هل نتواضع قليلا ونقرأ هوراس؟!

21/02/2016 - 8:36:08

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد الصالحي - شاعر وأكاديمي مغربي

    يحتاج الشعر إلى زمن طويل ليصير رعويا. النعوت من هذا القبيل يتكفل بها الزمن. ليس ديدن الشعر أن يكون رعويا. ولا عربيا حتى. شجرة نسب الشعر الإنساني واحدة. دوحة فيحاء وارفة الظلال ولا تني ظلالها تتسع. دوحة تصطفي إليها من استطاع أن يجثو إلى ظلالها الفيحاء بعناد.


    لا نكتب الشعر بحثا له عن لقب أو خيمة.  ولا حتى عن قارئ. الشعر العربي لا يصله بالعروبة سوى اللغة. واللغة من الشساعة حتى إنها تتسع للأزمنة كلها وللأمكنة كلها وكذا لكل مترحل باحث عن ملاذ يظنه آمنا. ماضيا وحاضرا وفي كل الأزمنة القادمة. ما نكتبه بالعربية ليس عربيا. إنما هو مكتوب بالعربية. تقرأ نصوصا بلغات شتى لا للدنو من تلك اللغات بل للدنو من الشعر.


    تنتمي القصيدة العربية إلى فضاء أرحب وأجمل. هو بها أجدر وهي به أليق. هو مسكنها ومحتدها وإليه تؤوب. بيتها الذي له خلقت ولها خلق. أقصد ذاكرة الشعر الإنساني. الشعر الذي يكتبه الشاعر العربي بلسان عربي مبين مسكنه مجرة الشعر الإنساني. لا وطن للشعر ولا لغة. يمر عبر لغة ليصل الرحم مع أنداده القادمين من لغات أخرى ليصير الكل في النهاية نصا واحدا. ما جنسية عبد يغوث بن وقاص؟ وضمن أين جغرافيا تموقع المتنبي وأودن وريلكه؟ هل لمالك بن الريب التميمي وطن؟ ومن صير رامبو شاعرا كونيا: أهي اللغة الفرنسية؟ لنتذكر صرخة محمود درويش: أنقذونا من هذا الحب.


   لعبة الشعر أقوى وأشد من لعبة الانتماء. القصيدة من الخطورة حتى إنه من المجازفة تركها للغة والوطن والدهماء من القراء والنقدة والمدرسة والجامعة. القصيدة مسألة فردانية. لا تنشد القصيدة جماعة. فيها ذات أسيانة. فيها قلق. يأس عظيم مرشوش بأمل خافت. يؤهلك حب الشعر لملاقاة من هو منذور مثلك للرعب المحفوف بالمسرات. الشعر جواب يتساءل وسؤال يجيب. بعيدا عن اللغة والوطن والقارئ والنقد. يرى الشعر إلى البعيد القريب. إلى القريب البعيد. أعني أن قضاياه أخطر من كل انتماء. لا يكتب الشاعر العربي لقارئ عربي. يكتب لمن للباحث عن شعر حق. ينازل الشعر الأزل الأبد. الموت والحياة والوجود والعدم والخير والشر واحتراق فراشة في ضوء شمعة وصروف الدهر وتسارع دقات القلب أوان شدة أو فرح. الشعر اعتذار للحياة لأننا أخلفنا الوعد. إذا أشار الشاعر إلى القمر فتأمل يد الشاعر لا القمر. في ارتعاشة اليد يوجد الشعر لا القمر. أقرأ القصيدة يا "محمود" فأتذكر مرجعياتها وأندم على قصر الحياة. لا أقرأ القصيدة لأموقع شاعرها ضمن لغة أو وطن. أراجيف الانتماء تقتل الشعر. كما تقتل كل فن. يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير: لا شيء يقتلك كأديب أكثر من تمثل وطنا. نغمض أعيننا ونحن في حضرة شاعر يقرأ شعره. بحثا عن وطن للشعر في ظلام الأزمنة وغبار الدهور نغمض الأعين. الشعر اليوم تتربص به الدهماء وهو منها برئ. النقاد المياومون. المقررات المدرسية. الأطاريح الجامعية. الإعلام الأخطبوط. الملتقيات السخيفة. كلها من وراء ما نعيشه اليوم من بهتان شعري ضاج. أقول إن الشاعر يقطع سحابة عمره ليكتب ما قد يضمن له الخروج من دائرة الانتماء. لغة ووطنا وقومية و... و... و... بحثا عن موطئ قدم في دارة الشعر يكتب الشاعر شعره. يعيدنا الشعر إلى ذواتنا. ذواتنا حيث انطوى العالم الأكبر. هل عندما أقرأ هولدرلين أبحث في شعره عن ملامح وطن؟ عن هوية. الاحتماء بالهوية قتل للشعر ولصاحبه. القصيدة كنهر هيراقليطس تماما. لا نستحم فيها مرتين. من هنا خلودها. من هنا استحالة توطينها. يسعى الشعر إلى أن يكون شعرا. لا إلى أن يكون له وطن. يؤثث الشعر عالمه من أبسط شعرة تسقط من شعر امرأة سائرة في طريق. من انتفاضة عصفور بلله القطر. الشعر تنفيس عن قوة هائلة مكبوتة في نفس الشاعر. قوة لم تجد لها منفذا إلا في القصيدة. فاتخذت القصيدة منفذا. لذا فالشعر قوة منكسرة لا تني تؤوب إلى نفسها لتعاود الكرة. فالشعر ثور جبان. هو، دوما، على أهبة النطح ثم لا نطح. الشعر منشغل بذاته. انشغالنا نحن به لا ينفعه ولا يضره في شيء. يحاور ذاته بكل اللغات. حتى التي انقرضت. حتى التي ستنقرض. حتى التي ستولد في الآتي من الأزمنة. إلى تلك الدوحة ينتمي. إلى غصنها الرطيب.. ورد في كتاب "فن الشعر" لهوراس: أيتها الفضيلة الشقية.. ما أنت إلا اسم، لكنني خلتك حقيقة فأضعت حياتي في طرادك..... فهل نتواضع قليلا ونقرأ هوراس؟