الشعر قديس لعوب!

21/02/2016 - 8:33:48

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد عيد إبراهيم - شاعر مصري

قد يكون الشعر اليوم هو نقيضه على الطرف الآخر من الشعر سالفا، حيث انتفت وظيفته، إن كانت ثمة وظيفة للشعر أصلا، فلم يعد إعلاميا، دعائيا، قوميا أو عالميا، بل راح يلمس تفاصيل التفاصيل، كمن يرى يده للمرة الأولى، يدخل في مناطق بدائية، رعوية، تأنف من الحداثة، ولا ترعوي أن تناهض حتى ما بعد الحداثة.


   الشعر اليوم، قد لا يُرى (وطنيا) بالمعنى المألوف، التقليديّ، فهو لا يكتب عن قضايا كبرى، ولا يعي من السياسة إلا مردودها على جلد الإنسان، لكنه مع ذلك (غير خائن)، فهو يملك كلّ ما يبثّ الضمير في لغته، فهو يريد التغيير حتما، ويأبى أن تستعمره سلطة مجحفة، ولو بالرمز والصورة والمجاز والإيقاع الغريب الفوضويّ.


    الشعر اليوم، لا هو مدينيّ حَضَريّ، ولا هو ريفيّ متخلّف، بل إنسانيّ عميق الرؤية، حالم بالرؤيا، يندرج حتى وسط عميان، ليأخذ بيدهم هنا وهناك، إلى مواطن الجمال، كما في (فيل) الأسطورة الذي أمسكه العميان وكلّ وصف ما لمس. هكذا نرى كلّ شاعر في قصيدة النثر، التي أراها التجلّى الأعلى لرأسمالية الشعر في شجرة الخيال.


    الشعر اليوم، هو بطل السرد، إجمالا، لكنّ سرود الشعر لا تشابه سرود النثر إلا في الظاهر فحسب، صحيح أن ثمة رابطا بينهما، لكنه رابط واهٍ، هشّ، لا يدركه إلا أصلاء الشعراء، قد يستخدم سرد النثر المعرفيّ، الأسطوريّ، الجماليّ بشتّى ألوانه، لكنّ سرد الشعر دائما في الطرف الآخر، أو في منقلب المثلث، أو في البعد الغامض للزمن، أو في ترانيم الأولين، أو مشاهد السينما أو المسرح أو حتى الأوبرا، أو الأغاني الشعبية، أو في كلّ شيء نراه ولا نراه، نسمع به ولو حدسا، نمتلكه ولو شفاهة، نلحق به ولو خيالا، نغنّيه وإن كنا في كآبةٍ مرضية لا شفاء منها، ونطرب له بين الجموع، مع أنه لا يرتضي أن ينخرط في أيّ جَمع، ولو لغايةٍ سامية، فسمّوه في تَدَنّيه، فهو الشاعر القدّيس، مع أنه لعوبٌ أو عاهرٌ أيضا، ساخطٌ أبدا، في صراعه مع السلطة، ينحو إلى الموت، وهو أصيلٌ في معاقرة الحياة.


    قد نلمس تداخلا في الأنواع، أو امتزاجا في الأنماط التي ينخرط فيها كلّ من سرد الشعر وسرد النثر، لكن سرد الشعر يقف دائما وحده، في عزلة، وإن كان وسط الجماعة، في نشيد، وإن كان وسط الصمّ والبُكم، وحده دائما، في مجاز شفيف، تغلّفه رؤى مستجدّة، وإن اختلطت بأيّ شكلٍ أو نمطٍ قديم، فلا يأبه سرد الشعر من دخول أيّ منطقة، ولا ارتكاب أيّ نمط فنيّ كان، فهو يجرّب دائما، وأبدا، لذلك لن تموت قصيدة النثر، في رأيي، فلا مجال لها، وليس ثمة خطّ نهائيّ قد تصل إليه، فالوصول أصلا لا يعنيها، هي تسعى دائما ولا سبيل غير السعي، تحجّ من دون قصد الحجيج، أما مقصدها، فهو الوصول إلى أفق إنسانيّ أرحب، بمشاعر أوفر، وحكايات أمتع، لا ترى متعة في الحكي، بل تقلق ولا تُريح، تهجو ولا تمدح، تفسد الذات، مع أنها لا تملك غير الذات، تُبادل الوعي مع الحواسّ، حيث ترى أيهما محلّ الآخر أحيانا، أو حتى تنفي أيهما لصالح الآخر، أو تمتح من الماضي لكن لصالح مستقبل وإن كان غائما، لم يبصر تلافيفه أحد، لكنها، قصيدة النثر، تنطبع بكروموسوم شخص (الرائي) المغامر، العليم، وإن تشتّت وعيها في جسوم الآخرين.


