سلامة موسى.. نموذج للعقل الطليق

21/02/2016 - 8:25:32

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. سعيد إسماعيل علي - كاتب مصري

   من صور الكتابة التى يستمتع بها القراء غالبا، السِّيَر التى يكتبها أعلام السياسة والفن والأدب عن تطور ذواتهم، عبر سنوات عمرهم، فمثل هؤلاء الأعلام الذين يحظون عادة بإعجاب ملايين الناس، أو مئات ألوفهم، يتوق هؤلاء المعجبون أن يتعرفوا على هذا العالم الذى يقف وراء ما قرءوه أو سمعوه أو شاهدوه، وأقدم هذه السير، ما كتبه أبو حامد الغزالى بعنوان (المنقذ من الضلال)، وإن كان خاصا بتطوره الفكرى، وكذلك اعترافات جان جاك روسو، وغيرهما .


    وهذه السير، أوفاها وأكثرها انتشارا، تلك التى تتعلق بالحياة الشخصية للكاتب وأبرز الأحداث والأوضاع التى عاشها، ولا يعرف الناس غالبا إلا ما ندر عنها. لكن ما يغلب على ما شهده سوق التأليف فى مصر، هو تلك السير التى تنصرف إلى حياة الكاتب العملية، أو جانب منها، كما سبق أن قرأنا للدكتور محمد حسين هيكل مذكراته فى السياسة المصرية، وما كتبه عبد اللطيف البغدادى، العضو السابق فى مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 عما مر به وعلق عليه من وقائع بدايات تكوين الضباط الأحرار، وسنوات الثورة الأولى، حتى انفصل عنها واعتكف، وكذلك ما كتبه خالد محيى الدين: (الآن أتكلم)، وغير هذا وذاك.


    وفى الحياة الأكاديمية نجد ما كتبه الدكتور رؤوف عباس (مشيناها خُطى)، ونشرت فى (كتاب الهلال)، وكذلك (حقبة من الزمان) للدكتور أحمد عبد السلام الكردانى وكان أول عميد لمعهد التربية العالى للمعلمين الذى ظهر فى آخر العشرينيات من القرن الماضى. وكذلك كتبت الزعيمة النسائية الشهيرة نبوية موسى سيرتها العملية والعلمية فى (تاريخى بقلمى). وهناك سير تطرقت إلى كثير من تفاصيل الحياة الشخصية، وأشهرها (الأيام) لطه حسين، و(أنا) لعباس محمود العقاد.


   وكتب سعيد إسماعيل قصة حياته العامة والخاصة بكل تفاصيلهما، فى (هاؤم اقرءوا كتابيه.. قصة حياة أستاذ جامعى). وكل هذا ليس على سبيل الحصر بطبيعة الحال.


    أما سلامة موسى، فقد كتب (تربية سلامة موسى).


   وعندما يكتب صاحب الذكريات عن نفسه، فإن لهذا عيوبه، حيث كثيرا ما يغفل عن سلبيات لديه، لا يراها إلا الآخرون، أو قد لا يبصر هو مدى سلبيتها. وهو – فى أوطاننا العربية خاصة – غالبا ما لا يتطرق إلى تفاصيل جوانب شخصية، وخاصة تلك التى تتعلق بالعلاقة بالجنس الآخر. ومهما حاول كاتب السيرة الذاتية أن يلتزم الصدق، لكنه إذ يجد نفسه أمام أناس ما زالوا على قيد الحياة، يميل إلى المرور مر الكرام على بيان علاقته بهم، حيث إن الحديث عنهم قد يجلب لهم المتاعب، خاصة إذا كانوا من الجنس الآخر، أو الخصوم السياسيين أو الثقافيين.


   وتلعب الثقافة العربية والتقاليد الاجتماعية دورا ملحوظا فى حجب الحديث عن بعض الأمور، فضلا عن قلة ما يكتب فى هذا الباب ويكون بالفعل "مذكرات خاصة"، ولذلك قلما وجدنا مذكرات خاصة نسائية، إلا من حيث الجوانب العامة.


