السؤال : على ماذا نراهن؟

21/02/2016 - 8:32:35

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

منذر مصري - شاعر سوري

وكأنني أخالف.. جملة وتفصيلا كل الأطروحات الفكرية التي تضمنها تقديم الملف أعلاه. ليس لأن قاعدة (خالف تعرف) كانت وما زالت الأساس الذي تقوم عليه تجربتي الشعرية والحياتية معا، بل لأني، وهذا ما وجدت نفسي عليه، منذ البداية لليوم، على الضفة الأخرى من النهر، أو لأقل، على الرصيف المقابل للشارع، إن لم أقل وسط الشارع نفسه، ما دمت أريد أيضا، أن أبدي عدم موافقتي على أن الشعر هو ابن الطبيعة البدائية، وعلى أنه هاجس رعوي في مواجهة المدنية الحديثة، كما يوما قرأت وأحببت ولكن لم يقنعني، ما كتبه الشاعر الإنجليزي )ويستان هيو أودن( عن محنة الشاعر في أزمنة المدن، لأنه بعرفي، ليس للشعر بنية ثابتة مؤبدة، بل هو كسواه، ككل شيء، خارج الجمادات والأشياء، ذو بنية متحولة ومتغيرة، تحول وتغير الواقع والمحيط والسياقات، فإن كان الشعر هاجسا رعويا يوما، فلماذا عليه، وكيف بمقدوره، أن يبقى كذلك أبدا.


    وبالنسبة لي، أنا ابن مدينة وابن حي، الشعر هاجس مديني، هاجس شارعي، وهاجس غرفوي، ليس مصادفة أن أحد أقسام مجموعتي الشعرية الثانية "بشر وتواريخ وأمكنة" الذي ظنه البعض كتابا في الجغرافيا، كان (قصائد من الغرفة)، وبالتالي هاجس نوافذي، وربما جداري:


"طويلا أقمتُ في هذا البيت


طويلا مكثتُ في هذه الغُرفة


على هذا المقعد


فوقَ هذا السَرير


تحتَ هذا السَقف.


/


طويلا أقمتُ في هذا البيت


طويلا مكَثتُ في هذهِ الغُرفة


عِندَ هذهِ النافذة


وراءَ هذا الباب


بينَ هذهِ الجُدران.


/


وعِندما حزَمتُ حقيبتي وخرجت


ما إن أدرتُ ظهري


حتّى سمعتُ جِدارا يُنادي اسمي.."


إلا أن ذلك، ولا أدري إن كنت أبسط الأمر إلى ذلك الحد، لا يعني مجافاة الطبيعة وكرهها، المدن الحديثة تحتوي حدائق كبيرة، بأزهار وحشائش، وصفوفا من الأشجار على الأرصفة. وبعضها تخترقه أنهار، أو على سواحل بحار، كما أن الشمس والغيوم والقمر والنجوم، تقوم باستعراضاتها اليومية في سمائها، مما يبقيها تحت رحمة الأمطار والعواصف والأعاصير. لذلك أرى أن الاستشهاد بما قاله جوته عن أن المجتمع الراقي عدو للشعر، يكاد يكون لا معنى له اليوم، من أي جانب نظرت إليه، فأولا، إن تعبير المجتمع الراقي لا يطابق مفهوم المدنية الحديثة، حتى يكاد يكون غريبا عنها. وثانيا، أظن جوته نفسه ومعاصريه من شعراء وموسيقيين كرفيقه شيللر مثلا، كانوا جزءا من النظام الأرستقراطي، الذي يصح تفريق المجتمع فيه إلى راق ومتخلف، والذي هو بالذات كان الراعي، ولو لدوافعه الخاصة، للموسيقيين والأدباء، أليس صاحب (آلام فارتر) القائل: "الكلاسيكية صحة، الرومانسية مرض". فيرد عليه (بيتهوفن): "جوته يؤدي دور رجل البلاط باستمتاع لا يليق بمثقف".


