أن يضيّع الشعر البوصلة خيرٌ له من أن يرهن مساره بها

21/02/2016 - 8:31:09

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

المهدي أخريف - شاعر ومترجم مغربي

    يتساءل كثيرون: أما يزال للشعر تأثيرٌ أو أثر على الأقلّ، في حياتنا المعاصرة؟ المتسائلون والمتشائمون المشكّكون في معنى الشعر وجدواه موجودون في كلّ مكان تقريبا.


    منذ زمن بعيد نسبيّا تناسلت الأسئلة في عالمنا العربي، لنقل منذ أكثر من ثلاثة عقود تقريبا، بعد انجلاء الأوهام حول الوظائف غير الشعرية التي أنيطت بالشعر زمن التعبئة والشّحن الأيديولوجيين، أي زمن تبعيّة الإبداعي للسياسي والأيديولوجي بقطبيهما اليميني واليساريّ وخصوصا اليساري. انجلاء الأوهام تحصّل بسبب عوامل عديدة سوسيوسياسية قطرية قومية عالمية فضلا عن تحوّلات ذاتية مسّت الرؤية والممارسة الشعرية في العمق.


    في غضون ذلك كانت بعض المقترحات والتجارب الجديدة تخترق بالفعل والتّنظير "جدار برلين الشعري" عبر قصيدة النثر منذ ستينيات القرن العشرين في لبنان أولا وفي بؤر معدودة محدودة في الوطن العربي في وقت هيمنت فيه القصيدة التفعيلة الحداثية وغير الحداثية بإضافاتها وانتكاساتها؛ حينئذ كان للشعر تأثيرٌ قويّ حقّا. كان له قرّاء وعشاق ونقاد عارفون بل ومتحزّبون متعصّبون لهذا الشعر أو ذاك (لا يزال هذا التعصب قائما لقصيدة النثر بصورة بارزة اليوم). وكان ممّا أسهم في ذيوع القصيدة وقوّى من إشعاعها انتظام واتّساع ظاهرة المهرجانات الشعرية واللقاءات النقدية حول الشعر في معظم أرجاء العالم العربي، مع بروز دور شعرية احتفت بل وتخصّص بعضها في نشر الأعمال الشعرية في بيروت والقاهرة. دمشق. بغداد. تونس...


    تلك كانت مرحلة مطبوعة بوجود شعراء مؤثرين مجدّدين أسهموا في صنع تجارب شعرية متطورة عبر أكثر من مرحلة من ذلك الزمن القريب البعيد. ولا يزال بعضه حاضرا بالقوّة أكثر منه بالفعل.


    إن سؤال الشعر أو القصيدة قد تغير اليوم مع هذا الخراب الذي يعمّ أغلب الأقطار العربية. فأيّ زمن يبقى للشعر مع السيادة المطلقة تقريبا لشروط ثقافية تتضافر على معاداة الشعر والإبداع رافعة سيف التقليد والظلامية في وجه كل محاولة لبناء ثقافي متحرر.


    لقد فقد الشّعر الكثير. لن أقول كما قال نزار قباني بأنّه ضيع البوصلة. فلأن يضيّع الشعر البوصلة خيرٌ له من أن يرهن مساره بها. لقد ضيع الشعر اليوم أمورا أهم من البوصلة. ضيّع "بصمة الشعر" بسوء أو بالأحرى بفجاجة استثماره لعلاقته مع أجناس أدبية وغير أدبيّة أخرى. وإذا كان بعض الشعر المكتوب من شعراء ينتمون إلى أجيال مختلفة يقدّم اليوم مقترحات شعرية جريئة من حيث اللّغة والإيقاع، المعنى، الصورة، التركيب، التوظيفات المكانية البصرية للقصيدة بما يغاير المألوف والمكرّس (وهذا هو المطلوب من الشعر على الدوام) فإنّ الأزمة العميقة والبنيوية للشعر هي أزمة تلقّي الشعر ذاته. فقد تضاءل عدد المتلقين مقابل تكاثر عدد الشعراء.


    يبدو لي اليوم أنّ كتاب الشعر يفوقون عدد قرائه لأن قراءه ينحصرون تقريبا أو يكادون في أولئك الذين يكتبونه ويمكن أن نضيف إليهم جماعات أو أفرادا محدودين محسوبين على الرواية والقصة، واحتساب أقليات متناثرة هنا وهناك من الهواة الغاوين، علما بأن عددا لا بأس به من الشعراء  لا يقرؤون من الشعر المنشور إلّا ما ينتمي إلى النّوع الذي يكتبون. هكذا نجد أنّ أكثر الشعراء حظّا من المقروئية لا يوزّع من دواوينهم أكثر من ثلاثمئة إلى أربعمئة نسخة في أحسن الأحوال. وقد يكون هذا أحد العوامل التي دفعت بعض الشعراء - عددهم يتزايد يوما بعد يوم – إلى كتابة الرواية. فنجح أغلبهم في الخروج "من عنق زجاجة الشعر". كسبوا جمهورا من القرّاء أوسع دفع أسماء معروفة جدّا منهم إلى ترك كتابة الشعر إما إلى غير رجعة، أو بجعله هواية أو تسلية ثانوية أيام العطل والأعياد. ثم إنّ الرواية جنس رحب يسمح بتجريب تقنيات ولغات وأبنية. وقد يفتح مجال الشهرة لصاحبه حتى خارج الحدود العربية وربّما يقوده إلى الظفر بالجوائز فتسلّط عليه أضواء التعريف والتكريم والتقديم في المناسبات المختلفة.


    فيا أيّها الشّعراء الأوفياء للشّعر وحده تمسّكوا بالظل الذي منه قددتم. بالظلّ وبالصّمت والصّبر ذلك هو ثمن إبقاء الوهج الذي سرقتموه بألق مكابدتكم، حيّا بسطوعه المحجوب والرّائي.