محمد منذر لطفي .. أمير مملكة الحب

21/02/2016 - 8:23:15

محمد منذر لطفى محمد منذر لطفى

محمد رضوان

كان أول معرفتى بالشاعر السورى محمد منذر لطفى أثناء رئاستى لتحرير مجلة السراج العمانية فى العاصمة العمانيةمسقط عندما وصلتنى عدة رسائل ودودة بخط


منمق جميل من هذا الشاعر من مدينة حماة وسط سوريا أرفق بها عدة قصائد وجدانية له ولابنته الشاعرة تغريد.


ونشرت له عدة قصائد مع بعض الدراسات الأدبية التى أرسلها مع قصيدة تغريد محمد لطفى.


وكانت الر سائل وسيلتنا للتواصل و أذكر أننى هاتفته فوجدته إنسانا رقيقا مهذبا كما توقعت.


وفى زيارتى الأولى لسوريا فى شهر سبتمبر ( أيلول) 1993 حرصت على زيارته فى مدينة النواعير حماة حيث يقيم، وزرته فى مكتبه بفرع اتحاد ألادباء العرب وسط حماة فى منطقة هادئة.


و أهدانى ديوانه ال شعرى “جميلة هى الحياة” و أصر على أن أزوره فى بيته وزرته فى بيته الأنيق القائم على تلال حى الشريعة فوجدت كل شىء فى البيت أنيقاً ينم عن شخصيته وعن شعره الأنيق وحييت رفيقة عمره السيدة نوال التى


كانت تلازم فراش المرض لأكثر من عشرين عاما، وحيتنى بابتسامتها الهادئة و صوتها الواهن المرهق بكل لطف ومودة. وتعرفت إلى أبنائه: تمام وأخيه أنس وتغريد أما الابنة الكبرى سماح فأخبرنى أنها متزوجة وتسكن بعيدا عنه.


ثم تواصلت لقاءاتنا وتعددت أثناء زياراتى المتكررة لسوريا وكانت له مواقف رائعة معى فى رحلة بحثى عن زوجة لى فى حماة وسافر معى إلى اللاذقية وحلب و أدين له بالفضل لأنه جنبنى عثرات كثيرة فى اختيار الزوجة المناسبة. وفى عام  1997 أهدانى ديوانه “الدخول إلى مملكة الحب” الذى يعبر عن شخصية محمد منذر لطفى فى مرحلة النضج الفنى ويصور لنا خفقات قلبه وهمسات روحه لعالم الحب والحسن والجمال..


وجدت فى شعره ذلك القلب الخفاق الذى يهتز لكل لمحة جمال، ولكل صورة للحسن والفتنة وروى لى أنه كان ضمن الجيش السورى الأول فى القاهرة أثناء الوحدة المصرية السورية فى الفترة من فبراير 1958 حتى سبتمبر 1961 حتى انفصمت عرى الوحدة بسبب حركة الانفصال من بعض ضباط الجيش السورى.


بدأت أتعرف سيرته وحكايته مع الشعر والأدب.


عرفت أنه من مواليد شهر فبراير 1935 فى حماة و أنه شغل عددا من المناصب العسكرية المرموقة فى سلاح الطيران العربى السورى آخرها عقيد طيار ركن حتى تقاعد سنة 1972 وقد بدأ مشواره الشعرى منذ سنة 1950 وتمحور شعره حول الشعر القومى والوطنى و شعر الحب والجمال والغزل و شعر الوصف وفى سنة 1980 بدأ يكتب الأناشيد والمسرحيات الشعرية للأطفال .


فى مملكة الحب


وعاش الشاعر محمد منذر لطفى فى مملكة الحب والجمال التى رتل لها أجمل أغاريد الحب والجمال فى شعره.. ابتداء من أسرته الصغيرة : زوجته أم أولاده السيدة نوال و أولاده تمام و أنس وسماح وتغريد ثم فيما بعد سنة 1999 ملهمته


وزوجته الشاعرة مروة حلاوة ثم مدينته الجميلة الأثيرة لقلبه “حماة” مدينة النواعير والتى تطل على نهر العاصى ووطنه سوريا ثم وطنه العربى الكبير. هكذا عاش شاعرنا فى مملكة الحب التى غنى لها ورتل أناشيده العذبة الشجية حتى أصبح أميرا لمملكة الحب، وهى مملكة تتسم بعالم رحيب من الحب المطلق الذى ينشد الحق والحرية والخير والجمال تعايشه فيه لحظات الألم والأمل، والشجن والفرحة، والأسى والسعادة .. إنه عالم رحب تتسع لها مملكته الزاهرة المليئة بزهور الحب، و أغاريد الصفاء، ونجوى الحبيب، وهديل العنادل وسريان نهر الحب فى العاصى وكلها تنطق بصفاء هذه المملكة وجمالها وسحرها الآسر الخلاب. وقد وصف شاعرنا حقيقة عشقه وحبه للناس والطبيعة والشعر للغرام النبيل السامى.


