رسالة إلى مصطفى سعيد .. هل أعرف لك الموت؟ ألا تمتد يدك لكأس الخمر

21/02/2016 - 8:26:42

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عبدالغني كرم الله

جواب بريدي


السيد/ مصطفى سعيد المحترم


قرية: دومة ود حامد/ ص ب: 424


المديرية الشمالية


يجده بخير وصحة


التاريخ 27/2/2009م


عزيزي مصطفى سعيد..


تحية طيبة، مباركة..


البركة فيكم، تقبل عميق حزني.


    لا أكذب عليك، وأنا أخط هذا العزاء الصادق، تحيرت، أكثر من نصف ساعة، وأنا أقطب جبيني، وأقلب طرفي، محتاااار، بمن أعنون الرسالة؟ بك، أم الزين، أم الحنين، أو حواء بت العريبي، أم ضو البيت، في لمح مسحت الزين من خاطري، هو درويش، وأمي، فلو وصلته رسالتي هذه، عند البئر، وهو يقمز هذه، ويقرص تلك، لمزقها قطعا نتفا صغيرة، مثل زجاج متهشم، ورماها في الهواء، فترقص كحمام أبيض، مخلوع من رشق طفل، أو حشرها في فمه "الشروم" وبلعها كحبة أسبرو، ثم يسدر في غيه!


    كما أني أحس بالعجز، في فهم "تصوركم للموت"، وأجسادكم مما خلقت؟ من مادة الحلم!! والتذكر!! والتخييل!! أعندكم كائن اسمه "الموت!! ويهزكم هزا؟" لا أظن، دون كيشوت لا يزال يعيش، كما هو، خرفا، هاذيا، وقد مات سرفانتيس، وشبع موتا، مات الخالق، عجبي، وخلد المخلوق، ألهذا قتل نيتشه "ربه" ربما، ألهذا تضمر المرأة "خلق الرجل" في رحمها، وتشي بسر خفي، ألا تحس بذلك في نظرات النساء، رغم قهرهن الماثل؟ ماكرات كالإله "والله خير الماكرين"، الخالق يتوارى، دوما، حتى يتيح حجة الإنكار، لمن ينكره، أليس هذا هو الشعر نفسه، بل "ذاته" ألم يخلقنا رحم المرأة؟ كم يبدو ذكيا، أليس كذلك؟ هي تطرز، أو تطبخ، وهو ينسجنا بمهمل، تأمل "قلبك، تلكم المضغة السحرية؟ وهي تصنعه بمهل، "في أحشائها"، وهي ترسم أو حتى نائمة، أي ثراء لهذه "الخالقة، المتوارية"، ألهذا رمز المتصوفة في كل الأديان "بسلمى، ولبنى" للذات الإلهية؟ كم يتوارى الخالق دوما، ويفتح أفق الاحتمالات كلها، حتى النقيضة، والمنكرة، مثل خالقك "الطيب صالح"، أتعرفه؟ من رحم خياله خلقك.


    أتمنى ألا تقرأ عزائي هذا، ببرودك المعروف (لا دموع، ولا قبل ولا ضوضاء)، هكذا ودعت أمك، وأنت وحيدها، في سفرتك المشؤومة للقاهرة، ولندن، هل سمعت "بالذكاء العاطفي"، يدرس الآن، فقد حرمت منه، وكان عقلك (مثل مدية حادة، باردة). فالميت ليس أمك، ولكن خالقك، ونعمة الذكاء العاطفي، تجعلك تحس بنبض قلوب الضفادع في أي بركة عكرة، ناهيك عن قلوب بني آدم، ومشاعرهم النبيلة.


    هل أعرف لك الموت؟ (ألا تمتد يدك لكأس الخمر)، هكذا عرفة أبو نواس، وهو تعريف حكيم، وشاعري، ولكن من يجرؤ على وصفه كما هو، فمن يختفي وراءه سياجه العظيم، قد يرى الموت جميلا، وقد تمتد يده لأكثر من كأس، كل التأويلات مباحة، ومتاحة.


