رسائل غاندي وتولستوي .. حلم بالعدل والمساواة

21/02/2016 - 8:27:52

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

شذى يحيى - كاتبة مصرية

    بدأ تاريخ البشر عندما وضع آدم قدميه فوق تراب الأرض مطرودا من الجنة، ومنذ تلك اللحظة حتى يومنا هذا، ظل تاريخ الإنسانية قصة ملحمية طويلة كتبت فصولها بمداد من الدم والنار والغضب والطمع، وحفلت بالمعارك والحروب والغزوات ولم يعترف البشر يوما أنهم يقتلون بعضهم طمعا ورغبة في السيطرة والتفوق على بشر آخرين، بل كان شعارهم  هداية الآخرين لأفضل الطرق إلى الله، أي طريقتهم هم التي دوما ما تكون حكرا عليهم، أو إخراجهم من ظلمات التخلف والهمجية إلى نور الحضارة والمدنية والذي غالبا ما ربطوه أيضا بالطريق الأمثل للوصول إلى الخالق. دائما ما برر الغزاة والإرهابيون والمستعمرون عدوانهم بأنهم يريدون هداية الآخر وإصلاح العالم ودائما ما يكون رد المعتدى عليهم أيضا بالحروب والدمار درءا للعدوان ودفاعا عن الحق المسلوب.


    ومع كل هذا الجنون ودورات الأنانية والطمع كان في فصول هذه القصة مكان لأناس نبلاء آمنوا بالتعايش بين البشر وبأن السلام هو طريق الحياة وطريق الهداية والحب والحوار هما القدر الحقيقي للإنسان وأن أفضل الطرق لمقاومة العنف ليس العنف المضاد بل المقاومة السلمية، فإن كان المستضعف لا يملك قوة السلاح فهو يملك قوة الحق والتي هي أقوى من أية قوة، فالفكرة هي التي تحرك السلاح وفكرة الحق هي الأقوى،.


    اثنان من أعظم رجالات الفكر والسياسة في القرنين التاسع عشر والعشرين آمنوا بهذه الفكرة، جرت بينهما مكاتبات كثيرة. الأول هو الكونت ليو تولستوي (1828 -1910) أحد أعمدة الفكر والأدب في العصر الحديث والثاني هو المهاتما غاندي (1869 - 1948) أبو الهند الحديثة وواحد من أهم المناضلين السياسيين في القرن العشرين والذي كان يعيش في جنوب إفريقيا في الفترة التي تمت فيها المخاطبات وتواكبت هذه الفترة أيضا مع الأيام الأخيرة من حياة تولستوي.


    جمع الرسائل وحققها شرينفاسا مورثي أستاذ الفلسفة في جامعة كاليفورنيا، وصدرت في كتاب عام 1987 تحت عنوان "رسائل المهاتما غاندي وليو تولستوي"، عن دار لونج بيتش للنشر بأمريكا بالتنسيق مع صندوق نافاجيفان بأحمد أباد في الهند، وهو صاحب حق نشر الرسائل الأصلي. والكتاب الذي يقع في 83 صفحة من القطع المتوسط يبدأ بمقدمة كتبتها فيرجينيا هات رينجر أستاذ الفلسفة في جامعة كاليفورنيا تتضمن ملخص عن حياة غاندي في فترة كتابة الرسائل أثناء وجوده بجنوب إفريقيا، حيث بدأت الخطابات المتبادلة، ومنها خطاب تولستوي الأشهر "رسالة إلى هندوسي" الذي كان سبب بداية المراسلات بين العملاقين، ثم رؤية غاندي لمشروعه الذي سماه "مزرعة تولستوي" وهي مكان أسسه غاندي ليكون بمثابة بيئة للممارسة العملية لتعاليم وفلسفة تولستوي على مساحة 12 ألف هكتار كمجتمع مكتف ذاتيا يتم فيه ممارسة فلسفة اللاعنف أو الساتيا جراهي، يكرس الذين يعيشون فيه أجسادهم للعمل اليدوي وأرواحهم وعقولهم للحقيقة المطلقة وللفضيلة والطهر، على أن يمارس أعضاء هذا المجتمع شعائرهم الدينية المختلفة كما يحبون وفي حرية تامة. وقد استخدم غاندي ما تعلمه من هذه التجربة وخلاصة تجاربه فيها ليكون حجر أساس لفلسفته وتعاليمه التي أرساها بعد عودته إلى الهند بداية من عام 1919.