    ويلفت سلامة موسى النظر إلى قطاع رآه مهما، لا يُحسب فى دائرة السير الذاتية، فإذا كانت الكتابة مركزة على القمم والقيادات، ألا نكون فى شوق لأن نقرأ عن "السفوح"، وخاصة المجرمين؟ قد يبدو هذا غريبا لدى بعض من يقرأ هذا، لكننا نثمن على ما تمناه سلامة موسى فى هذا الجانب، فكما يجب أن نعرف كيف صار هذا أو ذاك عظيما، فيجب كذلك أن نقرأ كيف صار هذا أو تلك فى القاع؟!


    وقد اقتبس سلامة موسى عنوان سيرته الذاتية (تربية سلامة موسى)، من "هنرى آدمز"، حيث كتب فصولها عما مر به، ورؤيته هو لما عاشه فى الفترة ما بين عامى 1895، و1947.


    واستغرقت كتابة السيرة مدة عامين، وبعض فصولها كان قد كتبها متفرقة فى بعض المجلات، حيث لم يكن يعرف ساعتها أنه سوف يضمها إلى فصول أخرى لبيان سيرته الذاتية فى كتاب. ولا بد أن قارئ اليوم سوف تدهشه بعض الصور التى كتب عنها، مثل ركوبه الحمار من محطة القاهرة إلى عابدين، عندما جاء من بلدته بالزقازيق، بينما أصل أسرته البياضية فى محافظة أسيوط.


   وكاتبنا يكتب بشيء من الأسف عما وصفه عن بعض جوانب حياة الأقباط فى مصر، من حيث "الانفراج" الذى فرحوا به عند مجيء الحملة الفرنسية، لأنها أباحت لهم أن يلبسوا من الملابس ما يشاءون، مما يسّر عليهم الانتقال من مكان إلى آخر، عبر المحافظات أو المديريات، بينما كانت بعض العهود تشهد تضييقا على الأقباط فى ملابسهم التى يخرجون بها خارج بيوتهم، مستشهدا فى ذلك بما كتبه الجبرتى من حوادث 1233هجرية: "وفيه نودى على طائفة المخالفين للملة من الأقباط والأروام بأن يلزموا زيهم من الأزرق والأسود، ولا يلبسون العمائم البيض"، وإن كان لنا أن نؤكد أن هذا لم يكن فى كل العهود، فعادة ما تشهد عهود التخلف والتراجع، تراجعا وتخلفا مماثلا، فى النظر إلى الآخر، وأشهر من سار على هذه السنة السيئة، "الحاكم بأمر الله" فى العهد الفاطمى.


    وتكشف السيرة الذاتية لسلامة موسى عن أصوله الفكرية التى امتدت إلى الأرض الأوروبية، حيث مهد لذلك، ضيق شخصى بما كان يقرؤه فى مصر من أعمال أدبية تعود إلى قرون خلت، حيث كان يمل ما كانت تجنح إليه من إطناب، فضلا عن أن مجالها لم يكن يتعدى الوجدان والمشاعر، دون أن تملك القدرة على تغيير ما يجرى على الأرض من وقائع وأحوال. من هنا فقد فتح عقله لما كان يجده من كتابات على صفحات مجلة مثل مجلة "المقتطف" التى كان يصدرها يعقوب صروف، ويشارك فى الكتابة كذلك شبلى شميل الذى دارت معظم كتاباته حول ما كان يذيع فى عالم ذلك الزمان من آراء وأفكار تتصل بما قال به "داروين" عن نظريته فى التطور.


   ويمكن بهذا أن نعزو إلى "المقتطف" هذه النزعة العلمية التى لازمت سلامة موسى طوال حياته، وكذلك هذا "الأسلوب التلغرافى" الذى كان يكتب به، والذى ظن البعض أنه من اختراعات سلامة موسى. وكان يعقوب صروف لا يعرف التزاويق، بل كان فى الأغلب لا يتذوق الجملة الفصيحة أو الكلمة الناصعة أو العبارة المتلألئة، أو سائر تلك الألاعيب اللفظية التى كان الكتاب يرفعون من شأنها إلى قبيل الحرب العالمية الأولى.


