سلطة الشعر

21/02/2016 - 8:35:00

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد عبد الطلب - ناقد مصري

مع زمن العولمة دخل الشعر العربى دائرة الاهتمام، وتتابعت عليه مجموعة مقولات، وبدأت بالمقولة الأولى: (انحسار الشعر)، ثم تلتها المقولة الثانية (زمن الرواية)، ثم جاءت الجملة الأخيرة: (موت الشعر) التى ترددت على استحياء أولا، ثم استفاض الحديث عنها فى زمن العولمة الأخير، وكأن المقولات كانت تمهيدا لضم الشعر إلى شعار العولمة الأخير: (مقاومة الإرهاب)، فكانت الجملتان: الأولى والثانية بمثابة المقدمة، والجملة الأخيرة بمثابة النتيجة المرجوة.


وتوالي هذه المقولات على الشعر العربى يستحضر على الفور المقولة التراثية: (الشعر ديوان العرب) فالشعرية  العربية اختزنت ركائز الثقافة العربية وحرصت على نقلها من زمن إلى زمن، معنى هذا أن الشعر كان ممثل السلطة الثقافية فى الزمن العربى، وقد حدد ابن سلام فى (طبقات فحول الشعراء) طبيعة هذه الثقافة بقوله: "وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم والصناعات: منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان".


لكل هذا تحولت المدونة الشعرية إلى (وثيقة) ثقافية، تضم الأعراف والتقاليد والخبرات، كما تضم الوقائع والأحداث، ومن ثم تحولت الوثيقة إلى أفق من الهيمنة التى لا تحتاج إلى مستندات شرعية كغيرها من المؤسسات السلطوية، فأفق السلطة الشعرية مفتوح للجميع يدخلونه اختيارا، بوعى أو بدون وعى، سواء أكانوا من مبدعى الشعر أم من متلقيه.


ونشير إلى أن سيطرة السلطة الشعرية كانت تتناوب عليها – أحيانا – لحظات تمرد فردى أو جماعى، ويكون ذلك إشارة إلى أن الشعرية العربية على أبواب مرحلة إبداعية طارئة، تمهد لسلطة إبداعية جديدة، قد تكون موافقة للسلطة السابقة عليها، وقد تغايرها فى بعض الركائز أو الهوامش.


والتحرك من سلطة شعرية إلى أخرى لا يحتكم إلى جماعية أو فردية، فقد يكون لعنصر فردى من القوة ما يتيح له قدرا كبيرا من التأثير أولا، ثم السيطرة ثانيا، وهو ما سجلته المسيرة الشعرية مع شعراء بعينهم أمثال: زهير بن أبى سلمى فى الجاهلية، وأبى نواس وأبى تمام وأبى العلاء بعد الإسلام، أما فى العصر الحديث فقد ترددت أعلام ريادية مؤثرة أمثال: البارودى وشوقى ومطران وجبران، ثم نازك الملائكة والسياب وأدونيس وصلاح عبدالصبور وحجازى وسواهم من جيل الريادة.


    وقد زادت سلطة الشعر رسوخا لكونه حامل الأداة التعبيرية التى اخترقت الزمان والمكان، ونعنى بذلك (اللغة العربية) التى لازمت الشعر فى مسيرته الطويلة المتجذرة فى العمق العربى، حيث كانت العربية أداة الشعر وغايته على صعيد واحد. 


إن هذا التمهيد يضعنا أمام ركيزتين أساسيتين فاعلتين فى تشكيل الهوية العربية: اللغة والشعر، وكلاهما فاعل فى لحظة الحاضر المعتمة التى تسود الواقع العربى بعد أن تهرأت مجموع سلطاته ووصلت إلى درجة بالغة الوهن، حتى إن أدواتها التنفيذية لم تعد قادرة على فرض سيطرتها بإحكام، لأن معظم مستنداتها الشرعية قد لاحقتها عوامل التعرية، ولم تعد السلطة الثقافية بقادرة على ترميم هذه المستندات ورتق خروقها، وخطورة ذلك فى أن الذات العربية أصبحت ممتلئة بكم هائل من المرارة المتمردة التى تسكن الداخل وتنتظر اللحظة المناسبة لينتقل التمرد من الداخل إلى الخارج، وقد أخذت ملامح هذا الانتقال تطل علينا من وسائل الإعلام المختلفة من ناحية، ومن تجليات الإبداع النثرية والشعرية من ناحية أخرى.