    وقد شرح الأستاذ مورثي أهمية كتابه في مقدمته فكتب: "هناك دائما هالة من الغموض تحيط بالكتب التي تضم خطابات فلطالما كانت المراسلات بين العقول العظيمة علامات فارقة على طريق التقدم وتاريخ الفكر، والخطابات المتبادلة بين الكونت ليو تولستوي والسيد "موهان داس كارمشاند غاندي" ليست استثناء فقد عكست هذه الخطابات احترام كل منهما للآخر وتأثره بفلسفته في الحياة وتأثر غاندي الكبير بفكر تولستوي، ففي عام 1909 ـ وهو تاريخ بداية التواصل بينهما حيث كان غاندي أحد أهم رموز المقاومة السلبية في جنوب إفريقيا بالفعلـ كان تولستوي قد كتب مقاله الشهير "خطاب إلى هندوسي" ردا على رجل يدعى س. أر. داس أحد ممثلي الثورة الهندية في أوروبا والذي كان قد تحدى تولستوي وسخر من فلسفته في عدم مقاومة المعتدين. وكانت بداية خطاب تولستوي جملة من كتاب الفيدا المقدس تنص على "أن كل ما هو موجود هو واحد ولكن البشر هم من يطلقون عليه مسميات مختلفة"، مصحوبة بتفسير لفيفيك أناند يقول فيه "إن هذا يعني أن الله هو الواحد الكلي وأننا عدة أجزاء" وبهذا رأى تولستوي أن أناند نفى كل خلاف في الجوهر بين الديانات، قرأ غاندي الخطاب  وطلب من تولستوي الإذن بإعادة نشره في جنوب إفريقيا بعد أن ترجم إلى الإنجليزية وقد نشره غاندي بالفعل وكتب مقدمة له بعد موافقة تولستوي الذي أصر على أن يترجم أيضا للهندية. إذن هكذا بدأت سلسلة من الخطابات المتبادلة بين العملاقين.


    وفي رأي مورثي أن الأهمية الحقيقية لهذه الخطابات كانت في وضع الكاتبين يديهما على ذلك الخيط الرفيع الذي يجمع القيم المشتركة بين الفكر في الشرق والغرب وكشفهما عن فهم عميق لأساس وجوهر الأصل الواحد الذي قامت عليه كل الديانات على اختلافها في المنهج المتبع للوصول إليه..


    في الفصل الأول يعود بنا مورثي إلى بدايات غاندي في جنوب إفريقيا وهي الفترة التي يرى أنها المرحلة الحقيقية لتكوينه وتبلور أفكاره ومع ذلك لم تأخذ حقها الكامل من الدراسة في نظره؛ ففي بداية حياته وبعد أن أنهى دراسته للحقوق في بريطانيا عام 1891 عاد إلى الهند ليبدأ عملا في المحاماة، وسرعان ما فشل ونظرا لظروفه الاقتصادية الصعبة قبل عملا في مكتب محاماة في جنوب إفريقيا وسافر إلى هناك وفي نيته البقاء لعام أو عامين على الأكثر حتى تتحسن الأحوال، ولم يكن غاندي يعرف معنى أن تكون هنديا هندوسيا في تلك البلاد ولذلك وجد ابن البراهمان "أعلى طبقات البشر عند الهندوس" المغرم بالحلل الثمينة نفسه يعامل معاملة أقل من المنبوذين في بلاده وينعت بأنه مليء بالقمل وجالب للذباب وقذر بل تعرض للضرب والحبس والإهانة أكثر من مرة وخصوصا في القطارات ووسائل المواصلات، فلم يشفع له علمه ولا ثيابه الثمينة ولا تقدير قومه له أمام مجموعة من الجهلة البربر المتوحشين المتعالين ببشرتهم البيضاء ودينهم الذي يرونه الحق.


    يقول القس دوك أول مؤرخ لحياة غاندي في جنوب إفريقيا إن غاندي في اليوم الأول الذي وصل فيه لجنوب إفريفيا قال: "لقد ارتكبت غلطة فادحة بالقدوم إلى هنا، لقد خدعت، هذه البلاد لا ترحب بالهنود" إضافة لهذا فإن عمله كمحام أتاح له أن يعاين قوانين إقليم ترانسفال الذي عاش فيه العنصرية عن كثب وأن يعاين كيف تطبق. لقد كان ممنوعا حتى على الهنود أن يتجولوا بعد التاسعة مساء إلا إذا كان يقوم بعمل لدى رجل أبيض. هو نفسه تعرض للركل والضرب من قبل شرطي أبيض لسيره في الشارع بعد التاسعة، كل هذا الظلم دفع غاندي لأن يفكر في طريقة لدفع هذا الظلم وإلغاء فكرة العودة إلى الهند تماما وتحولت مدة السنتين اللتين أراد أن يقيم فيهما في جنوب إفريقيا إلى أن تتحسن أحواله الاقتصادية لاثنين وعشرين عاما من الكفاح السلمي ضد الظلم والعنصرية، وتبلورت لديه فكرة الكفاح السلبي في ليلة الاعتداء عليه في قطار ديربان، وهو يقرأ كتاب راسكين "الرجل الأخير" ذلك الكتاب الذي أنهى غاندي قراءته في الليلة نفسها رغم كل ما حدث فيها، ولم تكن مصادفة أن كان للكتاب نفسه أثر كبير على أفكار الكونت تولستوي عن المقاومة ضد الظلم الاقتصادي.


