الشعر مازال قادرا على إدهاشنا

21/02/2016 - 8:37:34

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد السيد إسماعيل - شاعر وناقد مصري

    لم يختلف العرب حول فن من الفنون قدر اختلافهم حول الشعر من حيث طبيعته وكيفية بنائه ووظيفته بدءا من النظرات النقدية البسيطة المنسوبة إلى الشعراء تعليقا على ما يقولونه من شعر في العصر الجاهلي وصولا إلى ما عرف بعمود الشعر الذي بدا أقرب إلى القانون العام الذي يحدد للشعراء ماذا يقولون وكيف يقولون؟ أى محتوى القصيدة وكيفية بنائها وعمود الشعر - شأن العروض - يستقرئ الماضي ولا يقرأ حاضر القصيدة الذى كان يطرح العديد من ألوان التجديد ناهيك عن أن يستشرف المستقبل.


    هكذا تم النظر إلى بديع أبى تمام وتقصيه للمعانى وإغرابه فى بعض الصور الشعرية واستبدال أبى نواس المقدمة الخمرية بالمقدمة الطللية وغير ذلك مما ابتدعه الشعراء على أنه خروج على الشعر العربى وشاعت مقولة "لو كان هذا شعرا فكلام العرب باطل".


    أريد أن أصل إلى أن الرؤية المحافظة هي التي ظلت مسيطرة على التعامل مع الشعر وأن كل تجديد كان ينظر إليه على أنه مهدد للهوية خاصة أن كثيرا من المجددين فى العصر العباسى كانوا ذوى أصول غير عربية. واللافت أن هذا الاتهام ظل فاعلا حتى منتصف القرن العشرين فاتهم رواد شعر التفعيلة - كما يتهم شعراء قصيدة النثر الآن - بأنهم معادون للهوية العربية وتغريبيون وغيرها من التهم المجانية التى تجاوزت الأدبي إلى السياسي والعقدي.


    الرواية نشأت فى واقع مختلف فهى ابنة البرجوازية المتحررة - فى ذلك الوقت - والتى تؤمن بقيم الفردية والخصوصية لهذا لم تعرف شكلا محددا حتى قيل إن الرواية هى الفن الذى لا شكل له. والسؤال الآن: هل كان الشعر فى أى مرحلة من مراحله غيره فى لحظته التاريخية أو غير مستجيب للتطورات المدينية والحضارية التى استحدثت فى المجتمعات العربية؟ وإجابتي القاطعة: لا.. حيث لم تستطع العقلية المحافظة إيقاف حركة التطور وامتلك أبو العتاهية جرأة أن يقول "أنا أكبر من العروض"، واستمر أبو تمام  وأبو نواس فى تجديدهما كل بطريقته ومزج المعرى بين الشعر والمعرفة، وزاوج المتنبي بين الأصالة والمعاصرة.


    وفى العصر الحديث تم التخلص – جزئيا - من العروض مع قصيدة التفعيلة، ونهائيا مع قصيدة النثر وتم الانفتاح على تقنيات الأجناس الأدبية والفنية تأكيدا للانتقال من الشفاهية إلى الكتابية ومعالجة القضايا الإنسانية الكبرى وما نراه من هيمنة الرواية يرجع - فى جانب كبير منه - إلى فعل الميديا وليس نقصا فى الشعر أو عيبا بنيويا به.


   الشعر كان ولا يزال قادرا على تطوير ذاته وسابقا لعصره ولم يعد أسير بداوته الأولى التي لم تكن ساذجة بل طرحت أسئلتها الوجودية العميقة التي مازالت قادرة على إدهاشنا حتى اللحظة الراهنة.


 لم يختلف العرب حول فن من الفنون قدر اختلافهم حول الشعر من حيث طبيعته وكيفية بنائه ووظيفته بدءا من النظرات النقدية البسي