    لكن كاتبنا لم يقتصر على التأثر بالدراسات العلمية وحدها، بل كان هناك تأثر كذلك بالأدب، فى صورته العربية التى لم يسترح لها، بل فى صورته الأوروبية، معتمدا فى ذلك على ما كان ينشره "فرح أنطون" ويروجه، وخاصة الآداب الفرنسية، التى كانت تفوح منها روائح التمرد والثورة، والنزعة العقلية، دون أن يخفت بين سطوره ما يُشعر القارئ بخفقات القلب، واهتزاز المشاعر، وخاصة على يد فولتير، وروسو، وديدرو، ومن سار على الدرب نفسه، خاصة أن هؤلاء قد غايروا الطريقة العربية فى الأدب التى كانت سائدة، حتى أمكن أن يصفه البعض بأنه أدب السلاطين والحكام، بينما ما برز من أدب فرنسى كان يجنح نحو الجماهير، ويقف ضد الملوك والحكام الذين عُرف عنهم الاستبداد وقهر الشعوب.


    وإذا كانت "المقتطف" تشيع الفكر العلمى، فإنها لم تكن بابا إلى قراءات أدبية، لكن قامت بذلك "مصباح الشرق"، الجريدة الأدبية التى كان يصدرها "المويلحى"، وإن كان الأدب العربى هو الذى غلب عليها، على غير ما كانت تفعل مجلة (الجامعة) التى حرصت على أن تكون طاقة تنوير، وسبيلا إلى التحديث والتجديد.


    وحظى فرح أنطون بالكثير من آيات التقدير وصور المديح من سلامة موسى، من حيث تأثيره فيه، بل وفى الحياة الثقافية عامة، حيث نقل الرجل كتاب (إميل) لجان جاك روسو، وكتب عن "نيتشه " للمرة الأولى باللغة العربية.


   ولم يجد مصطفى كامل ونهجه، ومن تابعه، الطريق إلى وجدان سلامة موسى وعقله، حيث لاحظ أن هذا النهج يربط مصر والعقل المصرى بدنيا الشرق، وبالدولة العثمانية، بينما شعر بإعجاب شديد بنهج مغاير ظهر به "أحمد لطفى السيد" الذى كان يقف مضادا للهيمنة العثمانية، ويشدد على ضرورة أن تكون "مصر للمصريين".


    وشكل لطفى السيد، مع قاسم أمين، ومحمد عبده طريقا جديدا فتح الأبواب أمام العقل المصرى للتخلص من بعض أدران الماضى التى كانت تستظل بالمظلة العثمانية.


    وشعر سلامة باختناق شديد من ذلك المناخ التعليمى بصفة خاصة الذى كان مسيطرا سيطرة حديدية، تجعل التكوين العقلى منحبسا فى قفص حديدى "مُقَوْلب"، فسارع إلى السفر إلى أوروبا، حيث كانت السبل عام 1907 سهلة ميسورة.


    ومما له دلالته، حيث كان السفر بحرا فى هذا الوقت، تعرفه إلى راكب من الموظفين الأتراك، الذى كان يعرف بعض العربية، وكانت الباخرة تقف عند بعض المحطات البحرية، ينتهزها الركاب فرصة لبضع ساعات "للفرجة" على سكان الميناء ومنشآته، فلما حطت الباخرة عند أزمير، ونزلوا وجد المرافق التركى يسأل ويدقق فى أسماء "الحوذية" - أصحاب الحناطير- عن أسمائهم، فلما سأله سلامة عن سر هذا، فاجأه بأنه يريد أن يتأكد من ديانة الحوذى، لأنه لم يرد أن يتعامل إلا مع المسلمين، ولم يكن يعرف أن صاحبنا مسيحى!!