    إن مصدر الظلم الأساس في العالم هو عدم العدالة في توزيع الثروة والقوة، لقد تشارك كلا الرجلين غاندي (المحامي الشاب في ذلك الوقت وتولستوي الكاتب الشيخ المختلفين تماما في العمر والثقافة والديانة واللغة وتفصلهما آلاف الأميال) فكرة واحدة هي البحث عن الحقيقة، تلك الفكرة استحوذت على معظم عمر تولستوي وعلى كل كفاح غاندي، وقد كتب القس دوك عن أثر تولستوي على غاندي في رحلة كفاحه للبحث عن الحقيقة قائلا: "بلا أدنى شك أن تولستوي أثر فيه بشدة فالإصلاحي الروسي العجوز صاحب الحياة البسيطة والجرأة في المواقف والتعاليم الداعية للعمل ونبذ الحرب وجدت صدى قويا في قلب السيد غاندي". كان كتاب تولستوي "مملكة الله في داخلك" ملهما له. هذا الكتاب وكتاب رسكين كانا القاعدة الأساسية للمباديء الغاندية عن الحقيقة والحب واللاعنف واللااستحواذ، هذه المباديء والأفكار التي اتخذت طابعا غربيا عند تولستوي وراسكين وأعطاها غاندي بعد إنسانيا شرقيا مستمدا من الهندوسية والفلسفة الهندية فقد جمع بين الرجلين غاندي وتولستوي نفس أسلوب التفكير والنظرة للحياة واستلهامهما للأنبياء ومفكري الديانات الوضعية فتعاليم السيد المسيح وسيدنا محمد وبوذا وكونفوشيوس وزرادشت كلها لها قاعدة واحدة من وجهة نظرهم هي الدعوة للحقيقة. وقد صاغ تولستوي نظرته هذه بقوله "إن بطلة كتاباتي هي (هي) تلك التي أحبها بكل قوى وجودي، تلك التي كانت وسوف تظل تجسيدا للجمال الحقيقي"، وهو ما ذكره غاندي في قوله "أنا لا أكرس لشيء إلا للحقيقة هي فقط التي أخضع لتعاليمها" وكذلك قوله "أنا أومن بأن الحقيقة الأساسية لكل الأديان هي واحدة أننا جميعا يجب أن نكون عونا لبعضنا البعض"، ويقول تولستوي "أنا مؤمن أن الأديان تتشارك في جوهرها الأساسي رغم اختلافها في الشكل، وهذا هو الجوهر الحقيقي للدين، هو أن نتقبل الآخر وهذه هي الطريقة الوحيدة للخلاص".


    الاثنان تلخصت دعوتهما في الأخوة الإنسانية ووحدة الوجود في الحب الكوني فجوهر الدين والعالم والإنسان لديهما هو الحب أو كما يقول تولستوي "الذي يحيا بالحب يحيا في الله ويحيا فيه الله لأن الله هو الحب"، ومن هذا المنطلق نشأت دعوة اللاعنف؛ فغاندي رأى الحب يتبلور في اللاعنف أو ما يسميه الأهيمسا Ahimsa، والأهيمسا لها معنيان أحدهما سلبي والآخر إيجابي.. السلبي أن لا تؤذي أي كائن، والإيجابي أن تتحمل الإيذاء وتحب من يؤذيك وأن لا تخاف من أذاه وأن تفكر بحرية ولا تخاف من التعبير عن فكرتك، فالحقيقة يجب أن يصرح بها وأيضا الحب يتبلور في عدم الامتلاك، هو ما رآه تولستوي في ما سماه العمل من أجل الخبز، وهو أن يتساوى الناس في الثروة وما رآه غاندي الهندوسي أن تحب الحياة لدرجة أن لا تأخذ منها أكثر مما يجعلك تعيش أو ما سماه "ساتيا جراها Satya graha" أي قوة الروح. قوة الحقيقة جمع غاندي كل هذه الأفكار التي توصل إليها من خلال قراءته لتولستوي وأنشأ عام 1906 مزرعة سماها "مزرعة تولستوي" بالقرب من جوهانسبرج جمع فيها أطفالا ونساء ورجالا من مختلف الأعمار والأجناس والأعراق ليطبق هذه الأفكار عمليا ويعيش كل من فيها طبقا لمبادئ "ساتيا جراها"، وكانت هذه المزرعة النواة الأولى التي أسست للسباراماتي آشرام Sabaramati Ashram مجتمع غاندي المماثل الذي أسسه بالقرب من أحمد أباد بعد عودته للهند، وتلك الطاقة الروحية والقوة التي استمدها غاندي من نجاح مزرعة تولستوي هي التي ستمنحه بعد ذلك القوة ليواصل كفاحه من أجل الحق والحرية لأعوام كثيرة تالية. وقد تبدو أفكار تولستوي وغاندي هنا قريبة جدا من أفكار ماركس ولينين ولكن غاندي وتولستوي لم يؤمنا يوما بضرورة الصراع بل على العكس، فقد أرادا أن يوقفاه بالحب، على عكس ماركس ولينين اللذين أرادا تحقيق المجتمع المثالي بالقوة والصراع، رأى غاندي وتولستوي أن الحل في الوصول لجوهر الدين أما ماركس ولينين فرأوه في تدمير الدين ولذلك أدان غاندي الثورة الروسية.