    الشعر اليوم، قد يتوق إلى الرومانسية، مع أنه يفزع من الرومانسية، لذا يستخدم في كثير من الأحيان مضادات الرومانسية، مع بلع القليل من ماء الوجودية، بفمٍ يستطعم ملامس وغضاريف من الحسّ الجسدانيّ البحت، هو مزيج إذن، في رأيي، من نهاية للصمت، بتقطيع الأوصال بين اللغة والواقع، بانتهاك كلّ ما كان مقدّسا، لا أقصد هنا الدينيّ فحسب، بل كلّ ما كان يقدّسه المرء من قيم، لينشئ قيما مستجدّة، مستبدَلَة، قيما تراعي تهديم المركز، أيّ مركز، بهمجية المِعول والفأس، بنقض ولاءات الحياة، إجمالا، بخبرة جمالية أقلّ طموحا لامتلاك العالم، فلا عالم يرتضيه الشعر اليوم، إلا بتوريط نفسه في حياةٍ أخرى، ضدّ الموت، ضدّ السلالة، بكلام الجسد (الطبيعيّ) الذي يبتغي إدراج مجسّات (الأنوثة) في لحم اللغة ومقادير المواقف وجماليات الرؤى، هو، إجمالا، الشعر اليوم، يبتغي حلول العدمية، ولو بشِقّ تمرة، مكان الإنسان الأعلى. هو الحُطيئة، المبتَذَل، المُهان، المتهتّك، لا نيتشه، المثاليّ، الذي كان ضدّ المثالية، مع أنه وقع فيها، في النهاية.


    الشعر اليوم يتدنّى، فلا (عبقر) لديه، كما قطع يدَي (أورفيوس) وسمل عينيه وصلم أذنيه، يتدنّى، لكن إلى الحدث، إلى الإيماء بالحدث، بلغة إشارية أكثر منها واقعية، مع أنها تبدو واقعية في جلدها، لكن باختراع معنى هازل، ساخر، هجّاء، ثوريّ لكن ضدّ ثورة عبيد، يريد ثورة تقطع دابرَ الماضي، تجدع أنف الحاضر، وتهزأ بالمستقبل، ثورة ماكرة تستحلّ الجسد صوب محاق روحانيّ، لكن لتحفظ الحبّ مطلقا من الذوبان، الحبّ بآماله ومأسويته وسماواته بعيدة الشتات، فالحبّ هو ذلك التجريد الجائع للتجريد، التغيير الجامح للتغيير، بين رعوية الخيال وصمت الموت، الموت الذي لن نصل إليه إلا مُجَرّحين، مهزومين، بأيدٍ بيضاء من الألم، الألم هو لحم البداية، وهو نفايات النهاية، والشعر يتراوح بينهما، لا كي يصل بطيئا إلى الزمن، بل يغفر للزمن أننا كنا، وسنظلّ، مجرد أشباحٍ تملك سرّ الإبداع، وهو الحركية، دائما، بذكاءٍ مرح، لنقلبَ التاريخ، لنصبح بشريين أكثر من كلّ ذي قبل، ليس أقلّ من الإنسان، شعارنا الأعلى، مع أن الأرضَ خرابٌ، والجنونَ قضيبٌ منتصب!