    إنها صورة مرذولة مع الأسف الشديد، كان من شأنها أن ترسخ فى أعماق صاحبنا نزعة ضد هذه الجوانب التى تفرق بين الناس ولا تجمع شمل أبناء الوطن الواحد، كما هو مفروض.


    واجتمع مع هذا الشعور بالتقزز من تلك النزعة التركية فى التمييز الدينى التى كانت قائمة فى ذلك الوقت، نزعة أخرى، هى احتقار العرب وإساءة معاملتهم. لكن الدنيا أصبحت غير الدنيا، والناس غير الناس عندما حط مفكرنا رحاله فى باريس، التى انطلق يعب من معينها الثقافى والأدبى والفنى، فإذا بعقله يفتح ذراعيه مرحبا بكل ما يقرأ ويشاهد ويخبر، حيث التمدن والعصرية والتقدم.


    وعندما عاد صاحبنا إلى مصر عام 1909، إذا به يسارع إلى مدن جنوب الوادى بغية مشاهدة الآثار المصرية القديمة التى فوجئ صاحبنا، عندما كان فى باريس أن كثيرين كانوا يسألونه عنها، بينما هو لم يقع فى خبرته السابقة فى مصر على شيء ذى بال حول هذه المسألة، إذ حرص الإنجليز على ألا يلتفت المصريون إلى آثار أجدادهم التى تنطق بأن هذا الشعب لا يُعجزه أن يكون قويا، لا ماديا فحسب، بل حضاريا كذلك.


    وكان من حسن حظ مفكرنا يسر الناحية المالية، بفضل ما ورثه من عقار صغير، لكنه يغل دخلا معقولا، لم يحوجه قط إلى الاهتمام بالكسب، ولم يكن الإسراف أو الاستهتار فى مزاجه، ولذلك لم يبال فى دراسته أن يعين هدفا بنية الارتزاق والكسب، بل كان كل قصده ونشاطه أن "يستنير"، وأن يقشع هذا الظلام الذى شعر بأنه يخيم على عقله بفعل المناخ السائد، وخاصة عندما أتيحت له فرصة السفر إلى الخارج ورأى عالما مختلفا تماما. ومن هنا شمر عن ساعديه، مصرا على أن يربى نفسه بنفسه، بعيدا عن معاهد التعليم التى كانت قائمة والتى شعر بأنها تقيد تفكيره فى قوالب حديدية، ولا تتاح لعقله فرصة الانطلاق، وأن يرى الحق حقا بنفسه، ويعلن ذلك، وأن يرى الباطل باطلا، وأن يعلن ذلك، من غير أن يستهدف إرضاء فلان، والخوف من علان.


   وإذا كان سلامة موسى قد أحسن الاختيار، واتسمت كتاباته بسلاسة الأسلوب، ووضوح الفكرة، والعلمية، والاستنارة، لكنه تطرف إلى حد كبير فى احتقاره لكل ما هو شرقى، وتهوينه من شأن ما هو عربى، والنظر بعين التقدير الزائد إلى النموذج الغربى، دون أن ينتبه إلى أن الدول الأوروبية كانت سببا رئيسيا – لكن ليس وحيدا- فى إفقار الشعوب العربية، وفى مقدمتها مصر، فضلا عن تضييق فرص التعليم، والترويج لكل ما يهبط بالمشاعر الوطنية، ويعمق الانبهار بالآخر الغربى، وتوريث البلدان التى خضعت للاحتلال لنوعيات من الحكام تضيق على الناس حرياتهم عقودا طويلة، حتى أصبحت ممارسة الحرية مشكلة صعبة، يمتلئ طريقها بالأشواك، مما برر ظهور فريق من الناس يرمون الممارسة الديمقراطية بكل ما هو شر، ويستعذبون الخنوع، ذلك الطريق الذى لا يؤهل شعبا لأن يكون شريكا فى الإنتاج الحضارى المتقدم.