    هل أقول لك سرا؟ لقد أحسست بمتعة الطيب صالح وهو يخلقكم، متعة الخلق، المرآة؟ التي يرى فيها الخالق نفسه، "هو" أنتم، أتصدقني؟ فشكر الصنعة، شكر الصانع، ونعمة المحزونة دوما، أكانت تعلم بحدسها موته؟ حاسة سابعة للنساء؟


    كما احترت في الميت، بالنسبة لك أنت يا مصطفى سعيد، ولكني محتار حقا، وليس مجازا،، فهو ليس أباك، ولا أمك. أأعزيك في موت خالقك!؟


    تصور، أني أعزيك، في موت إلهك، من خلقك من العدم، وحمل بك كأرحام الأمهات، وسقاك وغذاك بحبل سري من المعاناة، وتقليب الطرف، والنشوة، والثمالة، فكنت كما كنت، رجلا فاقد الهدف، ريشة في مهب الريح، رياح الغير، ورياح ذاتك الغائبة، خلقك بلا حول منك، أو قوى، بل لولا خاطره، لما كان لك وجود على الإطلاق، أحس بمعاناتك الآن، لو قدر أن ذلك الخاطر لم يمر بذهن الطيب صالح، أحس بهوانك، وغموض إيجادك! أحس بك، فنحن في الأحزان شرق.


    بل بربك. أيموت الإله؟ من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.. قتلك، أو انتحرت، أو مت، فأي مصير كان لك، اختاره هو، وأنت رغم تبجحك، وقتلك للنساء، وشطارتك المنقطعة النظير، لم تكن سوى بوق ينفخك هو، بلحن شجي، أو عذب، وها هو يموت، مثلك، إلهك يموت يا مصطفى سعيد، فماذا أنت فاعل الآن. أتحس بأنك أنت الثلج، وهو الماء فيها... روحان حللنا بدنا.. فتموت بموته، لأنك مجرد علم (في ذهنه)، مجرد نشوة في قلبه، مجرد وقائع في ذاكرته، مجرد ظل لشمس انطفأت؟


    أنت خاطرة، في ذهن غيرك، ما أهون وجودك، وما أقواه؟ أين كنت قبلها؟ قبل أن تخطر على خيال الطيب صالح؟ أم الأمر لا يهمك، كأبيقور، حين نصح تلاميذه بعدم الخوف من الموت "أنتم لم يكن لكم شعور أو خوف قبل إيجادكم، وكذا بعد موتكم؟ أم أنت من أنصار الموت ميلاد في حيز آخر، كالحنين؟ أتعرف  ولي الله "الحنين"؟ أم هو من بلاد أخرى؟ عرس آخر، وحكاية أخرى، في شعاب خواطر الطيب صالح الكثر؟


    أم لك وجود بدونه، على أي شيء تقوم قيومتك، بك؟ أم به؟ وستظل كدون كيشوت، بلا سرفانتس؟ ما أعجب الحياة والروايات، تتشابه، بل الحياة رواية كبرى، أليس الخيال والتأليف جزءا منها؟


   عزيزي..


    هل تعرف "الزين"، وقصته، أم أنكم جزر معزولة، رغم أن خالقكم واحد، كما لا نعرف نحن الملائكة، وعوالم السموات، رغم الخالق الواحد، و"مسعود"، أتعرفه، الرجل الذي يحب "النساء"، الشاعر، الذي رأى نخله يباع، وذلك الطفل، وجده، والبصقة التي سممت النهر، حين تقيأ الطفل التمرات من حلقه المحزون، تلك البصقة التي تشبه بصقة سانتياجو، بطل "العجوز والبحر"، "حين خانه البحر"، ولم يجد عليه بسمكة، وهو الصياد العجوز، الماهر، من يشاق الله، يشاقه.


   هل تصدق أن الطيب حذف فصلا كاملا من حياتك، (قال هذا في لقاء صحفي)، ماذا لو لم يحذفه، أيتغير قدرك؟ أم رفعت الأقلام وجفت الصحف؟ أحن عليك، لا تعرف أن فصلا من حياتك قد حذف، بل هناك 11 سطرا تم حذفها، لم؟ لأن خالقك "الطيب"، خاف من بنت مجذوب، وبذاءة لسانها.


    ألم تقل عن نفسك، "أحس إحساسا دفئا بأني حر، بأنه ليس ثمة مخلوق، أب وأم، يربطني بالوتد إلى بقعة معينة ومحيط معين"، فأنت الآن حر، حتى من خالق، وإرادته، وقدرته، حر، وحر!! (أتدري لم خلق الموت)، من أجل الحرية المطلقة، من قيود الحياة، وأعرافها، وعلومها..