ولذا كان فى مقدمة الخطاب الثقافى المرفوض (الخطاب الشعرى)، وبما أن الشعر حامل اللغة، فإن الخلاص من الشعر يعنى الخلاص من اللغة أيضا، والذكاء فى المواجهة طرح المقولة الأولى (انحسار الشعر)، مع تقديم مبررات ساذجة من مثل أن المتغيرات الحضارية لم تعد مهيأة للتعامل مع هذا الفن بوظائفه المحنطة التى عفى عليها الزمن، وتناسى أصحاب المقولة أن فن الشعر ظل حاضرا وفاعلا منذ أقدم الحضارات، وبرغم التطورات الهائلة التى مرت بها المجتمعات البشرية من البدائية إلى الزراعية إلى الصناعية إلى التكنولوجية، فإن الشعر حافظ على أن يكون فى مقدمة الفنون القولية مع تعديل بعض وظائفه التحريضية والتأثيرية والتخزينية والجمالية واللغوية. بل إن عظمة هذا الفن القولى فى أنه حافظ على جوهره برغم دخوله فى مراحل تطورية من حيث الشكل ومن حيث المضمون، حتى إن كثيرا من أجناس القول حاولت الاقتراب منه، ولا أقول جديدا إذا زعمت: أن كل الفنون تهفو إلى الشعرية، وتستهدف بلوغ طاقتها الجمالية.


إن مقولة انحسار الشعر تتنافى تماما مع قانون الإحصاء الذى لا يكذب ولا يتجمل، إذ الملحوظ أن الشعراء فى تزايد لا تناقص، دون نظر إلى الجانب الكيفى، فهذا ما سوف نتناوله فيما بعد، ولو أننا حصرنا رواد الحداثة الشعرية فى العصر الحديث لما زادوا على أصابع اليدين، فإذا انتقلنا إلى شعراء الجيلين التاليين، فسوف نجد كثرة بالغة، مما يعنى اتساع  القاعدة الإبداعية، وهو ما ينافى مقولة (انحسار الشعر).


ولم يكد الشعر يتقبل الضربة الأولى ويتغلب عليها، حتى تأتيه الضربة الثانية التى تزعم أن هذا الزمن ليس زمن الشعر، وإنما (زمن الرواية)، ويبدو أن هذا الشعار قد وقع فى التباس بين (الرواية) بوصفها أحد فنون القول، وأجناس أخرى تعتمد (فن الصورة)، وبخاصة ما تقدمه (السينما وجهاز التليفزيون) وربما بسبب ذلك اللبس ظهر شعار جانبى مضاد لمقولة (زمن الرواية) هو: (زمن المسلسل التليفزيونى).


وبما أن الشعارين أو المقولتين السابقتين لم تحققا الهدف من إزاحة الشعر عن الصدارة الإبداعية، جاءت المقولة الثالثة (موت الشعر) لأن إعلان موته يعنى موت الذاكرة العربية بوصفها الجدار العازل الذى يحمى الذات العربية من الضياع فى مواجهة الطوفان الوافد بما فيه من صالح وطالح.


وللوصول إلى ترسيخ هذه المقولة (موت الشعر)، كان من الضرورى إتمام بعض الإجراءات التمهيدية، حيث حاول دعاة التجديد تشويه النماذج الشعرية الكبرى فى التراث العربى وصولا إلى زمن الحداثة، بدءا من امرئ القيس وصولا إلى أحمد شوقى ونزار قبانى، بهدف إثبات أن مقولة (الشعر ديوان العرب) مقولة فاسدة، لأن النماذج البشرية للشعر نماذج فاسدة وخادعة، ومن ثم لابد أن تنتقل الديوانية إلى أجناس قولية أخرى على حساب الشعرية، وهى أجناس ليس لها هذا العمق التاريخى التراثى الذى اكتسبه الشعر، ومن ثم فإن تدخلها ليس له قيمة حضارية يخشى منها على مواجهة العولمة بكل ضراوتها.


ثم يأتى الإجراء التالى الممهد لموت الشعر بزعم غريب، وهو أن الواقع العربى تسيطر عليه أنظمة (السلطة المطلقة) (الدكتاتورية) وأن المجتمع العربى لا ينفر من هذه الأنظمة على النحو الذى نعرفه فى الثقافة الغربية، وذلك يرجع عند أصحاب الدعوة لموت الشعر إلى أن الثقافة العربية قد كرست لتقبل مثل هذه الأنظمة عندما أعلت من شأن (الفحل الشعرى) وجعلته صاحب الأمر والنهى فى الواقع القديم، وهنا يرد على الخاطر فورا تساؤل محير: وهل كانت الدكتاتوريات المنتشرة فى العالم شرقا وغربا وليدة الفحولة الشعرية؟ أم ذلك خاص بالثقافة العربية وحدها؟ ومن إنتاج الثقافة العربية للنظم الدكتاتورية، يتجه أصحاب مقولة (موت الشعر) إلى إجراء آخر يرون فيه مبررا للموت أيضا، إذ يدعون أن الشعر العربى يتحمل مسئولية كبيرة فى تشويه الأنثى واضطهادها ثم تهميشها، فقد صورت الشعرية الأنثى فى صور جسد إغوائى مبتذل، وأن وظيفته الوحيدة إمتاع الذكر، وحتى عندما تربط بين الذكر والأنثى عاطفة ما، فإن الإعلاء يكون للذكر دائما، ويقتنص أصحاب هذا الرأى الأبيات الشعرية المفردة لكى يدللوا على صدق رأيهم.