وثالثا، لماذا على الشعر أن يبقى أسير المجتمع الراقي!؟ لماذا لا يكون طليقا بين الناس، لماذا لا يكون هدفه إلغاء الفروقات بين طبقات المجتمع، أهذا برأينا يوتوبيا؟!، ولكن أليس الشعر يوتوبيا، يكتب ويقرأ ويغنى ليقاوم المستحيل، لماذا لا يكون عمله جعل الجميع (راقين) متحضّرين، بالتأكيد هذا واجبه، لأن هذا ما ينجيه من المصير الذي نخاف أن يصل إليه، ولم يكن يتوقعه، حسب تعبيركم، أشد المتشائمين.. الذين لحسن الحظ لست واحدا منهم؟! لا أقصد هنا، ما درج البعض على استدراكه، وإن كنت أصدقه، بأن للشعر أوجها وأشكالا متعددة ومتنوعة، يستمر ويبقى حيا فيها، خذ الأغنيات مثلا، التي قال يوما عنها (ييتس): "لا أطمع لقصائدي أكثر من أن يكون لها تأثير الأغاني" نعم لا أظن أشعار (Paul McCartney) التي نشرها في كتابه (Black bird singing-1999) أهم من أغنية (Yesterday) وبالتأكيد لا أظنها تقارن بـ (Eleanor Rigby). ولا أدري إن كنتم تعلمون أن مغني الفولك الأمريكي (Bob Dylan) مرشح لجائزة نوبل للشعر، كأحد أكبر المؤثرين في ثقافة القرن العشرين. كما أن،  المغني والشاعر الكندي (Leonard Cohen) في ألبومه الذي أحضرته لي أختي "مرام" من فرنسا (Various Positions-1984) أقوى مؤثر شعري في كتابي "الشاي ليس بطيئا" (2004). لا بل أعني الشعر المكتوب والمطبوع والمقروء ذاته، الذي خبرت وشاهدت بأم عيني كيف يستمر في البقاء والحياة، حتى في بلد منكوب كبلدي سوريا، الذي رغم هجرة أغلب شعرائه، يفاجئك بزوغ شعراء جدد، ذوي أصوات جديدة ومختلفة، تتابع كتابة القصيدة السورية، بجرأتها المربكة، ونكهتها اللاذعة، ونبرتها الحزينة بآن. فما بالك كيف يحتفى بالشعر والشعراء في اليونان وفرنسا وبريطانيا والسويد.. وإسبانيا وبقية بلاد العالم.. الراقية؟! حيث عرفت هناك بلدات شعرية، تسمي شوارعها وساحاتها بأسماء شعراء، ولدوا فيها أو فقط حدث ومروا بها.


        ولكن، في ذات الوقت، علينا أن نفهم، ولا أدري ماذا يدفعني لهذا الحد من التبسيط مرة أخرى، أن جماهيرية الشعر والشعراء، لا يمكن أن تكون مثل جماهيرية المغنين، أو الممثلين السينمائيين، أو لاعبي كرة القدم. ذلك أن نوع التقدير والإعجاب، بقدر ما هو منتشر وعام وصاخب بالنسبة لهؤلاء، بقدر ما هو مكثف وخاص وصامت بالنسبة لأولئك. وهذا ما أراه في منتهى الطبيعية، لأنه يعود أصلا لنوعية النتاج نفسه، الشعر والأدب عموما. لذا لا مجال للمقارنة، بين نجيب محفوظ، الأشهر بين الأدباء العرب، والأكثر شعبية، وبين أم كلثوم، أو عبد الحليم حافظ، أو عمر الشريف، على سبيل المثال.