   هل تمقت الطيب صالح، لأنه خلقك هكذا؟ وطلبت التخيير؟ من تسييره لك؟


    خلقك متوترا، غريبا، ذكيا، أم تصالحت مع قدرك، أم أنك لا تعرف الطيب صالحا، أصلا، وتقسم "مثلنا"، أو مثل بعضنا، بأنك خلقت عفوا، أو مصادفة، أو جدلا ماديا، ذكيا، كامنة فيه قوانين تطور فطري، فكنت أنت، وكانت البنى الفوقية "من ثقافة، وفن، ودين"، أم تفتق ذهنك، عن إله خلقك، أعثرت على أسمائه الحسنى؟ أم تخبطت في ضلال مبين؟ أأنت ملحد؟ خلقتك المصادفات؟ أم لم تفكر في الأمر كالأشجار، واكتفيت بالرقص مع النسيم، نشوة الرقص مع نسيم الرؤى والضلال؟ آااه كم نفسي أن أحشر أنفي في حناياك، وأعرف حسك، وطريقة تفكيرك، وتصورك للإله.


    أين مقابركم، حين قتلت جي موريس، أين دفنت؟ وأي معول حسى تراب الخيال على شعرها الأشقر؟ أم قبوركم كالذكريات؟ تدفن في قاع العقل الباطني؟ ولكن الذكريات قد تطفو؟ أهو بعث من موت؟ كعاذر؟


    هل رأيت قارئا في حياتك، قارئا يضع عالمك، "موسم الهجرة إلى الشمال"، في صدره، وهو راقد في قريته، تحت ظل شجرة نيم ضخمة، ويراقبك، (أريتني)، ولو على سبيل الإيمان، أن هناك من يراقبك، ولا تراه، كالملائكة "بالنسبة لنا"، أو الإيقان بأن هناك حيوات خارج مدى حواسك، هل تعرف "عماد عركي، وجماع، أفنان، الشبلي"، إنهن يعرفونك تماما، يالها من جذر، يعرفون حزنك في المحاكمة، ويعرفون سروالك وقميصك المتسخ بحقول ود حامد، ويعرفون مصير حسنة زوجتك، والذي أنت لا تعرفه، هل تعرف أن ود الريس قتلها؟ وأن الراوي، دوخته رائحتها، في مساء نبيل؟ ما لكم كيف تحكمون يا مستر سعيد؟ هل أنت "ملحد" في وجودنا؟ أخاف أن ترسم وتخط كتاب، في أننا "أساطير الأولين"... لا عليك، للحياة مكر، وهي فعلا تستحق الإطراء، والذم، فلها ألف وجه، أنت لا تعرفني (كقارئ)، أنا أصغاث أحلام بالنسبة لك، بل بالنسبة لي، فأنا، مثلك لا أعرف نفسي، بل كل فجر أعرف جزءا ساذجا منها، فعلا أضغاث أحلام، لك، ولي.


  صديقي مصطفى..


    يحزنني أن أخبرك، أن حسنة بت محمود، قتلها ود الريس، وقتلته، والبركة فيكم، في زوجتك المخلصة، هل تصدق، بغتة ينتابني وسواس، أنت (الراوي)، هناك مكر في الكتابة، ولكن من حضر غيابك، غيرك، والفصل الأخير من الملحمة، وحتى النجدة، النجدة، من سمعها غيرك؟ أأنت الراوي؟


  مستر مصطفى..   


    أتعرف رأي الناقد فيك؟ كلهم كذبة؟ تأويل خاطئ؟ إدوارد سعيد؟ ورجاء النقاش؟ أأنت مريض بالتوحد؟ علاقتك بأمك؟ والغرب هي هي؟ حتى دومة ود حامد لم تتصالح معها؟ لا أكثر عليك، فالمقام مقام عزاء.


    أم صرت تراه الآن؟ (كما يرى الشعراء والرسل أهل المقابر)، أحياء من نور، الموت لغز لنا، قد يكون الآن مرئي لك، قريب منك، وأنت ترى خالقك، كما نراه نحن بعد رفع برزخ الموت، ربما؟ وهنا أهنئك بموته، ورؤيته، ما أغرب أمورنا، كلها طلاسم، وألغاز.


    والسلام عليكم،،،


عبدالغني كرم الله


الخرطوم