والمغالطة هنا واضحة لأمرين نوجزهما فيما يلى:


أولا: احتكام أصحاب الادعاء إلى الاجتزاء، وبتر الأبيات من سياقها الكلى، والأمانة العلمية تقتضى الاستقراء لا الاجتراء، فمقابل كل نموذج من هذه النماذج المرفوضة، عشرات النماذج التى تعلى الأنثى إلى آفاق بالغة السمو والشفافية.


ثانيا: أن أصحاب هذا الادعاء يقفزون قفزة متعمدة على مرحلة شعرية كاملة، ربما لا يكون لها نظير فى تاريخ الشعرية العالمية، هى مرحلة الشعر العذرى المكتنزة بكم هائل من إجلال الأنثى والارتفاع بها إلى درجة قريبة من القداسة. ويطول بنا الأمر لو رحنا نقدم النماذج الشعرية التى توثق ما ندعيه، وهو ما نعد له دراسة مستقلة.


ويكاد التشويه الشعرى يصل غايته عندما يوضع على عاتق الشعر مسؤولية شيوع ظواهر الكذب والخداع، والمبالغة والنفاق، ويستدل أصحاب هذه الدعوى بمقولة نقدية تراثية هى (أعذب الشعر أكذبه)، وكأنهم يساوون بين الكذب الأخلاقى والكذب الفنى، ويلغون الفارق بين الخطاب الشعرى بكل تجاوزاته ومغامراته فى اللفظ والمعنى، والخطاب التوصيلى العملى بكل انضباطه الصياغى والدلالى.


بقى أن نعرض لموقف أصحاب التجديد الثقافى من الشعر فيما يمكن أن يكون لهم فيه وجهة نظر ترتبط بحاضر الشعرية العربية، وذلك أنهم يرون أن الشعرية العربية دخلت مرحلة بالغة الضعف والرداءة، وبخاصة مع مرحلة الحداثة، وأن ذلك وحده يكفى لإعلان وفاتها، أو قرب وفاتها على الأقل.


وفى تصورنا أن هذا المدخل الذى يلجون منه إلى موت الشعر، هو أضعف المداخل، ذلك أن الرداءة تكاد تكون ملازمة لكل إبداع شعرى أو غير شعرى. بل إنى قد أغلو بعض الشىء فأدعى أن الغلبة فى تاريخ الشعر كانت للردىء، لكن الزمن - كما تعودنا – يقوم بعملية تصفية، فينفى الردىء ويستبقى الجيد تتوارثه الأجيال، وكل جيل يستقبل إنتاج من سبقوه، ويضيف إليه، دون أن يلتفت إلى الردىء الذى لا يروى إلا على الندرة، أو للتفكه.


وقديما قال القاضى الجرجانى فى كتابه (الوساطة): "ودونك هذه الدواوين الجاهلية والإسلامية، فانظر، هل تجد فيها قصيدة تسلم من بيت أو أكثر لا يمكن لعائب القدح فيه... ولولا أن أهل الجاهلية جدوا بالتقدم، واعتقد الناس فيهم أنهم القدوة والأعلام والحجة، لوجدت كثيرا من أشعارهم معيبة مسترذلة، ومردودة منفية".


وبرغم ذلك لم يدع القاضى الجرجانى – أو غيره – أن هذه الشعرية المسترذلة قد هددت الشعر العربى فى قليل أو كثير، فلم يصلنا أن شاعرا، أو عدة شعراء، أو حلفا شعريا قد هدد مسيرة الشعر بإبداعه الهابط، فكل مرحلة شعرية مليئة بالغث والسمين، كما هو الأمر فى كل أجناس الإبداع، ولم يكن الغث يوما مدعاة لنفى السمين، ولم يكن مدعاة لظهور نبوءة موت الشعر كما نسمع اليوم.


ويبدو أن إشكالية الرداءة، إشكالية قديمة وجديدة فى الآن نفسه، وقد عبر عنها  الشاعر العباسى (دعبل الخزاعى) فى قوله:


يموت رديء الشعر من قبل أهله


وجيده يبقى وإن مات قائله