيير، أو إلى معنى جديد جدير أن أتوسع فيه، أو أختزله، فأفعل ذلك أسوة بعبيد الشعر الذين اشتهروا في الجاهلية بسلوكهم الكتابي الذي كان يمتحن الجملة الشعرية، ومنهم زهير في حولياته، عبيد بن الأبرص، الحطيئة وعدي بن زيد...


   ولعل في هذا إيجابا أيضا، هو أن الشاعر لا يعتبر كلماته كمالا مطلقا، وقد توصل إلى ذاك لاحقا العماد الأصفهاني الذي رأى في التغيير علامة على "استيلاء النقص على جملة البشر".


    أما كيف تولد قصيدتي، فالأمر يتعلق بما شُحنت به أو عبّئت أشجاني وأحلامي وعاطفتي. تأتيني جنية الشعر (ولا أقول شيطانهُ) فأتبعها بلباسها الشفاف.


هل الصورة أوشكت أن تكون؟ إذن فاسمعوا ما أقول:


انحنت لي قليلا فبدا تكوّر نهديها


 فرمقت الزغب الأبيض.


في شهوة


ومضينا في الكلام


وفي القصيدة.


    عندما أختم القصيدة أحب أن أقرأها فتكون رفيقتي عفاف (تسمي نفسها "الأذن الأولى") هي التي تستمع، فأقرأ وأراقب تعابير وجهها، وأستمع إلى تعليقها، ولكني لا أتقيد به.


    الشعر ليس هواية بمعنى ترفي، بل هو قدري ولعنتي وحبي ومجتلاي، وكما تفرح الوردة في نشر أريجها أفرح أنا في نشر قصيدتي. أستمع إلى ردود الفعل، وأسعد إذا راقت أو إذا ذُكرت بخير. بعد سنين أرى كل قصيدة بمنظارها الحدثي أو المنطلق من التجربة بعينها.


    شعري هو أناي، تلخيص لي، وأحب أن ينطلق، وأن يكون حرا يعانق الكون كله... أطمح إلى أن تكون كل قصيدة في دوائر ثلاث على مستوى التوصيل (وهذا القول كررته، مع أن الأمر متعذر في كل القصائد):


ـ دائرة ذاتية - وهذا البعد يقرؤه كل قارئ ويجد فيه نجواه.


ـ دائرة محلية – أن يجد القارئ بعدا وطنيا يحلّق فيه.


ـ دائرة إنسانية – أن يقرأ قصيدتي قارئ أرجنتيني - مثلا-  فيجد فيها طاقة خلاقة وشمولية إنسانية، وبالفعل فلدي عشرات القصائد مما ينطبق عليها ذلك  بشهادة آخرين.


    من هنا  فليس في مكنة مقولات أن  تحول دون الانطلاقة أو الانبثاقة، فقد تلامس جسد الواقع، وقد تتنافر.


    إن الشعر قدري، والشعر كالسيارة وقودها الحب، وزيتها الثقافة، وهذه السيارة تجوب وتجول مع قائد ماهر، فتتكشف الطبيعة والمشاهد والحياة والمجتمع من خلال دفق الاستعداد والتواصل والتنقل. وهذه بالطبع بحاجة إلى معاودة وعناية بعد كل سفرة، فإذا لم تكن السفرة الثانية أمتع فإن ذلك يعني الإملال، وعليه فكل مجموعة لي تحمل سماتها المميزة.


    قلت إنني أحس أن لي ربة شعر – هي جنية - تغالبني وتهجرني طويلا لكنها تعود إلي تحضنني بفيض إحساسها ومأساوية أشجانها... أبكي وإياها أمام حائط قصيدتنا، أثور وتثور معي، فتتسمع أصداء أصواتنا بغربة الغرابة. أعشقها وتعشقني بنرجسية أغرب، بل أعذب.


    نتفق على خطة نكتب بالمعنى الحقيقي والمجازي، وعندما ينتهي دور اللاوعي تودعني بقبلة – آنا تكون خاطفة، وأخرى عميقة... أتحسس آثارها، وأتلمظها ، فأعود إلى القصيدة، إلى نفسي وإلى الواقع.


    من القصائد ما يولد سريعا تبعا للحدث، فهذه تحفزني لأن أتملاها وأقرأها لجمهوري الذي يترقبها بعد الحدث، لأنها تترضى مشاعره وتتغنى بما يترقب في قضيته، وثمة من يستمع لها بلهف.


    وهناك امرأة مثيرة لا يسليني بعد صدها إلا بيت شعر، فأهيم بعدها في كل واد، ولا يتبعني غاو؛ ومن القصائد ما لم يولد بعد، فإن فترة الحمل فيها تناهز نصف قرن – منذ تلك السنة السابعة والستين التي لكمتني لكمة ما زال أثر الدوار ينتاب رأسي بسببها فينة بعد أخرى.