    يستعرض مورثي بعد ذلك نصوص الرسائل المتبادلة بين غاندي وتولستوي والتي بدأت برساله من غاندي في أول أكتوبر 1909 يستأذن فيها في نشر مقاله خطاب لهندوسي في جنوب إفريقيا، وذيلها بتوقيع "خادمكم المطيع م. ك. غاندي" وراجعه تولستوي في مفهومه عن التناسخ واستوضح نقاطا تخص فلسفة اللاعنف شارحا منجزه بهذا الصدد في جنوب إفريقيا واستعرض الوضع معه، ورد تولستوي عليه شاكرا ومجيبا لطلبه كما طلب مزيدا من التواصل والتعارف رغم أنه كان في حالة صحية سيئة، وقد أرسل له غاندي خطابا مرفقا بسيرته الذاتية التي كانت قد طبعت مطلعا إياه على تطورات الصراع السلمي الهندي في الترانسفال، ثم أرسل غاندي كتابه الأول لتولستوي من بريطانيا بالإنجليزية بعد منع نشره في الهند باللغة الجوجراتية، لغة غاندي الأصلية، طالبا رأيه وتعقيبه وليخبره بأن رسالته خطاب إلى هندوسي قد ترجمت للغة الهندية، وفي الثامن من يوليو وقبل وفاة تولستوي بفترة قصيرة جدا أرسل تولستوي لغاندي رسالة مخاطبا إياه بأخي وصديقي، ليخبره بأنه قرأ كتابه وبأن الأسئلة المطروحة فيه لا تهم الهنود فقط بل تهم الإنسانية جمعاء وأن لديه الكثير من الأسئلة والاستفسارات له ولكنه يخشى أنه قد وصل إلى حالة صحية لن تمكنه من أن يرسلها إليه، فأرسل غاندي إليه شاكرا وشارحا له فكرة مزرعة تولستوي التي كان قد مر على إنشائها ثلاثة أعوام لذلك أرسل له أعداد من جريدته الرأي الهندي Indian Opinion التي أجرت تحقيقا كبيرا عن المزرعة وأنشطتها وأرسل له تولستوي في سبتمبر رسالة أخيرة معبرا عن تقديره وعرفانه وسعادته بهذا التطبيق العملي لفلسفة الحب الذي هو على حد قوله الملهم للوحدة مع بقية الأرواح في الكون والمحرر للأنشطة النبيلة وهو روح الوجود وأصله التي تقف ضد كل مظاهر الثروة والمادية والسلطة ويستعمل البشر القوة للحفاظ عليها، الحب هو قانون الحياة وأصل الكينونة. واستطرد تولستوي في رسالته شارحا قوانين الحب في الأديان ورؤية السيد المسيح للحب التي شوهتها الحضارة الغربية التي تدعي أنها حضارة مسيحية، لكنها في الحقيقة تتمسح بالمسيح للحفاظ على مصالحها. وذيل رسالته هذه بكامل احترامي وتقديري لشخصكم.


    وبعد وفاة تولستوي في 26 نوفمبر1910 كتبت صحيفة الرأي الهندي أن تعاليمه ستظل خالدة عبر تلامذته وأتباعه وبلا شك فإن رسالته الأخيرة للسيد غاندي شكلت دعما كبيرا للاتجاه الهندي في ترسيخ فلسفة اللاعنف وسيكون لها كبير الأثر على الأمة، وهو ما حدث بالفعل، فغاندي وتولستوي أثبتا للعالم أن البحث عن الحقيقة ونبذ العنف وبالحب من الممكن أن يتجاوزا كل العقبات والمستحيلات الثقافية والسياسية ويفتحوا الطريق لتطهير الروح ولمنابع جديدة للرؤية ولحلول خلاقة لأعقد المشكلات.