        وما دمت شاعرا سوريا، وعلى معرفة، ليست بقليلة عن الشعر السوري، ناتجة عن معايشته وخوض معاركه، منذ أربعة عقود، على الأقل، والتي سمحت لي بكتابة الجزء الثالث من أنطولوجيا الشعر السوري بعنوان "انعطافة السبعينات"، ومن ترصدي لمظاهر الرفض وعدم الرضى والثورة التي كانت تسري كالدم الأحمر الفائر في أوصاله، فأنا لا أجد أنه من الإنصاف اتهامه بعدم المساهمة في إنجاز الثورة المجتمعية، وأنه وقف  ضد حق مجتمعه وإنسانه في التطور وفي محاولته للصعود  إلى السلطة، وأنه كان مدافعا عن اللا مساواة، ومحتقرا للتقدم كقيمة إنسانية ومجتمعية. لا يضير الشعر السوري أن يقف بعض شعرائه موقف المتردد أو المشكك، من ثورة الشعب السوري، لأجل الحرية والعدالة والمساواة، فهو برمته، وبكافة أجياله، وأنواعه، كان يدعو للثورة وينتظرها، وليس هنا المجال لإعطاء أمثلة، ولكن كيف لا أذكر ذلك المقطع من شعر أبيهم (الماغوط):


    "مذ كانت رائحة الخبز شهية كالورد - كرائحة الأوطان على ثياب المسافرين - وأنا أسرّح شعري كلّ صباح - وأرتدي أجمل ثيابي - وأهرع كالعاشق في موعده الأول - لانتظارها.. الثورة التي يبست قدماي بانتظارها".


أو من شعر وعلهم (رياض الصالح الحسين):


    "اعتدتُ- أن أعدّ القهوة كلّ صباح لاثنين- أن أضع وردة حمراء في كأس ماء- أن أفتح النوافذ للريح والمطر والشمس... أنتظركِ أيتها الثورة".


    ذلك أن الشعراء السوريين كما ونوعا، ناصروا الثورة السورية وساندوها، منذ البداية لليوم، فكان أن اتهموا، بعكس ما ذكر هنا، أي بالتخلي عن موقف الشاعر وأخذ موقف الشارع. وغالبا ما لم يكتف بهذا الاتهام، مما اضطرهم للنزوح والسفر خارج وطنهم، وهنا أيضا ليس المجال لإعطاء أمثلة.


        أما عن مشكلة حلول السرد محل الشعر، وعن فشل الشعر الحديث، في ذات الوقت، في إنتاج سرديات تاريخية كبرى، فأنا في الحقيقة لا أضع هذا ضمن مشاغلي على الإطلاق، لأني لا أدري لماذا يتوجب على الشعر مواجهة ذلك، مادام الأمر بات خارج فعاليته، وخارج سياقه الخاص والعام. ولكن إن كان الأمر يتعلق بالمنافسة مع أنواع الفنون الأخرى، كالرواية مثلا، بما أنها نتاج سردي مسيطر، فيمكن، من هذه الزاوية، اعتبار ذلك نوعا من أنواع التحدي، الذي يرى البعض أنه من المحتم على الشعر مواجهته. إلا أن التحديات التي تطرحها اليوم، آليات التواصل والانتشار ما بعد الحداثية، تكاد تشكل أزمة لجميع أنواع الآداب والفنون.


        في الخاتمة، هناك، كان وما زال، أنواع من الشعر، وأنواع من الشعراء، دون أي حكم بالقيمة أو الأهمية، ولكن بالنسبة لي، حتى ولو كان رهاني على الحصان الذي يعرج الآن في نهاية السبق، لطالما كان الشعراء الذين أحببتهم، وتأثرت بهم، هم أولئك الذين يتجهون بأبصارهم إلى حيث تشرق الشمس، وإلى حيث يبزغ الأمل، الشعراء الذين وضعوا أنفسهم، ووضعوا مواهبهم وفنهم، في خدمة أبناء أوطانهم ومن ثم أبناء جنسهم، وعاشوا وكتبوا وماتوا في سبيل حياة أفضل. الناس حولهم وبعيدا عنهم، وإلى مستقبل أفضل للبشرية والعالم..