تقيم الطبيعة أعراسها فى الصباح وفى الأصيل ترى أى كف جميل مضى ينسج اليوم هذا الرداء الجميل؟ وأى جمال خضيل مضى يبدع اليوم هذا الجمال الخضيل؟


ويوقظ فى الغرام الشفيف..


 ويوقظ فى الغرام النبيل؟


 أنا عاشق الحسن والشعر


ويوقظ فى الأغانى العذارى


 ويوقظ فى الأمانى النشاوى


فأغدو على الحب أسمى نبيل


وتظل حماة مدينته الجميلة ساكنة حنايا القلب وضميره هى جزء من تكوينه


و إلهامه و أغاريده:


حماة فى خاطرى كرم وأغنية


وفى ضميرى صبابات أعانيها


وفى فؤادى ذكرى كلما خطرت


رفت على الثغر أشعارا يغنيها


ولا يجد فى حماة إلا بلدا طيبا وشعبا عريقاً أصيلا:


هى مهد العاصى و أم النواعير


تسامت فرعا وعزت أصولا


من يعرج على حماها يشاهد


بلدا طيبا وشعبا أصيلا


وكان أكثر ما يسعده أنه يعيش وسط مملكة الحب التى شكلها وعاش فى ظلالها وحماها بكل ما فيها من شعر وحسن وجمال وصفاء وقد تمثلت مملكته الشاعرة فى عدة رموز هى : العاصى نهره الساحر الفياض بالنماء والسحر منبع الخير والعطاء لمدينته الحبيبة حماة، ورفيقة حياته وأم أولاده السيدة نوال التى وقف بجانبها وهى على فراش المرض لأكثر من عشرين عاما حتى رحلت عن الحياة سنة 1999 .


وأبنا ؤه تمام و أنس وابنتاه سماح وتغريد ، وكانت لتغريد الشاعرة الابنة الغالية مكانة خاصة عند الوالد الحنون. ثم كانت الشاعرة مروة حلاوة الحبيبة، ثم الزوجة التى تبادل معها أجمل العواطف والمشاعر شعراً رقيقا عذبا يفصح عن كوامن النفس وخفقات القلب وهمسات الروح هام طويلا باحثا عن الملهمة والحبيبة وتوأم الروح.


ضمت مملكته الشعرية الرائعة أربع أميرات مؤثرة فى حياته وشعره..


1 - مدينة النواعير حماة ، فهى الحبيبة الأثيرة بكل ما فيها من طبيعة ساحرة وتاريخ مجيد، فهى مدينة أبو الفداء وقد غنى لمدينته الأثيرة طويلا فى شعره.


هذى حماة .. جمالها السحرى لم يخطر ببالى


أنت المحبة والحبيبة والجمال بلا مثال حتى متى تبقين فى البلدان مفردة الكمال؟


2 -  الأميرة الثانية زوجته وأم أولاده السيدة “نوال” التى رقدت فى فراش المرض ثلاثين اما صابرة على مرضها العضال وكان قلبه يتمزق وهو يرى معاناتها الصامتة الهادئة حتى انتقلت إلى الرفيق الأعلى م ساء 30 مايو “أيار” سنة 1999 ، فرثتها الابنة الشاعرة “تغريد” بكلمات باكية حزينة تقطر أسى ولوعة:


آه يا أمى .. لماذا الأمس آثرت الرحيل؟


وهجرت البيت والأهل


أنت العمر فى القلب وفى 􀀺ضوء العيون


أنت منى نور بستانى و أهداه الفنون


أنت من ضوأ قنديلى


و أهدى موسمى الأنجم والحب


وزهر الياسمين


فأنا كنت ومازلت


وأبقى العمر فى صدق أقول


كل حزن - ما عدا فقدك يا أمى يزول


كل شىء - ما عدا فقدك يا أمى يهون


هكذا كانت صدمة الفقد والفراق عند الزوج والابناء والتى عبرت الابنة الصغرى تغريد عن مشاعرهم جميعا ولوعة قلوبهم على فراقها للحياة التى لم تهنأ فيها بسبب مرضها العضال.


3 -  الأميرة الثالثة تغريد: وهى الابنة الصغرىالوحيدة التى ورثت الشعر عن أبيها وكانت لحماةمكانة خاصة فى قلبها فتغنت بسحرها:


يا حماة الغالية


أنت فى قلبى ربيع غامر الأطياب .. هلا


أنت أحلى من كروم الحسن.. أحلى


أنت أغلى من نجوم الكون .. أغلى


نأشت تغريد تعشق عالم الصفاء والنقاء والضياء فى ظلال طبيعة حماة الساحرة،


فراحت تغنى فى مملكة الضياء التى صنعتها وعايشتها رغم منغصات الحياة و آلامها:


أحب المساء وطيف المساء


و أهوى النجوم وبدر السماء


أحب الصباح وسحر الصباح


أحب الضياء ونبع الضياء


ويا ليتنى كنت سر الجمال


وياليتنى كنت عرس اللقاء


فكل الف صول تزف الجمال


سأقطف منها روى ما أشاء


وهكذا ظلت تغريد تغنى للصفاء والجمال وظلت تلبس ثوب الضياء رغم أشواك الطريق، وصخور الحياة و أحزانها.


4 -  الاميرة الرابعة مروة حلاوة: هى أميرة شاعرة فى مملكة الحب وجد عندها ملك مملكة الحب الشاعر محمد منذر لطفى الحب والشعر ليعوضه بعض سنوات


المعاناة التى صادفها فى مسيرة حياته، فظل يبتسم للحياة الجميلة رغم كل صعاب الحياة وعثراتها و أحزانها.


غنت مروة أيضا لحماة مدينتها الساحرة ولضفاف نهر العاصى:


طلع الربيع على حماة فأزهرت حتى الليالى


و أطل نيسان الجمال فمادت بالخمائل والغلال


يا أيها النهر الجميل و أنت أعراس الخيال


ما أجمل القمر الشفيف يطل من بين الدوالى


أنت المليكة فى ميادين الجمال ولا أغالى


و أنا التى أفدى الجمال لكل غالية وغال


وغنت مروة أيضا لحبيبها وشاعرها وزوجها الغالى محمد منذر لطفى بقلبها العاشق الحنون:


إننى يا ليل أفدى


قلب من أهواه أفدى


وسأسقى من سقانى


خمرة الأشعار وحدى


الشاعر العروبى ومحمد منذر لطفى لا يغنى فى مملكة حبه لأسرته وملهماته ومدينته الاثيرة حماة ولوطنه سوريا فقط بل يغنى للعروبة والنضال العربى ضد المستعمر الغاصب ومن ذلك قوله عن شباب العرب:


نحن جيل الوحدة الكبرى، و أحفاد الجدود


قد عقدنا العزم أن نحيا كراما كالاسود


نحن للأمجاد، للعلياء ، تاريخ حسن


كلنا يوم تمور الحرب يزرى بالمحن


همنا أن نرخص الروح لتخليد الوطن


وكانت صدمة 5 يونيو حزيران 1967 عنيفة على قلب الشاعر العروبى ولكنه يتمسك بالأمل والخلاص من عار الهزيمة بعد عام من هذا الطوفان الأسود:


مضى عام على الطوفان


ولكن الحياة الحلوة المغناة


لم تلمس أديم الأرض فى سيناء


مضى عام .. وجرح القدس ما جفت دماه الحمر


ولا مر الشفاء على الندوب السمر


يعز على أن ألقاك يا وطنى


تنادى الثأر .. يا أرضى


تنادى الثأر..


ولا من يسمع الصوت المغمس بالرجاء المر


لكن تجىء انت صارات حرب أكتوبر “تشرين” عام 1973 على الجبهتين السورية والمصرية لتعيد له الابتسامة والأمل وروح التحدى بعد أن رأى الدنيا أمامه ترقص علىأنغام تشرين المنتصر:


ترقص الدنيا على ألحان تشرين العظيم


وهى تروى قصة المجد وتاريخ الوفاء


تنفض الحزن تغنى ثورة الجرح


وعصف الكبرياء


والملايين التى روعها وجه حزيران اللئيم


أقبلت أسرابها تغزو الميادين الظماء


ماج فى أحداقها الثأر وبركان الإباء


وتسعد الانتصارات قلبه، فترق كلماته وتزهر المنى وتغنى الأطيار ويرى الجمال فى كل ما يحيط به فى مملكة حبه الرائعة:


بلادى ويعبق فى خاطرى


من الياسمين الرؤى والعبير


وتسكرنى وشوشات النسيم


وبوح هلال محب غرير


وهكذا تتبدل نظرته إلى الدنيا ، ويرى مملكته بعين المحب العاشق لمن حوله ولمدينته الأثيرة ولوطنه ولأمته العربية وللعالم كله، فللانتصار والكرامة والعزة مذاق النشوة والسحر.


***


هكذا صنع محمد منذر لطفى مملكة للحب والح سن والجمال حوله، وجعل من مدينته الأثيرة حماة مهدا للحب والجمال والشعر، وقد شاء الله أن تنتثر فى ربوع مملكته نجوم الشعر والجمال، وتتربع على ضفاف نهرها العاصى ونواعيرها الغناء أميرات قلبه الشفاف السابح فى بحار الحب والحسن والجمال.. غنى محمد منذر لطفى طويلا للحب والجمال وغنى لمدينته ولوطنه سوريا وغنى للعروبة وقضاياها، و سيظل شعره رغم محنة سوريا الدامية ورغم النيران التى تحاصر حماة وشتى ربوع سوريا صوتاً للحب والحرية والإباء العربى، وسيظل رغم الجراح والأحزان و أشواك الحياة ونيرانها شاعرا للحب والجمال فى مملكة الحب الخالدة!